فيلم الشيخ جاكسون وأشباح المراهقة تطاردنا من جديد

بوستر فيلم الشيخ جاكسون
2

عادةً عندما أقرر الكتابة عن فيلم أبدأُ بالقراءة عنه، مقالات نقدية، ومعلومات وآراء، ولكن في فيلم الشيخ جاكسون لم أستطع فعل ذلك، فقد كانت تجربتي معه ذاتية تمامًا، لم أرغب في التشويش عليها حتى انتهائي من نقلها بحذافيرها على هيئة كلمات.

مسّني الشيخ جاكسون و أعادني لمخاوف ووساوس وتحولات المراهقة الصعبة، ربما لم أره كما فعل الكثير من المشاهدين غيري، فيلم حول الانغلاق الديني وتأثيره على الشباب، بل بالنسبة لي هو فيلم عن مراهق شعر أنّ الأبواب مغلقة في وجهه من كل اتجاه، فلاذ بباب الله، ولكن هل كان المدخل الذي دلف إليه صحيحًا أم تاه أكثر، ذلك ما نعرفه خلال الأحداث.

فيلم الشيخ جاكسون

بوستر فيلم الشيخ جاكسون

فيلم الشيخ جاكسون من إخراج عمرو سلامة، بدأ عرضه في أكتوبر الجاري بعد إثارة الكثير من الضجة حوله، بدايةً من ترشيح مصر له في مسابقة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي، والكثير من اللغط لتوضيح الفارق بين ترشيح مصر وبين ترشيحات الأوسكار ذاتها، ثم عرضه في مهرجان الجونة وتصريحات بطله أحمد الفيشاوي التي أثارت الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، ليصل إلي محاطًا بتشوش كبير، لأدخل صالة العرض وأنا شبه موقنة أنّي سأشاهد الفيلم الـ Over Rated الخاص بعام 2017 بالنسبة لي، لكن ليخالف الكثير من توقعاتي.

الشيخ جاكسون فيلم ببساطة عن مراهق، يفقد والدته صغيرًا، يعيش مع والده العنيف الذي يرى القوة والشدة هي الوسيلة المثلى لتربية ابنه، يمتلك صالة رياضية، يحاول إجبار الصغير على التمرن فيها لكن لا يفلح.

يتهرب “دودا” من عنف أبيه، يعيش في عالم خيالي صنعه لنفسه، وقصة رومانسية حالمة يرغب في بنائها مع زميلته بالمدرسة التي تعرّفه لأول مرة على مايكل جاكسون، يقع في عشق الأخير ربما أكثر من زميلته، يرى في كلماته ملاذًا، وحركاته مثالًا، وتزداد الهوة بين الأب وابنه بينما لا يقترب الصغير من شط الأمان.

وفي نقطة معينة يصبح المراهق الشاب في مفترق طرق أمام مثالين: الأب وأسلوبه في الحياة الذي يلفظه، ويقوم بوضع الكثير من الملامح لحياته لو تطابق مع والده، أو الخال المتدين الورع الذي يغريه بالعيش في القاهرة بجواره حتى يتطهر من آثام الأب.

تقفز بنا الأحداث 15 عام، ونعرف اختيار الولد بعدما أصبح رجلًا متزوجًا، لكن تصبح حياته الجديدة على المحك بعد وفاة معشوقه مايكل جاكسون، ليشعر بالهزة في عالمه لأول مرة بعد الاختيار، وتطرأ على باله الكثير من الأسئلة على رأسها هل أحسنت اختيار الطريق؟ ونعيش معه حيرته هذه بين الماضي والحاضر.

التمثيل

أحمد الفيشاوي فيلم الشيخ جاكسون

اشترك في الشيخ جاكسون عدد كبير من النجوم، لكن الأدوار الرئيسية قام بها ثلاثة: هم أحمد الفيشاوي في دور البطل شابًا، وأحمد مالك في دوره مراهقًا، وماجد الكدواني.

ماجد الكدواني: على الرغم من أنّ دور البطولة ليس للكدواني، إلّا أنّه صاحب الأداء الأبرز في فيلم الشيخ جاكسون، استطاع لفت نظري في كل مشهد ظهر فيه، ووصل إلى نقطة التوازن السحرية التي تجعلنا لا نستطيع كراهيته على الرغم من كل أفعاله الوقحة، فهو يمثل طبقة كبيرة من الآباء خاصةً في هذا الجيل، الذين يفتقدون القدرة على التواصل مع أبنائهم وفهم مشاعرهم، ولا يجيدون سوى محاولة إدخالهم في ذات القوالب التي عاشوا فيها طوال حياتهم.

