فيلم Anonymous Animals
0

في فيلم قديم صافح الشاشة ذات اللونين الأبيض والأسود عام 1966، جعل روبيرت بريسون الحمار بالتازار بطلًا لفيلم سماه “Au hasard Balthazar” وكان هذا العمل السينيمائي الذي حلّ فيه الحمار محلّ البطل والشخصية المحوريّة من أوائل الأفلام التي أدخلت الحيوان في عوالم الفن السابع إلى جانب Old Yeller وLassie come home و Dalmations 101. لم تقف رحلة تلك الحيوانات الأليفة والشرسة بعدها، فشاهدنا Hatchi و The Lion King و King Kong و Black Beauty. لازمت الحيوانات الشاشات بيد أنني لم أتوقّع يومًا أن ينقلب السحر على الساحر وأن تحلّ محلّ الإنسان، فما الذي حدث في فيلم Anonymous Animals؟

Anonymous Animals عن الإنسان الحيوان والحيوان الإنسان

صقلت نظرية التطور إضافة إلى النصوص الدينية والخرافات التي تقرّ بتفوّق الإنسان على غيره من مكونات النظام البيئي نرجسيّته وغروره حتى صار يعتلي عرش الكون ويستعبد الحيوانات فيسيء إليها عن قصد وعن غير قصد دون أن يفكّر في احتمال أن تنقلب كفتا الميزان وتصير الدابة سيدًا له. هذا ما حدث في الفيلم الفرنسي “Les animaux anonymes” الذي عُرض لأول مرة يوم 21 سبتمبر هذا العام ليكون بذلك بكرة أعمال السيناريست والمخرج الفرنسي باتيست روفور. وهو عمل وثائقي تحسيسي، اُستُخدِمت فيه الفانتازيا والرعب لتقرّبنا من الواقع لا لتبعدنا عنه. 

بالرغم من فوزه بـ 15 جائزة دولية جاب بها مهرجانات كبيرة، لم ينل هذا العمل -الذي دام ساعة وأربع دقائق دون أن نسمع فيه صوت أعلى من أصوات الخوف واللوعة والقلق والبطش- إعجاب الكثيرين، كما هو الحال بالنسبة للعديد من الوثائقيات الصامتة التي تولد وتموت في متاهات النسيان وقد تأكد هذا بتقييم رديء قُدِّرَ بـ 4,6 من أصل 10 على منصة IMdB وبآراء ومراجعات عديدة ظلّت تعتقد أن فشله النسبي من حيث التقييمات لم يكن ليطرح لو كان فيلمًا قصيرًا مكثّف المشاهد. 

فيلم تُعكس فيه موازين القوى ويُحرّكه صراعها

يقوم هذا العمل السينمائي على صراع قوى مختلف عن تلك الصراعات السياسية التي تجمع الغول الأمريكي بالتنين الصيني مثلًا والاجتماعية التي تتناحر فيها الطبقات ويتجسد في صراع تصير فيه الحيوانات أسيادًا ويصبح فيه الإنسان عبدًا وحيوانًا كما هو الحيوان اليوم. تُعكس الأدوار بين الكائنين وتأخذ الحياة بذلك منحى آخر لا يمكن أن يتخيله الإنسان حتى في أسوأ كوابيسه. يحل الليل مكان النهار ويصير الهلع نشيد الصباح.

يفتتح هذا الفيلم مشهدٌ اعتدناه ولكننا لن نراه بعدها حيث يظهر من جهة رجل مارٌّ في عتمة الليل ومن جهة أخرى ثعلب مقتول ببشاعة ثم تتوالى المشاهد الغريبة والمعكوسة قصد إيقاظنا ومخاطبة وعينا، إذ ينطلق المخرج الفرنسي منذ المشهد الثاني في تصوير واقع الحيوانات اليوم من خلال تصوير التجارب الشعورية التي عاشتها الذوات الإنسانية التي أخذت مكان الكلب والثور والخروف حتى يتحول بذلك من مخرج إلى معلم لا ينفكّ يؤجج نيران الإحساس بالذنب داخلنا. هكذا يصير الرجل المار جسدًا نازفًا، مرميًا في التراب ويصير الثعلب رجلًا واقفًا، حاملًا بندقيته. 

تتصاعد وتيرة الألم والخوف شيئًا فشيئًا من مشهد إلى آخر ولسنا هنا نعني خوف المشاهد بقدر وصفنا لما يختلج صدور بشرٍ استحالوا حيوانات. يتجلّى هذا بشكل واضح في حلبة الصراع التي يؤثثها شخصان تحت هتاف وتشجيع الكلاب لعبيدها من ذوي الإنسان كما يظهر في الإسطبل حيث يُرمى الإنسان وشبيهه ويموتون في اللحظة آلاف المرات كلما سمعوا صوت السكاكين. كلها مشاهد عنيفة وقاتمة تفضح القسوة التي يمارسها الإنسان على الحيوانات مؤكدة على أنانيته المفرطة وحبه للسلطة واستخدام القوّة. ولئن زاد هذا عن حده، فقد رأينا مؤخرًا حراكًا توعويًا كبيرًا يحتفي بحقوق الحيوان وينادي بها، مشيدًا ببطش الكائن البشري وقبحه.

حراك دولي وقصص مبكية من أجل الرفق بالحيوان

يولد النور حتى في أحلك ليالي البشرية ويجد الإنسان بدًا من التفكير في غيره حتى في أبشع النظم العالمية. يستحضر أشعار محمود درويش فيفكر بغيره وهو يسدد فاتورة الماء ويفكر بغيره وهو يخوض الحروب. يفكر به وهو يعدّ الفطور ويفكر به وهو نائم في البيت قبل أن يردد معه البيت الأخير، فيقول:

“وأَنتَ تفكِّر بالآخرين البعيدين، فكِّرْ بنفسك
قُلْ: ليتني شمعةٌ في الظلامْ”

ظل هذا الحس الإنساني الذي نادى إليه درويش حيًا عند البعض بالرغم من عمليات استغلال الحيوانات لتحقيق الثروة وتشريدها والتنكيل بها، وقد برز من خلال فيلم قصير هزّ العالم منذ أشهر وهو فيلم الأرنب رالف الذي كسر حواجز الصمت والسكون وخرج ليحدثنا في فيلم خيالي مثير للسخط والشفقة عن مأساته ومعاناة غيره من الحيوانات الذين تُجرّب عليهم يوميًا وبصفة متواصلة مساحيق التجميل. ينضوي هذا الفيلم تحت راية منظمة دولية تدعى Human society international تُعنى بالحيوانات وبحقوقها وتقوم بحملات تحسيسية وبرقابة مكثفة خاصة في المناطق التي باتت فيها أنواع وأصناف مهددة بالانقراض. بيد أن يدًا واحدةً لا تصفق ومنظمة واحدة لن تنجح في حماية المجال الحيوي من بطش البشرية ومن طمعها في أضعف المخلوقات.

الحقيقة أبشع من فيلم “Anonymous Animals” والواقع أمرّ. دم الضعيف مُباح مهما كان عرقه وأصله وجنسه ولونه، خاصة حين يفقد صوته ويصير كالحيوان أو النبات كائنًا من الدرجة الثانية، يعامل بقسوة وبشراسة ويقتل في الوهلة مليون مرة.

اقرأ أيضًا: أفلام بطلها “كلب” أظهرت الصداقة والوفاء مع الإنسان … لا تفوتك مشاهدتها

0

شاركنا رأيك حول "فيلم Anonymous Animals.. حين تُعْكس موازين القوى بين البشر والحيوان"