رسام يقطع أذنه مواجهًا بأذن واحدة آلام الوجود، ومغنّية تربط أحلامها بحبل غليظ باحثة عن السعادة في حياة أخرى. بين هذا الرسام وتلك المغنيّة، نكتب يوميًا قصص مقاومتنا لأعباء هذا العالم وضغوطاته. تكثر هذه القصص وتختلف رؤى أصحابها ولكن الغاية واحدة، فأنا أقاوم اليأس بالكتابة و Stromae يقاومه بأغنية ليست كبقيّة الأغنيات.

حوار صحفي يتحوّل إلى حفل موسيقي مبهر

عاد المغني البلجيكي الشاب Stromae بعد غياب دام 7 سنوات إلى الشاشة، في مقابلة صحفية إخبارية قدّمتها الصحفية الفرنسية Anne-Claire Coudray في قناة TF1 الأسبوع الماضي على الساعة الثامنة مساءً. ويا لها من عودة إعلامية وموسيقية واعدة!
أُجرِيَت المقابلة للتعريف بألبوم هذا الفنان الجديد الذي تقرر أن يرى النور في الرابع من شهر آذار وللحديث عن أسباب هذا الغياب الطويل لكنّ Stromae لم يشأ لها أن تكون مقابلة كلاسيكية، خالية من روحه ومن لمساته وبصماته، إذ ما إن سألته الصحفية عن الدور الذي لعبته الموسيقى في تجاوز التجارب الشعورية والحياتية البشعة التي عاشها حتى عمّ الصمت على الاستديو للحظات قبل أن يلتفت الضيف للكاميرا مجيبًا عن السؤال بأغنيته الجديدة التي لم يقدّمها من قبل.
أغنية تعرّينا وتفضح قبح أفكار تعترينا في أصعب محطات الحياة، أفكارٌ تتلخص في محاولات الانتحار وهجر هذا الوجود بكل ما فيه من حلو ومر، فتضعفنا وتنهكنا وتخجلنا حتى نقرر أن نخبّئها آملين بذلك أن ترحل وتتركنا وشأننا.
يتحدث Stromae عن قيود الإحساس بالذنب التي تحدّ من حركة الإنسان المعاصر، عن خوفه وأزماته الوجودية وقلقه المفرط. يخاطبنا جميعًا ويضمّد جروحًا ظننا أنها لا تُداوى. يختار أن يعبّر أمام كاميرا متحركة حوله عن حالات نفسية نعيشها كل يوم دون أن يعلم كل منّا أن الآخر الذي يجلس بالقرب منه ويدرس معه في نفس الصفّ ويبتسم له في المواصلات يعيش نفس المعاناة. هكذا تصير المقابلة الصحفية ضربًا من ضروب الارتجال البديع والخروج عن المألوف بأسلوب فنّي وإنسانيّ مدهش يبرّر غيابًا دام 7 سنوات.

جحيم Stromae هو الحياة

جحيم Stromae يحصد 9.8 مليون مشاهدة و530000 إعجاب في ظرف 5 أيام لأنه جحيم يشبه حيواتنا في عصر التفاهة والبنوك واللقاحات والسرعة. يؤثث المداخلات الإذاعية فيقول Bruno Donnet في برنامج إذاعي على Europe1 إنه اخترع أمام أعيننا المقابلة التي تُغنّى والأغنية التي تستحيل مقابلة صحفية والتي اعتبرها وسيلة مذهلة ومدهشة للحديث عن جحيم عاش فيه هذا الفنان وعن أفكار سوداء سكنته في الفترات الماضية. أضاف Bruno أننا اعتدنا حضور الأغاني في المقابلات التلفزية ولكننا هذه المرّة فوجئنا بالأغنية التي تحلّ محلّ الإجابة.
يتجاوز الشاشات ويفوز بالقلوب ويُبكي المشاهدين، ثم يطرق أبواب بيت تيدروس أدهانوم غيبريسوس المدير العام لمنظمة الصحة العالمية الذي اختار أن ينشر تدوينة في حسابه على تويتر يشكر فيها المغني الشاب على تطرقه لموضوع الصحة النفسية وحديثه عن ظاهرة الانتحار التي ما زلنا نخشى الحديث عنها. خروج هذا الفنان من عزلته وانفتاحه على العالم والإشارة إلى مواضيع كان يعتبرها أغلبنا أسرارًا وعيوبًا لا ينبغي الإفصاح عنها ولا يجب أن تخرج خارج حدود الفكر والجسد، حركة إنسانية قد تساعد مئات الآلاف على تجاوز عتبة الاكتئاب والهلع ورفض فكرة المضي هكذا، دون محاولة التعافي وتجاوز المأساة.

