مسلسل Mixte .. من هنا بدأ تحرير المرأة على الطريقة الفرنسية

مسلسل Mixte
علي عمار
علي عمار

4 د

منصة أمازون برايم العالمية تأخذنا في مسلسل “Mixte" (الاختلاط) الدرامي الكوميدي، إلى عام 1963 تلك الفترة التي سبقت الثورات الطلابية التي جالت أرجاء أوروبا في عام 1968، وجاءت نتيجة الصراع بين الأجيال الذي أشعل فتيله مع حقبة الستينات، فالثورة دائمًا ما تكون وليدة لظرف اجتماعي معين.

هذا اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في ثانوية فولتير للبنين، المدرسة تستعد لاستقبال وافدات جديدات، هل أنت جاهز عزيزي القارئ للاحتفاء بهن، أم لك رأيٌ أخر؟


الاختلاط 1963.. بداية عصرٍ جديد

في “بلدة شارينت” الفرنسية من العام 1963، يقرر مدير مدرسة “ليسيه فولتير” السيد جاكيه “فرانسوا رولين” ضم 11 فتاة إلى المدرسة، ودمجهن في صفوف الثانوية مع الفتيان، كي يتمكنوا من مواصلة تعليمهم نظرًا لعدم قربهن من مدرسة خاصة بالفتيات، مع اعتراض أغلبية الطاقم التدريسي وعلى رأسهم المشرف العام السيد بول بيلانجر “بيير دولونشامب”، كونه حدث جلل وغير مألوف في تاريخ المدارس الفرنسية، الفكرة في السابق كانت مستحيلةً وضربًا من الجنون -جمع كِلا الجنسين ضمن مدرسة واحدة- كما الكل مدرك أن الأمور لن تطول وستنقلب رأسًا على عقب، والمواجهات والتعديات من قبل الذكور على الإناث قادمة لا محالة.

فيديو يوتيوب

تتبع الحكاية في أحداثها مصير ثلاث فتيات والتحديات التي سيفرضها واقعهن الجديد عليهن، وكيفية تعامل كل طالبة على حدة مع مشاكلها اليومية.

ذو صلة

الفتاة الأولى هي ميشيل “ليوني سوكشود” الطيبة إلى حد السذاجة، والذي يحاول أخيها جان بيير “بابتيست ماسيلين” تجاهلها في الثانوية تفاديًا لوقوع المشاكل، يفضل والديها بقاءها في محل الجزارة على أن ترداد المدرسة.

الطالبة الثانية تدعى سيمون “أنوك فيلمين” الرومانسية الحالمة، والمتعطشة لخوص غمار أول تجربة عاطفية، تعيش مع خالتها بعد أن قررت والدتها البقاء في الجزائر عقب الاستقلال الذي نالته في عام 1962.

الثالثة والأخيرة هي آنييك “لولا كوتون فرابير”، طالبة لافتة للأنظار، مجتهدة، مندفعة ومنعزلة عن الجميع، تركز على بقاء حياتها الخاصة وأجواء محيطها بعيدًا عن زملائها.


نص نسوي كُتب بأمانة

تطرح الكاتبة “ماري روسين” قصتها بأسلوب ذكي وشيق، حيث قدمت شخصياتٍ نمطية صادفناها في مراحلنا الدراسية، إن كانت في سلك التعليم كالأستاذ المعقد والصارم والمنغلق على ذاته فكريًا، والأستاذ المتقبل للتطور بما تمليه عليه إنسانيته، والأستاذة التي تتعامل بعنجهية مع الشابات الصغار وكأن بينهن ثأر قديم، أو حتى بين أصدقاء الدراسة، كالطالب المجتهد الممسوحة شخصيته، والطالب المشاكس، والآخر الشرير، واللطيف والمدلل.. تتقبل شخصياتها بكل الإيجابية والسلبية على حدٍ سواء، كما عالجت مواضيع مختلفة كانت تعتبر تابوهات في ذلك الوقت، والاقتراب منها والحديث عنها جرمٌ كبير، وهي كذلك إلى الآن في بعض الدول وعالمنا العربي، الكبت الجنسي وتجربة الجنس قبل الزواج للفتاة، والمثلية الجنسية، والمتعة التي تحصل عليها الإناث بممارسة الاستمناء، حق المرأة بالحصول على حريتها في تقرير مصيرها بالعمل والزواج والطلاق، وجنسانيتها، خصوصًا أن النساء الفرنسيات في ذلك الوقت محرومات من امتلاك حسابات مصرفية، أو العمل دون موافقة الزوج.

هو حقًا ثورة على التعليم والحياة الاجتماعية، تطرقت أيضًا إلى العنصرية التي تعيش فيها فرنسا، بعدم تقبل الملونين في المجتمع، والاختلاف في الطبقات المجتمعية، وصعوبة التعايش بين الأجيال بسبب الاختلافات الجذرية بينهما التي تحول دون التقائهما، وبالأخص بعد الحرب.

أسئلة شائعة يحتاج المراهق إيجاد الأجوبة لها، ومفاهيم متعددة، بين الحب والرغبة، الخوف والجرأة، الصداقة والعداء، عليه اختبارها ليكتسب شخصيته ويحدد أسلوبه في هذه الحياة، لا تغمض عين الكاتبة عنها، وتصوغها في نصها الدرامي بأمانة وحب من عايش تلك المرحلة بتفاصيلها.


تفاصيل أضفت مسحة جمالية على مسلسل Mixte

بالإضافة إلى النص الجيد وحسن اختيار الممثلين الذين منحوا بأدائهم القوي المتمكن (بإيصال المشاعر المختلطة للمراهقين) الشخصيات رونقًا خاصًا، كما كانت عملية الإخراج التي تولاها كل من المخرجين “الكسندر كاستانيتي، وإدوار ساليير” لها دورها في إبراز جماليات النص، بالإدارة الجيدة للممثلين واختيار كادرات وأماكن تصوير مميزة أضفت مسحة جمالية على العمل، فمثلًا مدرسة فولتير بعد البحث تبين أنها عبارة عن دير قديم.

أيضًا كان للديكور والأزياء والإكسسوارات دورًا بارزًا في تقديم المجتمع الفرنسي كما كان عليه في ذلك العقد من القرن المنصرم، وسعيه بلوغ صورة حضارية راقية، هي عوامل أغنت المشهد الدرامي ومنحتنا شعورًا حقيقيًا بأننا نعيش مع أبطال الحكاية في زمن الستينات، وهذا ما يفعله الفن، يسافر بنا بتفاصيل دقيقة إلى عوالم وأزمان لم نعاصرها، أو سبق واختبرناها حتى.


عمل ذو مصداقية خاصة

أثنت الكاتبة “إيزابيل أرنو” على العمل ككل في مراجعتها النقدية حيث قالت إنه تم وصف الشخصيات بشكل جيد، وأن السيناريو مكتوب بشكل رائع، فهو موثق للغاية بتفاصيله لذلك الوقت من الزمن وذو مصداقية خاصة، كما يتم التعامل مع الموضوعات بدقة كبيرة والعديد من المناقشات تجعلنا نفكر كثيرًا فيما هو مقبول أم لا. خاصة وأن حداثة الموضوع لا تزال موضوعية للغاية، وتظهر مواقف معينة أنها للأسف لا تزال مستمرة إلى الآن على الرغم من مرور كل العقود الماضية.

على موقع التقييم العالمي IMDb حصل مسلسل Mixte على 8/10 من إجمالي عدد النقاط.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة