مسلسل ما وراء الطبيعة
0

في ظاهرة غير مسبوقة بدأت بالانتشار في السنوات الأخيرة، ومع ازدياد تأثير السوشال ميديا على حياتنا، نرى أن الصفحات تملأها مقاطع مقتبسة لا حصر لها من أعمال درامية، وتجيير تلك المشاهد لصالح موقف معين، أو إسقاطه على حدث ما، بمغزى أبو بدونه فلا فرق…. وأحياناً يصبح وجود سارد في المسلسل نستمع لصوته وأحكامه وتحليله هو الأكثر استخدماً، فغالباً صوت السارد يكمل القصة أو الموقف برأيه أو انطباعه الذي يبدو محايداً، أو غير محايد لينطق بالكلام الذي وقفنا يوماً نأمل لو نستطع قوله ولم نتمكن من ذلك. وحتى عند عدم وجود صوت السارد ولسبب غير واضح يقتبس مستخدمو السوشال ميديا من أعمال مشابهة لمواقف مروا بها أو يتمنون حدوثها، فتنتشر المقاطعة بشكل غير متوقع، لكن هل يبالغ هؤلاء المستخدمون باقتباساتهم للمقاطع الدرامية؟ هل هي فعلاً تعبر عن أحداث مررنا بها؟ أم نحن من نجعلها كذلك؟ وهل تلك الأعمال التي تكثر اقتباساتها ذات أهمية وتستحق كل هذه الجلبة؟ قد نجد جواباً فيما يلي.

أقرأ أيضًا: خذ الحكمة من أصحابها👵: اقتباسات وروائع روحية للحكيم الصيني لاو تزو من أجل حياة أبسط 🌱

سرد القصة يعطي انطباعاً بخوض التجربة نفسها

في كثير من المسلسلات والأعمال الدرامية يرافقنا صوت أحد الأبطال الأساسيين ضمن المسلسل، فغالباً يطل الصوت في مقدمة الحلقة ليعطنا فكرة عن محتواها، وفي نهاية الحلقة أيضاً ليقدم بنا خاتمة تحليلية أو استكمال لأحداث لم نرها، إن شاهدت تلك المشاهد وسمعت المونولج الخاص بها بتجرد وحيادية قد تشعر أنها بلا معنى أو مبالغ بها، لكن عند الاقتباس والتشبيه واقترابه من حياة أحدنا قد نجد ما يعجز لسان حالنا عن قوله، فننسخ وننشر ونعيد نشر تلك اللقطات، من أبرز تلك الأعمال:

حكايات بنات

مسلسل حكايات بنات المسلسل المصري الذي استمر لعدة مواسم، من بطولة صبا مبارك ودينا الشربيني، تدور أحداث المسلسل حول عدة فتيات صديقات تختلف ظروفهن ومشكلاتهن لكن تجمعهن علاقة رائعة لا تشوبها أي مشكلة، تسرد أحلام أو صبا مبارك البطلة الرئيسية الأحداث من وجهة نظرها، مضيفةً رؤيتها الخاصة لما يجري معها ومع صديقاتها، فيكون صوتها كصوت العقل الذي يقدم لنا سبباً واضحاً ونتيجةً حتمية، وهو ما قد لا ننتبه أو نجمعه سوياً كما تفعل، لاقى العمل بأجزائه متابعة جيدة، لكن كان انتشار المقاطع المقتبسة منه أكثر شهرة ومشاهدة على مواقع التواصل الاجتماعي منه على شاشات التلفزة.

الندم

وفي منظور مشابه وشهرة واسعة جداً على الشاشات ومواقع التواصل الاجتماعي على حدٍ سواء أطل علينا المسلسل السوري الندم الذي تم عرضه في رمضان في أوج الحرب السورية، يحكي المسلسل قصة كاتب واعد وعائلته والانقلاب الذي سببته الحرب لكل منهم، مروراً بموت حب حياة الكاتب وزوجته الشابة الدرامي والذي ورغم كل مصاعب الحرب لم يتجاوز ألم خسارتها، تكمن جمالية العمل في رمزية تقديم الصورة فقبل الحرب المشاهد مليئة بالألوان والأماكن المبهجة، أم عند العودة لسنوات الحرب فالصورة قاتمة كئيبة وعلى وجه كل من تراه ترك الموت وسمه، يرافقنا صوت الكاتب الذي يؤدي دوره محمود نصر بما هو أقرب للخواطر والمناجاة والرثاء لحاله ولموت حبيبته وجراح وطنه المكلوم، فيضع يده على جرح كل سوري وكل عربي يعاني باستمرار خلال العشر سنوات الماضية، كان لصوته الصدى الأقوى في نفوس المشاهدين بكل تلك العفوية والحزن وربما الاستسلام لكل ما يحدث.

ما وراء الطبيعة

وفي إطار موازي يتربع حالياً المسلسل الأحدث على منصات التواصل الاجتماعي، مسلسل ما وراء الطبيعة المأخوذ عن رواية للدكتور أحمد خالد توفيق، حيث نستمع عبر المسلسل لصوت دكتور رفعت أو محمد أمين قارئاً باحثاً ومستنتجاً ما تخفيه أحداث المسلسل، وما يجب أن تكون خطوته التالية، كما نستمع في إحدى الحلقات المميزة إلى قوانينه التي يسنها وتجاربه التي تأخذ منحى علمياً فلسفياً مبتعداً عن البعد العاطفي أو استثمار أحداثٍ مؤلمة أو محزنة، ليشكل المسلسل على اختلاف آراء النقاد والمشاهدين حوله حالة عامة لا بد أن تستدرجك لمشاهدة بضع تلك المشاهد أو أن ترى العمل كاملاً.

