مسلسل Grimm أنت لست مجنونًا فداخل البشر تعيش الوحوش

بوستر مسلسل Grimm
5

“كان يا ما كان في سالف العصر والأوان” مَن منا لم يسمع هذه الجملة يومًا وهو طفل؟ وسواءٌ كنت طفلًا في العالم العربي، أو تعيش في أمريكيا ويقال لك once upon a time، أو تسمعها بالفرنسية il était une fois، أو حتى بالألمانية Es war einmal، فهي بكل لغات العالم دلالة أكيدة على أنّ القادم سيكون دقائق أو ساعات من المتعة الخالصة، حيث تستمع إلى حكاية جديدة تسيطر على خيالك وتستحوذ عليه لتنقلك إلى عالمها.

والحقيقة أنّ نسبة كبيرة جدًا من الحكايات التي سمعتها وأنت صغير تعود أصولها إلى الأخوين جريم، اللّذين جمعوا التراث القصصي ووضعوا عليه لمستهم، فهناك في الغابات الألمانية ولدت “سندريلا”، و “هانسل وجريتل”، و “وسنوهوايت وأقزامها”، و “روبانزل” والعديد والعديد من الحكايات التي تسكن قلوبنا وعقولنا.

لذا، فكما تمتعت وأنت صغير بهذا العالم ودخلت كتاب الحواديت، سيأتي مسلسل جريم Grimm وأنت كبير ليعطيك متعةً خارقةً حقًا من نوع مختلف.

لقد كبرت حقًا فلا تنتظر عصا الجنية، ففي انتظارك عصا الشرطي

صورة من مسلسل Grimm

لو تخيلت أنّ المسلسل سيأخذك لعالم الكارتون والفانتازيا الجميل فلا تتوقع ذلك، فالمسلسل يدور في عالم واقعي تمامًا، حيث قسم شرطة بورتلاند الذي يعمل به عدد من رجال الشرطة النشيطين من ضمنهم المحقق “نيك بوركهادرت”، والذي يقوم بدورة “ديفيد جيونتولي”، نيك يعيش حياة عادية واقعية، له صديقة “جوليت” التي تقوم بدورها “إليزبيث تولوش” يعيش معها قصة حب ويستعد للتقدم للزواج منها، حيث اشترى خاتم الخطبة وينتظر اللحظة المناسبة. في القسم لديه صديقين هما المحقق”هانك” يقوم بدورة “راسل هورنسباي”، والشرطي “وو” والذي يقوم بدورة “ريجي لي”، بل حتى مدير “نيك” في العمل شخص متفاهم ومتعاون هو “شون رينالد”، والذي أبدع في دوره “ساشا رويز”.

كل هذا رائع وهادئ وخالي من الخيال، ولكن كان في انتظار “نيك” زيارة ستغير مجرى حياته للأبد.

خالتك التي تأتي لتزورك تحمل لك “صندوق بندورا” أو “مقطورة بندورا”

صورة من مسلسل Grimm

الكثيرون يهابون الزيارات المفاجِئة للأقارب اللذين لم نرهم منذ عقود، ويشعرون أنّ هذه الزيارات المفاجِئة دائمًا ما تحمل المصائب. إن كنت من هؤلاء فبعد أن تشاهد “جريم” ستتأكد من ذلك.

فـ”نيك” الذي يسير – في أمان – يفاجَأ بفتاة جميلة تعبر من أمامه، وفجأة تتحول ملامح الفتاة لثوان لوحش بشع، يفزع يتراجع فقط ليجد أنّ الفتاة كما هي لم تتغير، مما يجعله يشك في قواه العقلية أو على الأقل بأنّه أرهق ذاته بشدة، عندما يعود للمنزل يكتشف أنّ خالته “ماري” جاءت في زيارة مفاجِئة، وهي تقود مقطورتها الصغيرة وتصر على البقاء داخلها والمبيت هناك.

خالته جاءت تحمل له خبر سيّئ وهو كونها مريضة بالسرطان وتحتضر، أمامها أسابيع معدودة وربما أيام، ولكن صبرًا فهي تحميل له كارثة أخرى، “عزيزي نيك هل ترى أمورًا غريبةً هذه الأيام … عذرًا لقد نسيت إخبارك أنّك جريم”.

