عندما يبدأ الحديث عن السينما فإن عقلك يأخذك إلى تلك المساحة التي تقع تمامًا في المنتصف بين الواقع والخيال، العالم الذي ينسج تفاصيل قصصه المكتوبة بخيوط رقيقة من الواقع، فتجد نفسك أمام أعمال تقص عليك حكايات بدأت بهواجس داخل عقل صاحبها ثم تحولت إلى مشهد آخر يدور في الخلفية بينما تجري الحياة بلا توقف.

وهكذا بدأ فيلم "سعاد" في عقل مخرجته "أيتن أمين"، حادث أليم قديم لم يتوقف عن الإلحاح داخل عقلها، وجاء كاتب سيناريو الفيلم "محمود عزت" ليحوّله إلى حكاية، تجد الكثير مثلها في الكواليس، لكنها وحدها صعدت على خشبة المسرح.

تم إصدار فيلم "سعاد" عام 2020 وهو مشروع المخرجة الأكبر حيث استغرقت 5 سنوات في صنعه، وهو التعاون الثاني بينها وبين السيناريست "محمود عزت" بعد فيلم "فيلا 69" الصادر عام 2013. وقد تم اختيار الفيلم للعرض في كل من مهرجان كان السينمائي في دورته الثالثة والسبعين ومهرجان ترايبيكا السينمائي عام 2021 في المسابقة الرسمية للفيلم الروائي الطويل. لكن لم يتم عرض الفيلم في مصر حتى الآن.

الفيلم من بطولة طاقم من الممثلين غير المحترفين ومنهم "بسنت أحمد"، "بسملة الغيش"، و"حسين غانم". وقد بدأ عرضه على شبكة "أو إس إن" يوم الجمعة الرابع من فبراير للعام الحالي.

والفيلم يدور حول "سعاد" و"رباب"، شقيقتان تعيشان في أحد أحياء محافظة الشرقية، ويتتبع الفيلم الحياة الخفية للمراهقتين.. حيث تقرر إحداهما إنهاء حياتها وتذهب الأخرى في رحلة بحثًا عن الإجابات.

نظرة أقرب على عالم لا يريد أحد الاعتراف بوجوده

عالم المراهقات "الحقيقي" هو أحد أصعب المواضيع التي تم تناولها في السينما بشكل عام، وفي السينما المصرية بشكل خاص لا يوجد الكثير من الأعمال التي ترصد ذلك الواقع بشكل حقيقي بعيدًا عن "كلاشيهات" تم الاعتياد على رؤيتها والتسليم بأنها الحقيقة. وأهم ما يميز فيلم "سعاد" أنه ابتعد تمامًا عن تلك الكلاشيهات، واقتحمت "أيتن أمين" ذلك العالم الذي لا يريد أحد الاعتراف بوجوده، ووجهت الكاميرا إلى أبعد وأعمق زواياه وأكثرها اختباء خلف الأبواب ونقلته إلى الشاشة كما هو. فكانت مشاهد الفتيات سويًا هي بالضبط كما يحدث في الواقع سواء الطريقة التي يتحدثون بها أو المواضيع التي يتحدثون فيها واهتماماتهم حتى وإن بدت للبعض غير جديرة بأن تكون مشهدًا سينمائيًا، لكن كان هذا فيلمًا بعيون "امرأة" عاشت تلك الفترة من حياتها ووضعتها على الشاشة كما هي.

ولعل ما جعل أيتن تدخل إلى ذلك العالم القاسي وتنقله خلال السينما هي حادثة انتحار شقيقة صديقتها التي عاصرتها وهي لا تزال في الابتدائية وظلت ترافقها طوال حياتها لا تستطيع نسيانها، وذلك هو نفس المصير الذي تنتهي إليه بطلة فيلمها.

يبدأ الفيلم بمشهد بـ "سعاد" في إحدى وسائل المواصلات العامة وهي تحكي للمرأة الجالسة بجوارها تفاصيل عن "أحمد" خطيبها وعن عمله وعائلته، ثم يبدأ المشهد التالي وهي تحكي لفتاة مختلفة تفاصيل أخرى مختلفة عن خطيبتها وعلاقتها به وبعائلته، في تتابع يرسم الخطوط الأولى لأحدى الشخصيات الرئيسية في الفيلم.

سعاد مراهقة تعيش في محافظة ليست هي الأكثر تفتحًا، في بيئة تحكمها العادات والتقاليد المجحفة خاصةً اتجاه الفتيات، وفي طبقة اجتماعية لا تمهد لها زلات الطريق بل تزيد من صعوبتها. كما تعيش سعاد تلك السنين من مراهقتها تحت ضغط أبوين يريدان منها الزواج في أسرع وقت مثلها مثل "بنات الجيران والعائلة والأصدقاء"، وتحت وطأة مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت أشبه بقنبلة موقوتة على وشك الانفجار إن تعاملت معها بالشكل الخاطئ، فكان من المنطقي بالنسبة لها أن تخلق سعاد عالمًا آخر لنفسها داخل خيالاتها، عالم أكثر رأفة بها وبأحلامها، ويصبح ذلك العالم حقيقيًا أكثر كلما قصت منه تفاصيل على الآخرين ممن لا يعرفونها، باحثة عن دقائق قليلة من العيش داخل تلك الحياة التي اختارتها لنفسها.