مسيرة فنيّة تظهر فيها إنسانيّة هذا المغنّي

في كلّ ظهور إعلامي ومع كل أغنية جديدة، يلبس Stromae ميدعة المعلم ويعطينا دروسًا لا يمكن أن تُنسى من فرط جمالها. حدث ذلك اليوم مع أغنية "L'enfer" أو الجحيم وحدث منذ 8 سنوات مع أغنية "Tous les mêmes" التي قدّمها في برنامج Le grand journal على Canal+، متقمصًا دور الفتى والفتاة بتقنية تحويل الصورة وقد كشف في هذه الأغنية الكليشيهات التي تحكم العلاقات بين الرجل والمرأة كما رفع الحجاب عن الهوية الجندرية المحددة والمرتبطة بصفات معيّنة.

في محطة أخرى، خاطب هذا الشاب الذي صار أيقونة من أيقونات البوب مباشرة مرض السرطان الذي ارتبط في ذاكرته بأوجاع طالت والده ووالدته والذي تجسّد في الكليب في عنكبوت عملاق ولاقى هذا العمل نجاحًا باهرًا، إذ قدّرت المشاهدات على منصة يوتيوب بـ 3 مليون مشاهدة في أقل من 24 ساعة.
لم يكتفِ Stromae بتصوير المعاناة التي عاشها مع المرض من خلال تجارب أبويه بل ظلّ يبدع في رسم مآسيه وتحويلها إلى أعمال فنيّة ظريفة كما فعل في أغنية Papaoutai التي عكست غياب والده الرواندي ذي المزاج المتقلّب والذي قتل في الإبادة الجماعية التي مسّت رواندا سنة 1994. بإيقاع كنغولي وبألوان إفريقية وبنص واقعي نابع من ذكريات طفولة هذا الفنان، كتبت الأغنية وصوّر الفيديو كليب وصار نغمًا يردده الأطفال الذين عانوا شرّ هذا الغياب.
في ذهن Stromae وبين خلاياه العصبية، يمتزج الواقع بالخيال وتراقص المأساة الكوميديا وتحتضن الحياة الموت. يكفي أن يرى مشهدًا صغيرًا أو أن يسمع جملة قد لا نعيرها نحن اهتمامًا ليحولها إلى نجاح موسيقي باهر كما فعل في "Formidable" التي استوحاها من كلمات قالها له أحد سكّان الشوارع في بروكسل وتطرق فيها إلى مسألة إدمان الكحول.

"كنت بحاجة أن أعيش" هذا ما يقوله Stromae في بداية تلك المقابلة الاستثنائية مع الصحفية الفرنسية حين سألته عن السبب الذي دفعه للقول سنة 2015 بأنه سينال قسطًا من الراحة. كلّنا بحاجة أن نعيش اليوم في ظلّ أنظمة تجعلنا نرى الوقت مالًا والحياة سباقًا والعمل منافسة قاتلة. كلنا بحاجة إلى التفكير في كلمات هذا الشاب والإمعان في مضامين أغانيه.

اقرأ أيضًا: Adele تحوّل حياتها من قصّة هجرٍ واكتئاب إلى ألبوم “30” الناجح