الفن التجريدي ليس عنوان لكل لوحة بلا معنى والواقعية مسؤولية كبيرة

كاندنسكي
2

شارك المقال 👈

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pocket

في الآونة الأخيرة، ومع الانتشار الواسع غير المشروط لوسائل التواصل الاجتماعي بمختلف عناوينها، وبالتالي إمكانية نشر المحتوى الفكري والفني بطريقة غير مشروطة، ومن دون الالتزام بالقواعد العلمية الأساسية حتى في كثير من الأحيان، أصبحنا نقرأ اسم الفنان الفلاني والفنانة الفلانية ونرى ما يُنشر من محتوى فني، سواء أكان مقروءًا أم مسموعًا أم مرئيًا، ولهذا الأمر عدد من الجوانب الايجابية طبعًا، أحدها التحرر من سطوة دور النشر وبيروقراطيتها، ولكن سلبياته لا تعد ولا تحصى وربما تكون أكثر خطرًا على الذائقة الجمعية مما نتخيل! وهنا سنتناول الفن المرئي، وتحديدًا التشكيلي، إذ نلاحظ انتشار اتجاهين متناقضين بالفن تمامًا هما الواقعية أو ما يصطلحون تسميته بذلك، والتجريد أو ما يدعون أنه تجريد.

اقرأ أيضاً: 20 من أغلى اللوحات الفنية في العالم على الإطلاق!

التجريد، فن معقد عميق حتى اذا أردنا شرحه لغويًا فلن يكون من السهل إيصال الفكرة، بيد أننا سنحاول جاهدين فعل ذلك. لا يعبر الفن التجريدي بالضرورة عن أشخاص أو أشياء موجودة بالواقع؛ فربما يكون بالكامل في خيال الفنان! وهذه نقطة مهمة للغاية، إذ يعتمد الفنان في تشكيل هذا الخيال غالبًا على الأشكال الهندسية والألوان والأحجام المختلفة والأبعاد المختلفة، وذلك يوفر للمشاهد رؤية للعمل من عدة زوايا ويمكن لكل شخص أن يستخلص مشهدًا رآه ربما لم يره من بجانبه. نشأ الفن التجريري في بداية القرن العشرين، وكان من أهم مؤسسيه الفنان الروسي كاندنسكي، إذ أعطى للألوان مفاهيم إنسانية؛ فاللون الأبيض يعبر عن الصمت والأخضر عن السلام مع امتلاك القوة، والأحمر يشير إلى الثقة بالنفس والقائمة تطول. وفي ظل هذا المفهوم العميق للفن التجريدي، من المعيب حقًا بل ومن العار نشر بعض الأعمال التي لا تتعدى كونها مجموعة جاهلة من الألوان المختلطة مع بعضها دون هدف ودون وضوح! وإذا تجرأت وسألت الفنان العظيم عن تفسير لوحته، فإنه ببساطة يرمقك بتلك النظرة التي تفهم منها أنك جاهل بما يرمي إليه في فنه العظيم! ويقول لك إنها لوحة تجريدية كأنه بذلك فسر الغموض!

زنابق مائية مونييه
في هذه اللوحة للفنان الفرنسي مونييه والتي تنتمي للمدرسة التجريدية ، نستطيع بالرغم من عدم تجسيد الأشكال بشكل واقعي لكن يمكن فهم ما يرمي إليه الفنان، وهنا وجبت الملاحظة أن التجريد أنواع في هذه اللوحة لمح الفنان للأشكال التي في خياله من خلال اجتماع الألوان والأشكال مع بعضها بهذا الترتيب بالذات.

كاندنسكي

وفي هذه اللوحة للفنان الروسي كاندنسكي نرى النوع الآخر الأكثر تعقيداً، الذي يعتمد على الحوار بين اللون والشكل والحجم وبالتالي امكانية رؤيتها من زوايا مختلفة بشكل دائم، ويذكر أن كاندنسكي هو الفنان الذي خلق معنى انساني للألوان.

