لطالما كان الكُتاب وصُناع السينما والدراما بشكلٍ عام مُولعين باللعب مع الأزمنة والتنقّل بين زمنٍ وآخر، رُبما لأنها فكرةٌ فَضفاضة تُتيح لهم تناولها بطرقٍ عدّة دون أن تصيرَ مملّة أو مُستهلَكة. واليوم، ها نحنُ على أعتابِ لقاءٍ جديد مع مسلسل Midnight at the Pera Palace الفريد من نوعِه؛ حيث قرر أن يتلاعب هو الآخر بالأزمان ولكن بطريقتِه الخاصّة.

حبكةٌ مطهوّة على نارٍ هادئة

حين يُطلَب من إسراء -البطلة الأولى للمسلسل والتي تعمل كصحفية وتلعب دورَها الممثلة الشهيرة هازال كايا- كتابة مقال يضمّ 130 سببًا لزيارة فندق بيرا بالاس احتفالًا بالذكرى الـ 130 على إنشائه، تبدأ الأحداث في أخذِ مجراها.
يأخذها مُدير الفندق -أحمد- والذي يلعب دوره الممثل تانسو بشير في جولةٍ سريعة حول أرجاءِ الفندق، كاشفًا لها تاريخه العريق وبعض الخبايا المتعلقة بماضي الفندق الحافل بالأحداث الغامضة.

يتحتّم على إسراء أن تمضي الليلة في الفندق نظرًا لسوء الأحوال الجويّة، ومن بعد هذه الليلة لا يُصبح أي شيء كما كان من قبل. عندما ينتصف الليل، تجد إسراء نفسها فجأة في عام 1919، في مواجهة شخصياتٍ لم تحلُم يومًا أن تقابلها وجهًا لوجه، كأجاثا كريستي ومصطفى كمال أتاتورك. تمضي بخُطى متريّثة تجاه ذلك العالم الذي سقطت داخله فجأة، تحاول اكتشاف كيف وصلت إلى هنا وكيف ستعودُ إلى زمنِها.

جديرٌ بالذكر أن مسلسل Midnight at the Pera Palace مُقتبس من رواية للكاتب تشارلز كينج بعُنوان Midnight at the Pera Palace: The birth of modern Istanbul. في إخراج مُبهر من إيمري شاهين، حلقّت قصة الرواية إلى فضاءٍ أكثر رحابة وانفساحًا.

حصل المسلسل على تقييم 7 على موقع IMDb.

اقرأ أيضًا: فيلم Our Father.. حكاية الطبيب الذي خدع النساء بحيواناته المنوية

مسلسل Midnight at the Pera Palace.. السرّ في وتيرة الأحداث المتسارعة

على مدارِ ثماني حلقات، كل حلقة لا تتعدى مدتها الخمسين دقيقة، انعطفت القصّة وانقلبت الأحداث رأسًا على عقِب ولكنها لم تُخفص من سُرعتها أبدًا. كل حلقة تترك وراءها لغزًا يتطلب حلًا وسؤالًا يتوسّل إجابة، وحتى الحلقة الأخيرة لم تسلمْ من ذلك. تأخذنا الحلقة الأولى لتُعرفنا على تضاريس الرحلة التي سنمضي معها في السبع حلقات المقبلة. أما في الحلقة الثانية، تبدأ الأحداث بالتصاعُد، متجنبةً السلالم كيلا تُبطئَ من سرعتها ومُتجهةً نحو المِصعَد مُباشرةً.

حين تجد إسراء نفسها في مُعضلةٍ تقبع في عُمق التاريخ، يتفاقم الشعور بالمسؤولية داخلها تجاه مستقبل بلدتِها، وتُدرك كيف لأصغر الأحداث أن يكون لها عظيمَ الأثر فيما بعد. وعلى الضفّة الأخرى من الزمن، يُلاحظ أحمد اختفاء إسراء وعثورها على الثغرة الزمنية السريّة التي حرص طوال حياته على إبقائها مخفيّة عن الجميع. يقرر أن يتبعها قبل أن تتوغل في الماضي أكثر وتخرج الأمور عن السيطرة.

حين تكتشف إسراء أن لها شبيهةً أو بالأحرى توأمًا من زمنٍ آخر تقفُ أمامها مباشرةً تُسمى بريدا، تكادُ توقن أنها في حُلمٍ؛ ولكنها لا تستيقظ منه. ومن هنا، تبدأ إسراء في التعرّف على جذورِها وتحومُ الأسئلة في رأسِها، تُرى هل كانت بريدا إحدى أسلافِها؟ ولكن ما إن تأخذ القصّة مُنعطفًا حادًّا آخر حتى تتبخر كل تلك التساؤلات وينصبّ تركيز إسراء على المهمة التي من شأنِها تغيير مستقبل تركيا بالكامل، والتي وجدت نفسها متورّطة فيها بغتة.

