فيلم Luca
0

يقول الكاتب الفرنسي “فيكتور هيغو” في رواية رومانسية جميلة له تحت عنوان “أحدب نوتردام” وعلى لسان الغجرية التي جاءت بها الأقدار إلى الأراضي الفرنسية في رحلة سرمدية للبحث عن معنى الحياة، بعد أن سألتها إحدى الشخصيات عن ما إذا كانت تعرف معنى الصداقة: “نعم، إنها أن نكون أخًا وأختًا، أن نكون روحين تتجاوران ولكنهما لا تتداخلان، كما تكون إصبعان من أصابع اليد الواحدة”.

هذا الرابط الوطيد والمقدس هو ما جمع وحش البحر “Luca” بـ “Alberto” وما دفعهما للمضي جنبًا إلى جنب في سبيل الحياة، بعيدًا عن المخاوف والعوالم المائية والخرافات.
لكن الفيلم على بساطته كان أكبر من هذه العلاقة وأوسع من مجال هذه الصداقة، فكيف نجحت “ديزني” بعد “Soul” و “Raya and the last dragon” في الفوز بقلوبنا؟

أقرأ أيضًا: فيلم Soul يقترب من 100 مليون دولار حول العالم .. تفاصيل البوكس أوفيس العالمي هذا الأسبوع

"لوكا' وهو بصدد الإستمتاع بإكتشاف ذاته. Luca

مرة أخرى، تهدينا بيكسار فيلمًا جميلًا على كل المستويات

توطدت علاقتنا ببيكسار التابعة لوالت ديزني مؤخرًا حتى وجدنا أنفسنا، أطفالًا وكهولًا في كل ركن من أركان هذا العالم البشع، ننتظر على أحر من الجمر صدور أفلامها الواحد تلو الآخر. فبعد انتظارنا لفيلم “Soul” الذي كان بمثابة صوت عروس بحر يشد إليه كل مستمعيه وبعد بحثنا عن أول حضور للتنانين في المخيلة الجماعية لبلدان شرق آسيا، نمضي اليوم نحو فيلم جديد ينسينا بأجوائه الإيطالية اللطيفة حر الصيف وينفخ فينا روح الطفولة.
هذا الفيلم هو فيلم “Luca” الأمريكي الذي أخرجه “Enrico Casarosa”، المخرج الإيطالي الذي أتقن فن رسم مخططات القصص في أفلام أحببناها كفيلم “Ratatouille” و”Up” و “Ice Age” والذي كتبوه معًا “Jesse Andrews” و”Mike Jones” و”Simon Stephenson”. تمامًا كما حدث لفيلم “Soul”، عُرِض “Luca” الذي يدوم 96 دقيقة يوم 18 يونيو 2021 على منصة ديزني+ بينما تقرر عرضه في قاعات السينما في البلدان التي لا تتاح فيها خدمات هذه المنصة.

أدّى “Jacob Tremblay” صوت وحش البحر الصغير البالغ من العمر 13 سنة “Luca” بينما أدّى “Jack Dylan Grazer” صوت وحش البحر الشجاع، الأكبر بسنة واحدة “Alberto Scorfano” ونالت “Emma Berman” صوت الفتاة الإيطالية الصغيرة ذات الشعر البرتقالي وبائعة السمك “Giulia”.

الصداقة المتينة بين لوكا وألبرتو وجوليا.

على السواحل الإيطالية، تختفي المخاوف وتزهر الصداقات

في “Porto rosso”، تلك المدينة الساحلية الخيالية التي رسمها المخرج إهداءً لمنطقة ساحلية إيطالية مكونة من خمسة مدن صغيرة تدعى “Cinque Terre” حضنت ذكريات طفولته وتذكيرا بـ “Porco Rosso” وبصاحبها “Hayao Miyazaki”، تدور أحداث هذا الفيلم. إذ يمل وحش البحر الصغير “Luca” الحياة في البحار ويحمله الفضول إلى السفر واكتشاف اليابسة لكن مخاوفه وتهديدات والدته وضميره الذي كان يحمل اسم “Bruno” تركته في حيرة من أمره حتى تعرّف على وحش بحر صديق يدعى “Alberto” كان له من الشجاعة والقوة ما جعله يخرج إلى العالم الفوقي ويكتشف بمجرد خروجه تحوله إلى ذات بشرية.
لم يكن “Alberto” يشبه “Luca” في شيء ما عدا جذورهما وفضولهما وحبهما للسفر ومع ذلك جمعتهما الصداقة فكانا كما قالت الغجرية في بداية المقال كأصابع اليد الواحدة. بيد أن العمل لم يقتصر على علاقة الصداقة تلك رغم محوريتها وتجاوز ذلك ليشير من جهة أخرى إلى العلاقات العائلية التي تحاول كبح رغباتنا بتعلة الخوف والمحبة المفرطة فظهرت والدة البطل مسطرة حياة طفلها رغم حضور الجدة إلى جانبه في صمت. ثم عادت الصداقة كطوق نجاة ينقذنا من الغرق في قبح العالم البشري من خلال الرابط الذي جمع وحشي البحر المتحولين بالفتاة الإيطالية الشجاعة “Giulia” التي استضافتهما في منزلها وقبلت أن تشاركهما حلمها في الفوز في سباق كبير، خسرت في خوضه مرارًا وتكرارًا.