ملامسة تفاصيل حياة الناس والقرب من همومهم اليومية يحفز تناقل مشاهد العمل الدرامي

يمكننا أن نذكر عدداً غير قليل من المسلسلات التي لم تلقَ عند عرضها على شاسات التلفزة الصدى الكافي، لكن تحولت مشاهدها المقتبسة لأمثلة وانعكاس لحياة الناس أو جعلوها تبدو كذلك، بحوارات بسيطة ومشكلات يومية تعلق المشاهد أكثر بهذا النوع من الأعمال، وأصبحت تشغل حيز من اهتمام أكبر مما لاقته عند العرض، منها:

سابع جار

مسلسل سابع جار الذي تضاربت الآراء حوله ما بين عمل فني متميز وجديد وما بين العمل الجريء وغير الموزون، كان له حصة كبيرة من الاقتباسات لطرحه شخصيات قد نقابلها يومياً بكل تفاصيلها وأساليب حياتها، والذين يمرون بكثير من التقلبات والتحديات الحياتية البسيطة، وأحياناً يخوضون تجارب بعيدة عن المنطق أو حتى عم الجو العام لكن ربما وجدت تقبلاً لدى الناس كقصة هالة وعلي وقصة الحب غير المفهومة بينهما والمسميات غير المتداولة لعلاقتهما فيه، فتتحول هنا كل الحوارات التي اتهمها كثيرون بالسطحية لكليشيهات تعاد مراراً وتكراراً أمامنا.

ليه لا

يمكن أن نذكر أيضاً مسلسل ليه لا الذي تم عرضه لأول مرة على منصة شاهد، لتبدأ حمى انتشار المقاطع والمشاهد على منصات التواصل،حاز العمل الذي أدت دور البطولة فيه أمينة خليل على ضجة إعلامية ودعائية واسعة، لكن وعند العرض كثرت الانتقادات وتم وصف العمل بأنه شغل مساحة إعلامية أكبر مما يجب، مع ذلك وبسبب التجربة التي وجدها الكثير غير منطقية والتي تخوضها البطلة، والتحديات التي يجب عليها تجاوزها لتصل لمرادها، حازت على اهتمام المتابعين وازداد تداول بعض تلك التحديات، كهروبها من حفلة زفافها أمام المدعوين، وقرارها بالعيش وحدها في مجتمع شرقي بالكامل، والاستقلالية التي تسعى لنيلها، بالإضافة لقصة الحب الظريفة التي تجمعها بأحد الشبان، وبذلك تكون البطلة قد حققت الانتشار المطلوب والشهرة المرجوة حتى قبل عرض المسلسل على شاشات التلفزة وبأسرع الطرق.

أقرأ أيضًا: فيروزة عزيز تضرب عصفورين بحجر واحد: الحكومة الصينية وحيادية السوشال ميديا

مسافة أمان

وفي الحديث عن محاكاة حياة المواطن بأدق تفاصيلها يجب أن نتحدث عن مسلسل مسافة أمان المسلسل السوري الذي تم عرضه خلال رمضان من عام 2019، وهو من بطولة الرائعتين سلافة معمار وكاريس بشار، مع مجوعة أخرى من النجوم، يطرح العمل قصصاً مختلفة ومتباعدة دون صلة لشخصيات تعاصر فترة الحرب وتحاول أن تخرج منها بأقل الخسائر الممكنة نفسياً واجتماعياً، لنشهد على حالات الخطف والهجرة والموت والانتظار والفوضى وانعدام المنطق الذي يرافق أي حرب، يعري بذلك المسلسل واقعاً قد يحاول الناس إخفاءه أو تناسيه، ويذكرهم إلى أين جرتهم الحرب، ومن هنا تكثر الاقتباسات والمشاهد المتداولة، ربما كتذكير من الناس كي لا ينسوا، وربما كي يتنبهوا للواقع الذي يحاولون التأقلم معه رغم بشاعته، فيسأل كل متابع نفسه، لماذا؟ وكيف المفر؟

قلم حمرة

ومع كل ذلك يبقى العمل صاحب العدد الهائل من الاقتباسات والمشاهد المقتطعة، المسلسل السوري قلم حمرة، الذي تم تصويره في لبنان على أنها سوريا، وتبدأ أحداثه بمنحى اجتماعي بحت، ليتحول تدريجياً لعمل يعكس انهيار الحياة التي تعرفها بمجرد بداية الحرب، بالإضافة لتجربة الاعتقال التي تتعرض لها إحدى الشخصيات الرئيسية وكيف عايشتها وخرجت منها، ما يميز العمل هو صوت سلافة معمار المتهكم الساخر المتألم وهي تلك الشخصية الجدلية التي تحاول إيجاد نفسها وتحديد مسار حياتها التي تنقلب عند اعتقالها، فنؤنس نحن المتابعين سلافة عند وحدتها داخل المعتقل ونواسيها عند موت رفيقتها، ونحتار معها أي رجل هو الأنسب لها والأقرب لقلبها، كان للمسلسل الأثر الأكبر على ذاكرة الناس ونفوسهم، ربما لأنه كان خليطاً غير متجانس من مشكلاتهم اليومية ومشكلتهم الأكبر الحرب، أو لأن تهكم سلافة معمار هو لسان حالهم وإحساسهم المشابه بالمرارة.

سواء اتفقنا مع نشر كل تلك المقاطع أم لم نتفق، تبقى بعض المشاهد المقتبسة مجموعة من أفضل المسلسلات وأكثرها تعبيراً عما يدور حولنا.

0

شاركنا رأيك حول "مسلسلات مكتوبة من أجل اقتباسات السوشيال ميديا .. أعمال تاخد شهرة أوسع من شاشات التلفاز"