ولكن سرعان ما كانت تخرج "أيتن أمين" بسعاد من العالم الذي خلقته لنفسها إلى العالم الحقيقي، إلى الواقع الذي تدركه جيدًا لكنها تسعى للهرب منه، تخرج بها إلى الشوارع والأسواق العامة في مشاهد نرى بها الحياة والشوارع من عيونها، إلى جلسات سمر بينها وبين صديقاتها أو أختها حيث تفرض الحقيقة نفسها عليها، وتأتي تلك المشاهد واحدة تلو الأخرى وكأن العالمان يتصارعان سويًا بداخلها ويحاول أحدهما فرض سيطرته على الآخر، ولا يقع ضحية لهذا الصراع سواها.

رحلة واحدة.. وتختلف النهايات

ينقسم فيلم "سعاد" إلى فصلين متداخلين، ينتهي الفصل الأول بانتحار سعاد، ويبدأ الآخر مع "رباب" شقيقتها و"أحمد" الذي كانت تجمعه علاقة بسعاد، ويذهب رباب وأحمد معًا في رحلة قصيرة، في محاولة للفهم والبحث عن إجابات. فانتحار سعاد ترك كلا منهما محملًا بأسئلة لا تنتهي، أسئلة لا يجيب عنها الفيلم جميعًا ولا حتى يجد سائليها الأجوبة كاملةً.

كانت تلك الرحلة تذهب في اتجاه الشخصيتين، فنرى الكاميرا تذهب مع أحمد لأول مرة إلى بيته وتفاصيل من حياته، تلك الشخصية التي تظل طوال القسم الأول من الفيلم مبهمة، نسمع صوتها من بعيد ونراها من خلال شاشة هاتف سعاد.. تبث فيها أيتن الحياة وتعرض الجانب الآخر من الحكاية الذي لا يختلف بطله كثيرًا عن بطلتنا، كلاهما شخصيات حائرة تبحث عن مكانها داخل هذا الكون الفسيح.. يبحثان ربما عن فرصة أو بداية لطريق مختلف.

ونرى رباب، ليس كالشقيقة الصغرى تلك المرة ولكن داخل قصتها الخاصة لنرى الحياة من عيونها، تتساءل وتبحث عن آثار سعاد في كل شيء حولها، تائهة، تسعى خلف شعور ما، وتبحث عن شيء بداخلها، لا تعلم ما هو لكنها تعلم أنه ما زال عليها البحث عنه.

ينتهي الفيلم بمشهدين متتابعين لكليهما بمفرده.. يسير أحمد في طريق طويل وواسع وتركب رباب داخل إحدى عربات المواصلات العامة.. وبالرغم من انتهاء رحلة سعاد، لا يزال أحمد ورباب يخوضا رحلتهما. كل يأخذه طريقه ولكن إلى أين؟ لا أحد يعلم.

شخصيات "أيتن أمين" التائهة داخل الحياة

لم تكن تلك المرة الأولى التي نرى فيها شخصيات "أيتن أمين" وهي تائهة داخل الحياة. فسعاد، رباب، وأحمد لا يختلفون كثيرًا عن "حسين" من فيلمها الأول "فيلا 69".. فدائمًا ما تكون الحياة أوسع من أن تحتويهم ودائمًا ما يكونوا أضعف من أن يحتملوها. "حسين" كان دائمًا مختليًا بنفسه، خائفًا من كل تلك الفرص التي أضاعها والزمن الذي لم يرأف به وتركه وحيدًا.. يعزل نفسه خشية مواجهة الحياة التي لم يعد قادرًا على احتمالها. وكما وضعت أيتن شخصيات شابة في الفيلم إلى جانب "حسين" لتخلق حالة من تتابع الحياة والأجيال، وليكون ذلك سببًا في إدراك حسين للحياة التي تستمر خارج منزله.

فإنها فعلت نفس الشيء هنا، فالفيلم يبدأ وينتهي بمشاهد لسيارات تتحرك، مشاهد عديدة للشوارع وهي في حالة حركة لا تتوقف، فبرغم تلك القسوة التي يعيشها شخصيات الفيلم، فإن الحياة تتحرك ولا تنتظرهم، فنرى في إحدى مشاهد البداية القطار الذي يعلو صوته ويقرر إنهاء المحادثة التي كانت تدور بين سعاد ورباب.. ونسمع صوت المحلات والشارع وهو يعلو فوق صوت رباب وأحمد قرب نهاية الفيلم، ليعلن مرة أخرى ضياع تلك الشخصيات داخل الفضاء الواسع من حولهم. لا تنتبه لهم الحياة ولا تريد أن تمنح لأصواتهم الفرصة، فكما يُقال دائمًا "الحياة لا تنتظر أحدًا".. لم تتوقف الحياة حتى إذا انتهت حياة أحدهم بأقسى الأشكال.

ما جعل تجربة مشاهدة فيلم "سعاد" هي تجربة صادقة حتى وإن اختلفت الآراء حوله، هو واقعيته الشديدة حتى في كتابة الحوار بين الشخصيات، فلم يكن حوارًا مصطنعًا، أو عميقًا أكثر من اللازم.. لكنه كان مناسبًا للشخصيات التي خرج منها، كما نجحت في اختيار لحظات الصمت التي استخدمتها في مكانها لتقوم بدورها في الحكاية.

كما أن اختيار طريقة التصوير وحركة الكاميرا المهزوزة طوال الفيلم جعل التجربة أشبه بفيلم تسجيلي، وهو الأمر الذي زاد من واقعيته وجعله يلمس كل شخص شاهده، وخاصة الفتيات بجميع أعمارهن، لأنهن شاهدن أنفسهن على الأقل داخل إطار واحد من الفيلم بكل أحلامهن، مخاوفهن، ومحاولاتهن التي لا تنتهي.

اقرأ أيضًا: سلافة معمار بين النجاح والجرأة في”عالحد”.. سينوغرافيا إبداعية في مدرسة الفن