بورتو روسو المدينة الإيطالية الخيالية الملونة.

الحلم والمثابرة والفضول والمحبة، كلها عناوين لهذا العمل السينمائي

ما زلنا أطفالًا تطرق الحياة أبوابهم فيخرجون للنور كـ “Luca” و”Alberto”. ينزعون ثيابهم المريحة التي لطالما لبسوها في البيت ويصارعون مخاوفهم وكل تلك الأفكار التي زرعت فيهم كما فعل البطلان، حالمين بالحرية تمامًا كما حلم الصديقان بالفوز بدراجة نارية وركوبها لاكتشاف العالم.
تحضر في هذا الفيلم ثنائيات تتجاوز ثنائية الوحوش البحرية والوحوش البشرية أو عالم البحر وعالم اليابسة لتطول مشاعر الخوف والشجاعة والكره والمحبة والصدق والكذب وتدعونا لكسر تلك القيود الافتراضية التي صنعناها في أذهاننا ومخيلاتنا والتي منعتنا من رؤية العالم والاستمتاع بألوان هذه الحياة.

وحشا البحر وهما يخططان لتجاوز مخاوفهما والوصول لحلم الدراجة النارية. Luca

“! Silenzio Bruno” جملة سمعناها كثيرًا في الفيلم

لا يمكن أن ينكر أحد سماعه لصوت مؤنب وقوي كلما همَّ بالغوص في تجارب جديدة وقد نجتمع معًا على الإقرار بأن منبع هذا الصوت هو المجتمع والعائلة والعادات والخرافات. لم ينكر فيلم بيكسار الجديد وجود هذا الصوت بل أطلق عليه اسمًا يختلف عن “الضمير” وجعل إسكاته أول درسٍ يعلمه “Alberto” لصديقة الصغير وأول خطوة يخطوها الإثنان جنبًا إلى جنب في طريق الحلم والعلم والنمو.

"silenzio bruno" والتحليق في سماء الحلم. Luca

يقول الكاتب والمترجم المصري أنيس منصور في روايته “حول العالم في 200 يوم”: “يكفيني أن أذهب إلى مكان جديد فأي بلد جديد هو الجنّة بالنسبة للبلد الذي قبله، فليس أروع ولا أمتع من رؤية بلد جديد، من معرفة شيء جديد، من الخوف من جديد والقلق من جديد والإطمئنان من جديد”. كرّس بطلا فيلم “Luca” هذه المقولة من خلال حلم طفولي لطيف كالنسيم المسائي العليل في سواحل إيطاليا الملونة وقدّمت بذلك بيكسار عملًا فنيًا كبيرًا يكاد ينافس في جماله وفي كتابته للكبار وللصغار فيلم “Soul” لكن بأسلوب أبسط ودروس أوضح، بعيدًا عن الأبعاد الفلسفية لفيلمها الأخير المتحصل على أوسكار أفضل أفلام الرسوم المتحركة.

“Luca” درس من دروس الحياة وحكاية على الآباء سماعها قبل النوم بدل الأطفال، فهي انعتاق من الخوف والقلق والسلطة الأبوية تقابلها رغبة جامحة في عيش تجارب حياتية قد نندم عليها في وقت لاحق.

أقرأ أيضًا: كل ما يمكن معرفته عن فيلم Luca القادم من بيكسار بعد عرض الفيديو الدعائي الخاص به 

0

شاركنا رأيك حول "لا شيء يضاهي وحشية الكائن البشري: مراجعة فيلم ديزني الجديد “Luca”"