كيف تؤثر شخصيات الأفلام على مصير الامم!

0

ثلاثة أطفال أو أربعة، أعمارهم بين السابعة والعاشرة، قد خلعوا ستراتهم وبدت صدورهم شبه عارية إلا من ملابسهم الداخلية، إذ يصيح بهم أولهم وهو يجري أمامهم: “اتبعوني .. أنا الألماني!!”.

رأيت ذلك المشهد قبل عدة سنوات في إحدى المدن المصرية بأم عيني، ولعل الأمر قد نال مني ففغرت فاهي برهة وأنا أتبعهم بناظري، ولم أنتبه إلا برفيقي يناديني لنتابع سيرنا.

أفضل 10 أفلام في مسيرة النجم الهائل توم هانكس

بعد تلك الحادثة بسنة أو نحوها، وبينما أسير في نفس المدينة أيضاً، إذ بي أرى طفلين لم تتجاوز أعمارهما السابعة أو الثامنة على أقصى تقدير، ولداً وفتاة، ويبدو أن تلك الفتاة كانت تحاول إخباره أن أمه تريده بالمنزل. ولدهشتي، فإن الطفل رفع جانب سترته ليخرج “ملعقة” صغيرة ليلوح بها في وجه الفتاة كأنه يهددها بسكين مثلاً إن لم تكف عن إلحاحها!!

إن لم تكن تعرف بالفعل، فإن “الألماني” هو شخصية بدأ تلميعها في السينما العربية منذ فترة، لشاب بلطجي ومدمن مخدرات وخمور ونساء، ثم يتنقل بطلها بين عدة أفلام بعدة شخصيات مختلفة، ويتبعه الشباب كمثل أعلى بالطبع.

مصدر تلك الكارثة

محمد-رمضان

إن المتابع لحال أمتنا لا يُخفى عليه السبب في تلك الطامة، فإنها نتيجة مباشرة لمشاهدة أفلام أحد الممثلين الهابطين الذين عجت بهم شاشاتنا في الآونة الأخيرة، أولئك الذين يتم تلميعهم بعناية في الإعلام مؤخراً وسُجلت لهم عدة أفلام قاموا ببطولتها.

إن كانت تلك الحوادث حدثت معي شخصيا، فإنني أكاد أجزم عن يقين قاطع أن كل قارئ كريم لهذا المقال قد تعرض لأحد قد تأثر بفيلم أو مسلسل أو سلسلة برامج، فإن الإعلام المرئي الذي يتخذه جيل الآباء وسيلة للتسلية وقضاء الوقت ومتابعة الأخبار، لهو النافذة التي يطل منها النشء على العالم الواسع، فيتلقوا منه مصادر معرفتهم.

الظاهرة السينمائية .. جاك نيكلسون

لكن على أي حال، فإنني أرجو منك ألا تفهمني بصورة خاطئة، فإنني لا أطلب أن يُمنع الإعلام المرئي مثلا! ذلك بأن هذا الجيل يفضّل المعلومة المرئية عن المسموعة، والمسموعة عن قرينتها المكتوبة. كما أن الإعلام المرئي خاصة والإعلام بصورة عامة هو آلة جبّارة لتوجيه الشعوب، فلا يجوز بحال أن يستهين المرء بها أو يغفل استخدامها، وفي نفس الوقت فإنني لا أستطيع السكوت عن استخدامها بشكل يخرب عقولنا وعقول أبنائنا!

أطفالنا، أساسات المباني

pollen-comb

ربما تظن أنني بالغت قليلاً حين وصفت الأمر بالطامة، حسناً … دعنا نحلل الأمر بمنطقية وموضوعية مجردة من العواطف التي تنحاز لجانب دون الآخر دون دليل مقنع. لم لا نضرب مثالا؟ إني أحب الشرح بالأمثلة كثيراً، فهي تفصل أصعب المسائل المعقدة، وسيكون مثالي عن مملكة من ممالك الحشرات، مثل مملكة النمل أو النحل. أخبرني، كيف تتعامل المملكة مع اليرقات الناشئة؟

إن بيض النحل مثلا تتم رعايته عبر عدة مراحل تستغرق عدة أسابيع تشمل إعداد “البيئة” التي تناسب البيض الذي سيتحول إلى يرقات ثم نحل مكتمل النمو. لم برأيك كل ذلك الاهتمام الذي تلقاه اليرقات؟ لم تقضي الشغالات الكثير من الأيام في إعداد الخلايا واستقبال الغذاء ومن ثم إعطاؤه لهم؟ لماذا لم تُترك اليرقات في العراء مثلا؟

منيرة المهدية .. رائدة المسرح الغنائي

الواقع أن تلك الممالك الصغيرة تفعل ما يتغافل عنه الكائن الأرقى على هذا الكوكب!،د فأنت ترى الآباء والأمهات في بيوت الكثير منا يتركون أبناءهم فريسة التلفاز والإنترنت دون رقابة حقيقية لما يشاهدوه، هذا إن لم يكونوا يشاهدوه معهم في تلك الأفلام الهدّامة التي أتحدث عنها.