الأب هنا ليس شخصًا شريرًا يكره ولده، بل رجل فقد زوجته، ولم يستطع القيام بدور الأم، ولا تعويض ابنه عن حنانها، فبدلًا من مساعدته قرر أن يقنعه بالتسامي عن هذا الشعور تمامًا، وأنّ القوة هي السبيل الوحيد لجعله رجلًا مثله.

أحمد مالك فيلم الشيخ جاكسون

أحمد مالك: موهبة كبيرة لا جدال في ذلك، يمتلك حساسية كبيرة تجعله يتماهى مع أي دور يقوم به، وهذه هي المرة الثانية التي أراه فيها في دور يمثل مرحلة شابه من حياة البطل بعد فيلم “هيبتا”، و أيضًا المرة الثانية التي يتفوق فيها على البطل الأساسي ويجعل من دوره هذا هو أهم محاور الفيلم، وفي فيلم الشيخ جاكسون المرحلة العمرية التي مثلها هي تلك الخاصة بكل التحولات الهامة بشخصية البطل، وقد أجاد في كل دقيقة ظهر بها على الشاشة.

أحمد الفيشاوي: على عكس الكدواني ومالك كان أداء الفيشاوي باهتًا، أشعر دومًا معه أنّه لا يبذل مجهودًا في إتقان الدور، يقرأ الورق، ويقدم ما قرأه، لا يسعى للإتقان، لا يسعى لكسر سقف التوقعات، لا مبالاة شديدة في التعامل مع مشاهده، لا يعني هذا أن دوره كان سيئًا، لكن مقارنة بسابقيه هو ليس جيدًا على الإطلاق.

الأدوار النسائية في هذا الفيلم كانت تقريبًا غير موجودة، فأمينة خليل في دور الزوجة كانت باهتة تمامًا، لا نعلم أي شيء عن مشاعرها وأفكارها وعلاقتها بزوجها، هي مجرد ديكور أنيق تم أضافته لشخصية البطل حتى نعرف أنّه كبر وأصبح زوجًا ومسؤولًا عن أسرة، وبسمة في دور الطبيبة النفسية لم تقدم جديدًا، فقط بضعة مشاهد عابرة، ربما الشخصية النسائية الوحيدة شبه المؤثرة التي قدمتها سلمى أبو ضيف لشيرين زميلة البطل في فترة المراهقة، وقدمت أبو ضيف شيرين أفضل من أدوارها السابقة بكثير، ربما تجعلني لأول مرة أطلق عليها لقب ممثلة بعد هذا الدور.

عمرو سلامة وفيلم الشيخ جاكسون

صورة من فيلم الشيخ جاكسون

عمرو سلامة لا يقدم أفلامًا بل قطعًا من روحه، يشارك في التأليف، يرسم الشخصيات، ثم يحول أحلامه إلى واقع على الشاشة.

فكرة الفيلم مميزة بالفعل، ربما يعيبها الوضوح الشديد في طريقة التقديم، بصورة تصل في مشاهد معينة خاصة بالبطل شابًا إلى السذاجة، ولكن السيناريو كان ممتازًا خاصة تلك المشاهد التي جمعت بين الكدواني ومالك، والعلاقة شديدة التوتر بين الأب وابنه.

بينما كان الإخراج مميزًا وأخذنا ذهابًا وإيابًا بسلاسة ما بين الماضي والفلاش باك والحاضر. مشاهد الجرافيك كانت ساذجة جدًا، ولكن هذا يعود لفقر الإمكانات في السينما المصرية كالمعتاد، ربما كان الأفضل حذفها من وجودها لتشويه الفيلم بهذه الصورة.

في النهاية فيلم الشيخ جاكسون عمل يستحق المشاهدة، سيذكّر بعض المشاهدين بحيرة المراهقة وتخوفاتها، وسيركز البعض الآخر على تطور الشخصية وتحولاتها العظيمة والتأثير الديني على البطل، ولكن في النهاية لن يخرجوا منه إلّا وقد غاصوا في ذواتهم ولو لبضعة لحظات.

2

شاركنا رأيك حول "فيلم الشيخ جاكسون وأشباح المراهقة تطاردنا من جديد"