تجدُ إسراء نفسها مُضطرةً إلى انتحالِ شخصيّة بريدا التي لا تعرف عنها سِوى أنها تمتلك ملامحها في تطابقٍ مخيف. والآن، هي مُقحمة في حياةِ بريدا بالكامل، وعلى عاتقِها مهمة الإبقاء على الأحداث تسير تمامًا كما درستها في كتبِ التاريخ كيلا تتغير أي تفصيلة في تاريخِ تركيا الحديث.

اقرأ أيضًا: أقوى أفلام الأكشن والإثارة والتشويق 2022.. قائمة ستجعلك تشاهد أفلامها حتى آخر لحظة

ومع الحلقة الثالثة؛ تبدأ إسراء في التعثّر داخل حياة بريدا أكثر فأكثر، وتبدأ أسرارِ شخصيتها الجديدة في الكشفِ عن نفسها بالتتابع. وما إن تعثر إسراء على دفترِ مذكرّات بريدا حتى يتسللُ إليها بعض الأمل ولكنه سُرعان ما يهجرها حين تكتشف أن اللغة التي كُتبت بها المذكرّات هي العثمانية القديمة، والتي لم تفقه منها حرفًا واحدًا.

في الحلقتين الرابعة والخامسة، تُحاول إسراء بمساعدة أحمد فكّ طلاسم مذكرّات بيدرا حتى تتمكّن إسراء من تأدية مهمتّها التاريخية والعودة لزمنِها بسلام، ولكن طريقهما لم يكن خاليًا من العقبات. ومع قدومِ الحلقة السادسة، يكون الحماس على أشدّه، حين تبدأ العلاقات التي تربط بين أحمد وخالد -الذي يقوم بدورِه الممثل صلاح الدين باشيلي- بالطَّفوِ على سطحِ الأحداث، وتبدأ أسئلة مختلفة في فرضِ نفسها على المشهد؛ هل مصائر كل منهما متشابكة؟

في الحلقتيْن الأخيرتيْن، تبدأ كل قطعة في الأحجية الوقوف في المكان المخصّص لها مُعانقةً جارتِها، وتبقى عدّة قطع مفقودة هنا وهُناك، مُتيحةً للمشاهد أن يُكملها كيفما يشاء، ومُتيحةً لصُنّاع العمل القيام بجزءٍ ثانٍ ورُبما ثالث.
قصّة حبٍ مشتعلة على الهامش.

اقرأ أيضًا: أفضل أفلام الجريمة والغموض 2022.. باقة منوّعة لمشاهدة المختلين نفسياً!

قصّة حبٍ مشتعلة على الهامش

في ظلّ مُغامرات إسراء ومُحاولاتها في تقمصّ شخصية بريدا حتى لا يُكتشف أمرها، تتقاطع طرقَها مع خالد والذي يتقمصّ بدورِه شخصية الجاسوس الذي يعمل لدى الإنجليز ضدّ بلادِه. وعلى الرغمِ من أنّ الأجواء مشحونةً بالقدرِ الكافي، وفكرة الوقوع في شِباكِ شخصٍ من زمنٍ آخر تبدو أبعد ما يكون عن المنطقية؛ إلا أنّ الحب كان له رأيًا آخر.

هل يولَد الحُبّ حقًا من رحِم العداوة؟ وهل ستستطيع إسراء إتمام مهمتها والعودة لزمنِها من جديد؟ أم أنها ستفضّل حياتها الجديدة عن القديمة؟ هل ستتمكن من معرفة ما حصل بالضبط لبيدرا؟ في زوبعةٍ من الأسئلة اللا متناهية نجد أنفسنا نلهثُ مع إسراء وهي تركضُ مُحاولةً اللحاقَ بالأحداثِ المتضاربة ومُقاومة ذلك الحبّ المتنامي بين أضلعِها.

وأخيرًا، إن كنتَ تأخذ وقتًا طويلًا في اختيارِ ماذا ستُشاهد في عُطلة نهاية الأسبوع؛ فمسلسل Midnight at the Pera Palace هو الاختيار الأمثل لك. لأنه يجمع ببساطةٍ بين عدّة نكهاتٍ متباعدة في وجبةٍ واحدة دسِمة، فإن كنتَ مترددًا بين تصنيفاتٍ عدّة مثل التاريخيّ أو الخيال العلميّ أو الرومانسيّ أو الإثارة والغموض وتُريد لفحاتٍ من الكوميديا غير المتصنّعة بين المشهدِ والآخر، فهو الاختيار المثاليّ لا مُحالة!

اقرأ أيضًا: مراجعة مسلسل Ethos: قصص مختلفة لنساء يعشن في مجتمع واحد