هكذا تطلق خالته الخبر في وجهه، فنيك من نسل عائلة عريقة ينتمون لما يسمى بـ”الجريم”، والجريم هو شخص يستطيع أن يرى الوحوش داخل الآخرين. ليست وحوشًا مجازيةً، بل الواقع أنّ جنسنا البشري ليس بهذا النقاء، فهناك كائنات تدعى “فيسن” هذه الكائنات هي مزيج من البشر كشكل خارجي، ولكنها تنتمي لسلالات من الحيوانات المختلفة، هؤلاء “الفيسن” يخفون هويتهم ويعيشون بشكل طبيعي بين البشر، ولكن عند الانفعال: كالغضب أو الحزن أو الخوف أو الفرح يحدث لهم تحول “فوجا” لتظهر حقيقتهم. هذه الحقيقة لا يراها إلّا الفيسن الآخريين، ولا يراها البشر عدا “الجريم”، وعلى مر القرون كان “الجريم” يطاردون “الفيسن” ليقضون عليهم؛ خوفًا من أن يتسببوا في أضرار للبشرية.

لم تكتفِ خالته بهذا الشرح، بل زادت من سعادته أن أخبرته بكون حالة التقمص “الجريمي” هذه لا فكاك منها، فأنت ستبقى “جريم” مهما حدث، لا يمكنك الاستقالة، وسيعرف الفيسن أنّك جريم بمجرد النظر لك، وهم متحولون. لذا، إن لم تطاردهم أنت سيطاردونك هم. لذا، عليه أن يحمل أرث عائلته الذي وضعته خالته في المقطورة من: كتب عن أنواع الفيسن، ووصفات وأسلحة وكل ما قد تتخيل لجريم أن يحتاج إليه ليقوم بمذبحة في كائنات الفيسن.

“لن أعيش في جلباب خالتي” معضلة تواجه “نيك”

بطل مسلسل Grimm

من أكثر الأمور التي ستشد انتباهك في هذا العمل هو الفكرة والأحداث، فالأمر ليس مجرد مغامرات حيث الصياد “نيك” يطارد “الفيسن” ليتخلص منهم، وإن بدا الأمر شبيه بذلك خلال أحداث الموسم الأول، ولكن لا تجعل هذا يخدعك، فمع معرفة “نيك” لحقيقته، ورؤيته لحقيقة الأشخاص الذين هم في الأساس فيسن. بدأ داخله صراع حقيقي بين الشرطي الذي من المفترض ألّا يعاقب إلّا من خلال الأدلة والحقائق، وألّا يسيء لشخص إلّا بعد التأكد من كونه مذنب، وأن يعامل المذنب بالقانون لا بشريعة الغاب، وبين واجبه كجريم يحتم عليه إبعاد الخطر عن البشر وحمايتهم من تصرفات بعض الكائنات التي لا يرونها ولا يتخيلون وجدها، هل يجوز له تجاوز القوانين بما يملكه من معلومات من أجل المصلحة العامة.

ليس هذا فقط، فمع انغماس “نيك” في عالمه الجديد كجريم. بدأ يتكشف له أنّ “الفيسن” مثل البشر تمامًا بعضهم جيد وبعضهم سيّئ، وأنّه على مر العصور تعامل الجريم المختلفون معهم بعنف فأداروا فيهم القتل فقط لكونهم مختلفين، فليس كل الفيسن أشرار. لذا، فكان التساؤل “لماذا يُقتل شخص بريء لمجرد أنّه مختلف طالما كان مسالم ولا ضرر منه؟” هذه المعضلات الأخلاقية التي تواجهنا يوميًا في تعاملنا كبشر، واجهت “نيك” بشكل أكثر وضوحًا.

وهكذا قرر نيك أنّه لن يسير على خطى الجريم من قبله ومنهم خالته، سيكون جريم فريد من نوعه. هو لا يتعامل مع الفيسن بعنف إلّا الأشرار منهم، يحمي الفيسن الضعفاء كشرطي وكجريم مثلما يفعل مع البشر العاديين، يحاول دائمًا أن يكون شرطيًا قبل أن يكون “جريم”. ولكن هل تحميه وتحمي من يحب هذه السياسات؟ بالتأكيد لن أجيبك. شاهد المسلسل لتعرف.

