مثل الصلبان الخشبية المشؤومة التي زرعها الأب على الحدود ليذكر زوجته وطفلهما بأن ما رواءها تستعر نار الحرب، يذكرنا فيلم El páramo الإسباني، بأننا نحن بني البشر لا يمكننا أن نعيش بمنأى عن الصراع؛ صراعنا مع بني جلدتنا وصراعنا مع أوهامنا.

يتصارع الناس فيما بينهم ما داموا يعيشون في جماعات، لكن مع من يتصارعون عندما يضطرون للعيش بمفردهم منعزلين؟ ليس الجحيم هم الآخرون، كما ادعى سارتر، وتغنى البعض بهذه المقولة كحالة من الترف؛ الجحيم هو أوهامنا المحدقة بعقولنا، والخوف هو سيد مشاعرنا وأكبر متحكم في أفكارنا وسلوكنا.

سلام موهوم

تعيش لوسيا (إنما كويستا) وزوجها سلفادور (روبرتو ألامو) في سلام موهوم في منزل معزول في ريف مقفر، حياة تبدو هادئة وآمنة نسبيًا، إلى أن ركب الأب حصانه ورحل، لتبقى الأم مع ابنها (أزيير فلوريس) وحيدين، خائفين من مخلوق مرعب، الذي أخذ يضايقهما بطريقة غامضة وعنيفة ليل نهار.

في القرن الـ19 تصطدم إسبانيا بالعنف، من غزو القوات النابولية إلى الحروب الكارلية حتى الصراع الأمريكي اللاتيني. تفر العائلة الصغيرة من الحرب إلى أرض قاحلة معزولة وسط المستنقعات، في منزل صغير وما حوله من مزرعة وحظيرة، يواجهون أسطورة الوحش وخطره الوشيك، الذي أنذر به وصول قارب حملته مياه النهر وعلى متنه جندي محارب جريح، جاء كدخيل وحيد على عائلة سالفادور، وبمجرد أن استجمع قواه وقف مشيرًا بيده نحو الأفق البعيد قبل أن يفجر رأسه بالبارود، بالتالي سيؤدي حادث الانتحار هذا إلى رحيل الأب بحثًا عن عائلة الجندي، بحسب ما أخبر زوجته التي كانت لا تزال تمسك بحصانه، لعلها تقنعه بالعدول عن هذا القرار المفاجئ.

فيلم El páramo ورمزية عزلة كوفيد

يبدو الفيلم كقصة رمزية للعزلة ووباء كوفيد، لكنها بالكاد تكون مصادفة غير سارة، على الأقل في مرحلة كتابة السيناريو لم تحدث الجائحة بعد، ولم نبدأ نحن بعد في مواجهة الأشباح التي عانى منها الكثير منا منذ تفجر جائحة فيروس كورونا.

الفيلم الذي أخرجه "ديفيد كاساديمونت" يذكرنا بأهمية العلاقة السببية بين العزلة وتدهور الصحة العقلية، حيث من الوارد جدًا أن يخاف المرء من أشياء صنعها بيديه، إذا ما بقي حبيس أربعة جدران، مثلما يحدث بالضبط مع الطفل "دييغو" في بداية الفيلم، حيث يظهر مرتعبًا من التماثيل الخشبية الصغيرة التي اعتاد أن ينحتها بالقرب من المدفأة بينما والدته تقص عليه الحكايات.

ثمن العزلة باهظ

فيلم El páramo أو "القفر" ليس فيلم رعب بالمعنى الحرفي، إنه فيلم سيكولوجي مخيف، عن سلوكيات تدمير الذات، وأساليب التفكير التي تقود الإنسان إلى الجحيم.

ثمن العزلة باهظ جدًا على الإنسان باعتباره كائنًا اجتماعيًا، لا يمكنه أن يعيش بدون تفاعل مع الآخرين، وقد تؤدي حياة العزلة إلى إصابة الإنسان بالقلق العصابي والفصام والاكتئاب وما يصاحب ذلك من هلاوس وفقدان تقدير الذات... هنا العزلة في هذا الفيلم تولد الوحوش.

تتطور حالة القلق العصابي لدى عائلة سالفدور إلى حالة من الخوف من أخطار واقعية مدركة أو متخيلة؛ الخوف من الوحش الذي إذا ما رأيته سوف تصبح ملعونًا إلى الأبد، الخوف من الجوع بعدما دمرت العاصفة محصول الذرة، بل حتى الأرانب خائفة من تهشيم جماجمها بضربة عصا.

ولد ليُمثل

ليست شخصيات الفيلم لوحدها، بل حتى المُشاهد يدخل في حالة من القلق، من ألوان الصور الشاحبة الحزينة والسماء الملبدة بالغيوم، والمكان المحدود الذي يتحول إلى مكان مغلق في الجزء الأخير من الفيلم، يحمل إحساس رهاب الأماكن المغلقة، بعدما تحاول الأم الاحتماء مع ابنها والأرانب (الطعام المتبقي) داخل المنزل، حيث يحبسان نفسيهما ترقبًا لهجمات الوحش، ووسيلة الدفاع هي بندقية وقليل من خراطيش البارود وأدوات حادة وعصي.

يبدو أزيير فلوريس الذي لعب دور دييغو كمن وُلد ليلعب أدوار سينمائية بارزة، لقد نجح بالفعل في تقمص شخصية الطفل المرعوب، والتي توحي برفض قاطع لرغبات والده بإخراج الرجل منه بسرعة من أجل إعداده للبقاء على قيد الحياة ورعاية والدته في المستقبل، ولطالما كان دييغو شغوفًا باكتشاف العالم وراء الأراضي المنبسطة والقاحلة، وتجاوز صلبان الحدود ليذهب بعيدًا.  

في أحد الأيام أخذ سلفادور ابنه جانبًا وأخبره قصة الوحش، وهو مخلوق طويل نحيف وأجوف العينين. إنه مخلوق يتغذى على الخوف ولا يراه إلا من خافه.

اقرأ أيضًا: أغنية “الجحيم”.. رسالة Stromae إلى الذي أنهكته الحياة وراودته أفكار انتحارية