فيلم Gerald’s Game … المثلث السحري للتحرر

فيلم Gerald's Game
2

فيلم Gerald’s Game واحد من الأفلام الجيدة التي شاهدتها مؤخرًا، ربما الجانب الفلسفي في الفيلم وراء تصنيفي له ضمن الأفضل، والعمل مقتبس عن رواية للكاتب ستيفن كينج صدرت عام 1992، وهو من إنتاج نتفيلكس لعام 2017، ويبدو أنّ المؤلف اتّبع قاعدة الفلسفة البسيطة الأكثر تعقيدًا، بالطبع أنت لم تقرأ خطًا لغويًا، بل هو التعريف الذي ينطبق على فلسفة كل إنسان منا، وتركيبة الشخصيات والتي تكون بسيطةً لدرجة التعقيد، والتي استخدمها المؤلف.

الفيلم يحكي عن قصة صراع، ولكن البطل الضد في هذا العمل تحديدًا كان الشخص ونفسه، وبالطبع هي الحبكة الأصعب في مجال السيناريو، بجانب اعتماد تلك “التيمة” على جانب فلسفي.

قصة فيلم Gerald’s Game

ربما الفكرة العامة للعمل تصنف على أنّ البطل يدخل في مواجهة مع النفس، ولكن ستيف كينج مؤلف العمل صنف القصة لثلاث مواجهات، بالنسبة له هي مصيرية يواجها أي إنسان فإن صمد استطاع أن يعيش حرًا، وإن فشل فقد ظل سجينًا بداخل نفسه حتى يستطع التحرر.

أولى تلك المواجهات هي الموت، وبالطبع المعنى الذي أقصده هو القدرة على البقاء، وتنمية الغريزة بداخل كل إنسان، ولكن تتفاوت حدتها من شخص لآخر، وتلك المواجهة هي قدرة “جيسي” – بطلة العمل ومحور الأحداث – على الصمود، ورغب المؤلف على إيضاح تلك الفكرة والتشديد عليها بظهور هذا الشخص الغامض الذي كان يحمل بقايا أجساد بشرية، وتخيلها أنّه “ملك الموت” الذي جاء من أجل أن يلتقط أنفاسها الأخيرة، ربما أحيانًا الخوف من الموت يبقينا أحياء في لحظات يتوقع الجميع أننا قد فارقنا الحياة.

ثان تلك المواجهات كانت النفس، فحين كادت البطلة تستسلم لمصيرها دخلت في صراع مابينها وبين نفسها، ربما أراد المؤلف أن يجعل شخصية الزوج “جيرارد” رمزًا للنفس التي تسحبها لأسفل، وجعل من قرينتها التي ظهرت الجانب الإيجابي بداخلها، أي أنّه أظهر الشخصيتين لتجسيد الصراع الذي يدور بداخلنا متمثلًا في أشخاص، وجعل من المشاهد الحوارية تضادًا لإبراز المعنى الذي أراد إيصاله، حيث جعل جيسي تحاول أن تنتصر على خيباتها التي تجريها دائمًا لأسفل، وتكتشف أنّها تمتلك قوةً جبارةً استطاعت أن تدعمها للنجاة. لم تكن تعرف أنّها بتلك القوة، ولم تشعر من قبل أنّ لها تلك القدرة على الصمود ، إلّا حين واجهت نفسها واستطاعت أن تنتصر عليها، مواجهة مخاوفك هي ثالث المواجهات التي اكتمل بها المثلث السحري والذي جعلها تتحرر من قيود النفس، استطاعت أن تواجه مخاوفها من والدها وإفشاء السر الذي كان يسلسل يديها و يكبلها، كما أنّها استطاعت مواجهة خوفها من الكابوس الذي كان يراودها باستمرار، ذهبت لما اعتقدت أنّه الموت فنظرت في وجهة واقتربت منه بشدة فتخلصت من مخاوفها.

يحوي هذا الجزء حرق للأحداث

بطلة فيلم Gerald's Game

في أحداث العمل ظهر شخص لها واعتقدت أنّه ملك الموت، وبعدها كشف النقاب عن كونه نابش للقبور يقوم بقتل الرجال والاحتفاظ بأعضائهم، وكان وراء شكله المخيف إصابة بمرض يزيد من حجم لأعضاء وبعدها قبض عليه، وكان يأتي لجيسي باستمرار في أحلامها وكانت تعتقد أنّه الموت قبل أن تشاهد صورته في الجريدة بعد إلقاء القبض عليه وتحديد موعد لمحاكمته، وأثناء المحاكمة اتجهت له ونظرت له عن كثب للتخلص من مخاوفها – وذكرني ذلك بجملة سمعتها في فيلم عربي “إذا خفت من شيء فلا تغمض عينيك، بل اقترب مما تخاف وانظر له، فما ستشاهده في خيالك أفظع من الواقع بكثير”، وبذلك يكتمل المثلث السحري للتحرر، والحقيقة أنّ مثل تلك الأفلام التي تدعونا للتفكر، هي النوعية التي يجب أن نغرم بها.