ثم نفخت الخنازير الثلاثة في باب بيت الذئب المسكين لتقتحمه وتأكله

صورة من مسلسل Grimm

خلال رحلة “نيك” في عالمه سيكوّن قاعدةً من الأصدقاء من البشر و “الفيسن” على حدٍ سواء، مع وجود لغز رهيب يتعلق بعدد من المفاتيح الأسطورية، وعائلة مالكة غاضبة على الدوام، يحتاج نيك دائمًا للمساعدة، ليكوّن عصابةً صغيرةً من الأصدقاء. ليحاربوا معه دائمًا.

على رأس هذه العصابة “مونرو” إن لم تقع في حب مونرو فأنت غريب حقًا، الشخصية التي يقوم بها “سيلاس وير ميتشل” ببراعة حقيقة، فهو فيسن من نوع “البلوتباد” أي الذئب، والذي يتحول لكائن مرعب حقًا عندما يغضب، في البداية يشك نيك في كونه مجرم، ولكن ما هي إلّا ساعات ويكتشف أنّه عثر على صديقه الصدوق حتى لو لم يدرك ذلك في لحظتها، “مونرو” شخصية شديدة الجمال، فهو الذئب – فعليًا – المتوحد، الذي يعمل في إصلاح الساعات، المثقف والعطوف، ماضيه يحمل أمورًا يخجل منها، ولكنه قرر العيش بطريقة مختلفة، فمونرو نباتي حتى من اللحوم الحيوانية العادية، بل نجد أنّه يُستهدف في وقت من الأوقات من فيسن من نوع “البايرشفين” – خنزير – في مفارقة حقيقة، للخنزير الذي يطارد الذئب وليس العكس.

مونرو المحب للاحتفالات الذي يحول منزله لقنبلة من الأضواء في الأعياد، والذي يغضب لأي ضرر يقع لأصدقائِه ومن يحب، شخصية تستحق أن تراها خاصةً عندما تتلاقى خطوطها مع شخصية “روزالي” الفوكسباو – ثعلبة – الجميلة.

العائلة المالكة … ماذا تريد؟ أن تملك بالتأكيد

صورة مسلسل Grimm

“الرويالز” وهي العائلة المالكة التي تعيش في النمسا، لتحكم على مر قرون هذا العالم، فغالبًا ما عمل الجريم لديهم لاقتناص الفيسن الذين يخرجون عن النص، ولكن مع الزمن وتغير التحالفات فأصبح بعض الفيسن أقرب للعائلة، بينما الجريم – أو بعض الجريم – مطاردين من العائلة؛ نظرًا للشك في امتلاكهم عدد من المفاتيح الهامة، والتي ستمثل لغزًا هامًا على مدار أحداث العمل، وتريد العائلة الملكة أن تتملك هذه المفاتيح.

وإذا تكلمت عن العائلة المالكة فيجب أن تتكلم عن “شون رينارد” نعم إنّه الضابط الذي يدير القسم الذي يعمل به نيك، والذي ستكتشف في مرحلة متقدمة من الأحداث أنّه نصف ملكي، وبينما “شون” يعرف كل شيء عن “نيك”، فإنّ “نيك” يظن لفترة طويلة كون شون مجرد رئيسه في العمل.

إن كانت شخصية “مونرو” مبدعةً، فإنّ “شون” هو خلاصة الإبداع، شخصية رمادية مرسومة بعناية، ستكرهه حد تمني موته بأبشع الطرق، وتحبه حد التهديد بمقاطعة المسلسل لو حدث له شيء، لتعود ولا تطيقه ثانيةً وهكذا دواليك، فشون كتب عليه أن يعيش لعنة اللامنتمي، وأزمة المنطقة الوسطى، فهو النصف بشري ملكي/ والنصف فيسن، وهو الشرطي / والمجرم عند الحاجة، وهو عضو المقاومة / ورأس المؤامرة.