تخيل معي عقل أحد أطفالنا الذين يُتركون فريسة أفلام ومسلسلات يكون أبطالها من شاربي الخمور ومتعاطي المخدرات وبنات الهوى!! أريدك فقط أن تنظر له بعد عشر سنوات من الآن، واسأل نفسك  ذلك السؤال: هل يستطيع هذا الطفل بعد عشر سنين أن يبني دولة؟

مناقشة الواقع! حجة مردودة

بالطبع نحن نعرف حجة أصحاب تلك الأبواق الإعلامية في نشر تلك الصور الهادمة المضلة، وهي أنهم يناقشون قضايا المجتمع للبحث عن حلول لها!

حسنا، مرة أخرى، دعنا نناقش الأمر بطريقة موضوعية، حينما تجد فيلما يتحدث عن قضية ما بأسلوب الأفلام الموجودة في الساحة العربية الآن، أيا ما كانت تلك القضية سواء كانت إدمان المخدرات أو الشذوذ الجنسي أو فتيات الهوى.

أكثر الشخصيات التي تم شكرها في حفل جوائز الأوسكار

هل تجد الناس بعد انتهاء الفيلم يجتمعون للبحث في طرائق لمعالجة تلك المشكلة المطروحة في الفيلم، أو حتى مناقشة طريقة الحل التي قدمها الفيلم؟ هل يطلقون وسماً على تويتر مثلا ليخلقوا زخماً كافيا لكي يتصرف المسؤولون في السلطة التنفيذية حيال الأمر؟ أم أنهم لا يتذكرون سوى جسد الراقصة وقصة شعر الممثل؟

إن الإنصاف يجعلنا أمام الحقيقة التي لا تقبل المراء، أن تلك المواد الإعلامية تتستر خلف تلك القضايا التي تناقش بصورة سطحية جدا لكي تفسح المجال لمشاهد المطاردة بين الشرطة والبطل الذي يحيى حياة عفنة مليئة بالمخدرات والخمور ودخان السجائر وفتيات الهوى، لتجعل الغلبة لذلك المدمن أو تجعل الغلبة للشرطة، غير أنه في كلا الحالتين يضمنون تعاطف الجمهور مع البطل!

صورة هادفة لمناقشة القضايا

إنني أذكر مسلسلا أمريكياً قديماً اسمه “Full House” تحدث في إحدى حلقاته عن عنف الآباء تجاه أبنائهم، وهي مشكلة منتشرة لدى الغرب وتناولها الإعلام الغربي كثيراً، خاصة لدى الآباء الذي يعاقرون الخمور والكحوليات، بل إن النساء قادت حملة في مطلع القرن الفائت في أمريكا لمنع الخمور بسبب ما يفعله الأزواج بزوجاتهم وأبنائهم.

الشاهد أن ذلك المسلسل بعد انتهاء الحلقة أذاع مقطعاً صغيراً لاثنين من الممثلين به، وأعتقد أنهما كانا جون ستاموس وجودي سويتن، رجل وطفلة، ليتحدثا عن حل لتلك المشكلة بشكل واقعي. فقد قدموا أنفسهم بأسمائهم الحقيقية، ثم أخبروا المشاهدين أن من يتعرض لاعتداء جسدي من أبيه أو أمه فليتصل على رقم كان معروضاً على الشاشة، وسيصله أقرب أفراد النجدة.

تعرّف على أغنى عباقرة صناعة الأفلام في هوليوود

فالأمر لم يكن على هيئة مثل “اتصل بنا وحدثنا عن مشكلتك” وينتهي الأمر بوعد بإيصال الأمر للمسؤولين، بل إن الدولة أقامت مؤسسة أو جهازاً يتلقى مثل تلك البلاغات بصورة دائمة.

هذا هو ما أطلق عليه مناقشة قضايا الواقع، وليس ما تفعله المواد الإعلامية المقدمة في أفلامنا! نعم إنني أعرف أن هناك أفلاماً ساقطة في المجتمع الغربي، لكنهم يعرفون ذلك، ويمنعون عرض بعض تلك الأفلام إذا احتوت على قضية تمس أطياف المجتمع كله مخافة أن يراها صغار، أو على الأقل يعرضونها في صالات سينما لا تسمح بدخول أطفال.

من يملك الإعلام …

هناك مقولة قرأتها في صغري وحفرت في رأسي حفراً، تقول بأن من يملك الإعلام يملك أربع أرباع القضية!

هذا لكي لا تظن أنني في هذا المقال أقول لك اكسر تلفازك بالمنزل، أو اعتقل أولئك الممثلين، كلا. إنما أريد أن أنبه كل من يصل إليه ذلك المقال إلى أن نبتنا الصغير الذي نؤمل فيه تغيير حالنا يتم تخريبه وإفساده من قبل رجال أعمال لا هم لهم إلا جمع الأموال في حساباتهم، وممثلين يتخذون من التمثيل و تصوير الأفلام ذريعة لارتكاب الجرائم الأخلاقية والرذائل التي تأنف منها القيم التي تربينا عليها.

ما وراء ناروتو .. الجزء الثاني: نظريات السلام!

لكي أنبه أيضاً إلى ابتكار حلول كالتي أوردتها لمشكلة عنف الآباء مثلا، بدلاً من طرق تقديم الأفلام التي تحض على الرذيلة أو الجريمة أكثر من محاولة التوعية بخطرها!

0