للأسف الشديد هناك خلط كبير في المفاهيم، فالغموض يختلف بشكل كامل عن اللا معنى، فمن المعيب نسب أي لوحة بلا معنى أو روح إلى المدرسة التجريدية دون معرفة علمية دقيقة حتى بهذه المدرسة وروادها ونشأتها. وللعلم كل رواد المدرسة التجريدية قادرون على رسم الجسم الإنساني بدقة عالية وتفصيل ممل! فالتجريد أسلوب تعبير وليس غطاء لعدم القدرة على الرسم بواقعية. وربما إذا فهمنا هذا يمكن أن نميز بين لوحة تجريدية قيّمة، وبين علبة طلاء سكبت صدفة على قطعة قماش وبعد ساعة أصبح القماش لوحة في نظر صاحبها!

اقرأ أيضاً: القصص المثيرة وراء بعض أشهر الأعمال واللوحات الفنيّة في العالم

أما الواقعية المسكينة فهي مدرسة فنية عريقة جدًا، وروادها عبر التاريخ كانوا من أهم الفنانين العالميين الذين نتمتع بمشاهدة أعمالهم حتى يومنا هذا. وتهتم هذه المدرسة بنقل الواقع بصدق كامل ورسم الحدث بأمانة تاريخية تضمن له أن يكون وثيقة تاريخية أمينة، وذلك لا شك يتطلب من الفنان جهدًا كبيرًا ومعرفةً عميقة بالحدث وظروفه كاملة. وحتى الآن نحن نتكلم بشكل علمي عن هذه المدرسة، بيد أن المفاجئ في هذا الزمن هو استغلال بعض الأفراد ضعف المعرفة الفنية لدى شريحة كبيرة من الناس للأسف، فيقدمون أنفسهم على أنهم فنانون تشكيليون واقعيون دون أدنى معرفة بالفن ودون خلفية واضحة! فبمجرد تقديمهم لرسم يجسدون فيه بورتريه (وجه) بشكل يقترب من الواقع، فإنهم يقدمون أنفسهم تحت مسمى الفنان أو الفنانة الفلانية! وطبعًا ليس انتقاصًا من أحد ولكن رغبة بلفت النظر إلى ضرورة الاطلاع والقراءة الجدية الأكاديمية بهدف الحصول على فن راقٍ هادف، يمكن أن يكون  ذاكرة واقعية لعصرنا، يشاهدها أحفادنا ويفخرون بها كما نشاهد نحن أعمال العمالقة ونفتخر بها.

كسارو الحجارة غوستاف كوربييه
في هذه اللوحة للفنان غوستاف غوربييه نرى تجسيداً واقعياً للغاية لمشهد يصور عمال ذلك العصر ويمكنك لمس المعاناة للعمال، ونستطيع تصنيف اللوحة على أنها مشهد تاريخي يجسد الواقع بأمانة.
الفنان الواقعي لديه قدرة هائلة على رسم الأشياء التي يراها بدقة كبيرة، بالإضافة إلى قدرته على تشكيل مشهد كامل صادق يمكن أن يكون جزءًا من الحكاية أو الخبر. الفن التشكيلي بحاجة إلى الكثير من الثقافة البصرية والقراءة والتدريب والاطلاع على مختلف الثقافات وهذا ضروري جدًا لمن يرغب بإطلاق صفة فنان على نفسه، فهذه الكلمة لا تعبر عن شخص قادر على الرسم فقط، بل تعطي انطباعًا بأننا نتعامل مع شخص مثقف مطلع بعمق، ولديه روح حالمة. لذلك ربما نحن بحاجة إلى تحديد دقيق للمفاهيم ومعانيها لكي لا نقع في خلط سيربك أطفالنا وربما ينتج جيلًا كاملًا بمفاهيم بعيدة عن الواقع.

في النهاية لست مجبراً على تذوق الفن، لكن اذا أطلقت على نفسك صفة الفنان هناك الكثير من السؤوليات التي تقع على عاتقك.

اقرأ أيضاً: لماذا تباع بعض اللوحات بأسعار خيالية، ولماذا الفن مكلفٌ لهذه الدرجة؟

2

شاركنا رأيك حول "الفن التجريدي ليس عنوان لكل لوحة بلا معنى والواقعية مسؤولية كبيرة"

أضف تعليقًا