الإخراج

بطلة فيلم Gerald's Game

مع هذا السيناريو لو لم يكن الإخراج جيدًا لضاع العمل حرفيًا، وهذه المرة لن أتحدث عن لقطات تصوير أو تنوعها، ولكن سيكون حديثي عن قدرة الإخراج في إضافة وإيصال المعنى النفسي للمشاهد، والأدوات الإخراجية التي تم استخدامها من ديكور وإضاءة وحتى التصوير.

سنبدأ في الحديث عن التصوير كان أولها لقطة “close in” على الأصفاد بالطبع كان لها مدلول على عدم الشعور بالحرية، ومشهد كسوف الشمس والذي استغله الأب للعبث مع ابنته الصغيرة، ومحاولة التعدي عليها جنسيًا دون لمسها كان هذا مدلولًا على سلبه حريتها طوال عمرها، وسلبه طفولتها، واستخدام الكلب الذي ينهش جثة زوجها، ومحاولة أن ينهشها وهي الضغوطات التي تنتظرنا نضعف حتى تقضي علينا.

أمّا الديكور فظهر ذلك في استخدام الغرف الصغيرة للتعبير عن الانغلاق، والألوان القاتمة، وحتى كوب الماء والذي كان يمثل النجاة ولكنه كان صغيرًا للغاية، ليعبّر على ضيق فرصة نجاة الشخص، والهاتف الذي نفذت بطاريته، كلها أشياء ضمن الديكور كانت تضيف للمعنى، وتدخل المشاهد في الحالة النفسية لكل مشهد من العمل.

أمّا الإضاءة استخدمها المخرج ثلاثة استخدامات: الأولى أن تكون عامل ضغط على الشخصية ليضيف مزيد من التوتر والارتباك، والعامل الثاني كان معنويًا حتى يصل للمشاهد أنّه في تلك اللحظة قد اسودت الفرص وانعدمت أو العكس، والاستخدام الثالث كانت المفاجآت كظهور “الموت”، أو العبث بالإضاءة وظهور الكلب الذي يحاول أن ينهشها، ولم يتوقف على استخدام الإضاءة بل جعل لون الإضاءة يحدد الحالة النفسية، كالأحمر للتعبير عن الموت. في المجمل استطاع المخرج أن يجعل من العمل لوحةً فنيةً مكتملة الأركان.

التمثيل

فيلم Gerald’s Game لم يعتمد على العديد من الفنانين، بل كانت الأدوار معظمها ثانوية عدا ثلاثة أدوار وهي جيسي و وزوجها و والدها.

Carla Gugino: وهي التي لعبت دور جيسي وهو الدور الرئيس في العمل، وقدمت كارلا أداءً رائعًا، ويبدو أنّ إيمانها بفكرة صراع الإنسان مع نفسه قد طغت عليها. لذلك، قدمت دورها بحرفية وإيمان شديد، واستطاعت أن تجسد صراع الإنسان مع نفسه بسلاسة وقدرة تمثيلية كبيرة.

Bruce Greenwood: جسد دور جيرالد زوج جيسي، ربما كان يظهر في الأحداث أنّه البطل الضد، ولكنه قدم النفس التي تحارب وتهدم، قدم دوره ببراعة، بل وامتاز بالسهل الممتنع في الأداء.

Henry Thomas: حيث قدم دور توم وهو والد جيسي والذي كان أحد أسباب أزمتها النفسية وسجنها بداخلها، وعلى رغم من وداعة ملامحه إلّا أنّه جسد الشر الذي يتزين في رداء البراءة. لم يقدم الكثير من المشاهد في العمل، ولكن دوره كان محوريًا و إحدى ضلوع مثلث بناء الأحداث.

ربما هوس المؤلف بالمثلث الذي يحرّك في الأحدث ظهر أيضًا في بناء الأحداث من خلال 3 أشخاص، ليكونا هما المثلث السحري للأحداث.

قصة فيلم Gerald’s Game

فيلم Gerald's Game

قصة العمل مقتبسة عن رواية تحمل نفس الاسم للكاتب ستيف كينج صدرت عام 1992، حيت تحكي عن فتاة تمر بمرحلة رتابة في علاقتها الزوجية فتقرر هي و زوجها أن يتجها إلى منزلهما الصيفي من أجل محاولة تجديد الدماء في العلاقة، وبعدها يقيدها زوجها في الفراش بغلال وبعدها يصاب بنوبة قلبية نتيجة تناوله منشطات ذكورية، وتحاول تلك الفتاة التخلص من الأصفاد إلّا أنّها تدخل في صراع مع نفسها، ينتهي بقدرتها على الانتصار على معاناتها النفسية.

2

شاركنا رأيك حول "فيلم Gerald’s Game … المثلث السحري للتحرر"

أضف تعليقًا