“شون” رسمت شخصيته بعناية فائقة، فلا تشعر أنّ تنقلاته بين الخير والشر، وبين شخصيتي الفيلن villain / الهيرو Hero بأنّها مفتعلة، أو غير مقنعة فدائمًا لديه أسبابه التي إن لم تقبلها ولكنك ستتفهم دوافعها، وقد أبدع “ساشا رويز” في أداء الشخصية، فهي بحق دور عمره.

ثم تحول المشاهدين جميعًا، وتحول المخرج والمنتج كذلك

صورة مسلسل Grimm

عندما تكون بشريًا في عالم أسطوري فأنت أقل جاذبيةً ودورك أقل تأثيرًا، هذه الفكرة غالبًا كانت مسيطرةً على صانعي العمل طوال رحلتهم في مواسم المسلسل الستة، فعلى مدى الأحداث يتساقط المزيد من الأشخاص الطبيعيين ليتحولوا إلى أشخاص مختلفين، فهذا يتحول ليفيسن وهذه تتحول لهيكسنبيست – ساحرة – وهؤلاء ذوي قدرات خارقة، الكل يأخذ دورة ليصبح خارق بشكل دائم أو حتى مؤقت.

وهو الأمر الذي كاد أن يقضي على العنصر البشري في المسلسل، فالعالم ينقسم لجريم ورويال وفيسن، ولولا شخصيات محدودة بقيت على حالها وإن نالها التحول في وقت ما بشكل عارض أيضًا، لكان البشر خاصةً في المواسم المتقدمة من المسلسل عنصرًا نادرًا يجب أن تمسك بعدسة مكبرة لتبحث عنه.

ولكن تبقى حقيقة أنّ تحولات الشخصيات الدرامية هذه لم تأتي ركيكةً، أو غير مبررة بل خدمت القصة للغاية.

فقرة في حب متجر “التوابل والشاي” والمقطورة وأشياء أخرى

صورة مسلسل Grimm

هناك في كل عمل مميز أشياء صغيرة تخلب لبك، وتسيطر عليك وتربطك بالعمل بسلاسة دون أن تدري، ويمتلِئ “جريم” بهذه التفاصيل الصغيرة، فمتجر “التوابل والشاي” الذي تمتلكه “روزالي” بأرففه القديمة، والآنية الزجاجية التي تمتلِئ بمواد عجيبة تكاد من صدق تجسيدها أن تشمها عبر الشاشة.

المقطورة التي جاءت تحمل كل هذا، ولكنها أصبحت الملجأ للجميع، والتي ستبكي بسببها في مشهد ما لن تستطيع تخطيه بسهولة – اطمئن لن أحرق الأحداث الهامة –

كذلك إتقان تجسيد كائنات الفيسن، فصناعتها منذ أول موسم متقنة للغاية لا تثير السخرية أو الانتقاد، والتحول من الحالة البشرية للفيسن سلس تشعر وكأنّه يتم حقًا، ولا يكسر لديك حاجز الإيهام.

شخصيات كثيرة مرسومة بدقة لن تسمح المساحة المخصصة للمقال بتناولها، وكذلك الرغبة بعدم حرق أدوارها، كتربول، وماسنر، وأداليند، وباد، وكيلي، ودايانا، كلها شخصيات عندما تشاهد المسلسل وتتذكر أسماءَها ستدرك كم كان تأثيرها في الأحداث حتى لو كانت أدوار بعضهم صغيرةً.

كذلك بدء كل حلقة بمقولة صغيرة مكتوبة على الشاشة من أحد كتب الأطفال التي كتبها الأخوين جريم، وهو الأمر الذي حافظ على أسطورية العمل حتى النهاية.

المسلسل يستحق المشاهدة فعلًا، مكوّن من 6 مواسم منتهية، جميع المواسم 22 حلقة عدا السادس 13 حلقة فقط، يمكنك مشاهدة 5 مواسم منها عبر شبكة النتفيلكس بترجمة عربية أو انجليزية.

وفي النهاية لا يمكنني ألّا أنهي المقال إلّا بـ”توتة توته خلصت الحدوتة، وعاشوا في تبات ونبات وخلفوا صبيان وبنات”، أو live happily ever after.

5

شاركنا رأيك حول "مسلسل Grimm أنت لست مجنونًا فداخل البشر تعيش الوحوش"