سلافة معمار بين النجاح والجرأة في”عالحد”.. سينوغرافيا إبداعية في مدرسة الفن

سلافة معمار
علي عمار
علي عمار

6 د

“سلافة معمار”، اسمٌ يتهافت عليه الجمهور، لمشاهدتها والوقوع في شرك شخصياتها الفنية، هي امرأة تأتي دومًا على هوى النفس، لحسن شكلها، وشياكة روحها البارزة مع كل إطلالة إعلامية، ولملكة التمثيل لديها، التي خلقت معها بفعل الولادة، فكانت لسنوات ولا زالت خيارًا أولًا لدى الكثير من المخرجين وشركات الإنتاج.

أطلت أخيرًا علينا بأول عملٍ درامي لها عبر المنصات الرقمية، من خلال “شاهد” منصة الترفيه الأكثر شهرة عربيًا، ضمن مسلسل يغلب على أجوائه عنصر الإثارة، والغموض كما روج له، يقع العمل في 12 حلقة، كتب نصها كل من “لبنى حداد“ و“لانا الجندي”، أما عملية الإخراج تولتها المخرجة “ليال راجحة” في أول مسلسلٍ دراميٍ لها.

“عالحد“ عنوان المسلسل الذي أنتجته شركة “سيدرز آرت برودكشن/صادق الصباح”، وإلى جانب معمار شارك فيه كل من “صباح الجزائري” و“رودريغ سليمان” و“مروى خليل” و“إدمون حداد”.


بين النسوية والقاتلة المتسلسلة

لم يكشف البرومو الترويجي للمسلسل الكثير عنه، ولم يفضح شيئًا أساسًا، بالطبع هذه ليست مهمته، لكن ما اتضح بالثواني القليلة منه أن سلافة في الدور تعيش صراعًا ما، وهذا ما أشعل الحماس، للفرجة.

فيديو يوتيوب
ذو صلة

في الحكاية هي الصيدلانية ليلى، جاءت بيروت طفلة، نتيجة وفاة والديها في دمشق، تعيش وابنتها “تالا” في كنف خالتها، منسية من قبل زوجها بعد أن قرر الهجرة، غاب وانقطعت أخباره، ولم يسأل، فاعتادت وحاولت تخطيه، اختبرت تجربة جديدة سرية، وخانت من حولها… غير عادية ليلى تلك.

يعترض طريقها في ليلة حالكة، شاب مقنع متشح بالسواد، يتحرش بها، تتمكن منه بعد أن استخف بقوتها، تطعنه وتتركه يواجه حتفه.

تتغير ليلى تمامًا بفعل الألم والصدمة عقب جريمتها الأولى (دفاعًا عن النفس)، في إحدى مشاهدها تقول:


‏“اللي صار غيرني كتير،
حاسة حالي أقوى،
ماني خايفة.. غريب كيف بيكون الخوف أوقات نقطة ضعفنا، لحظة وحدة كافية لينقلب كل شي وبيتحول ليصير سبب قوتنا... الخوف مجرد فكرة، وهم،
هي الحجة اللي بنصدقها وبتكتفنا وبتخلينا عاجزين”.

تبين الحلقات التالية أن ليلى تعيش صراعات نفسية مع الحياة، تتولى مهمة الدفاع عن المرأة المستضعفة في محيطها، تأخذ على عاتقها مسؤولية الانتقام لها، وتطبيق العدالة -وكأنها صارت رمزًا للحركة النسوية- لتصبح قاتلة متسلسلة.

لا صراع تعيشه الشخصية مع التشوه الذي غزا روحها بالتحديد، هي بمنظورها الإنساني تطبق العدالة. في الحلقة الأخيرة تبعث رسالة إلى رجل التحقيق تقول فيها: “أنا كنت عم جرب حقق العدالة يللي إنت ومتلك عم توصلولا مأخرين كتير.. الحياة قاسية وما بتنطر حدا”.


الورقة الرابحة...

يحاول العمل طرح قضايا اجتماعية متعددة، بين الخيانة الزوجية والتحرش الجنسي، جرائم القتل، وقصص اللجوء، وتجارة المخدرات، يسعَ لرسم الواقع وتصوير تداعيات الانحلال الأخلاقي المجتمعي، ربما أراد صناعه تقديم مادة فنية دسمة، ولكن يفتقر للحوارات القوية التي تشعرك بأهمية القضايا المطروحة، كما تفتقد الشخصيات للعمق النفسي، وكأنها مكتوبة لخلق تفاعل آني مع الجمهور، يحاكي عصر الترند، لا تترك الشخصيات أثرًا على المدى البعيد، إلا إذ استثنينا حضور بعض الممثلين، القديرة “صباح الجزائري” والاكتشاف الجديد الشابة “دوجانا عيسى”، حبذا لو كانت مساحة أدوارهم أكبر بقليل.

لكن يتفق الجميع على أن “سلافة معمار” الورقة الرابحة في العمل، ممثلة تتصرف بأدواتها بذكاء مطلق، تعرف كيفية الوصول لدواخل الشخصية، وفهم منطقها الخاص، وترجمة أحاسيسها بحوار منطوق، أو بلغة جسدية تعبر عن مكنوناتها الداخلية، واضطراباتها النفسية، ومحاولة إمساك تلك العواطف المضطربة والسيطرة عليها.. أداء محكم مدروس تجاوز حذافير النص. هي من يصح القول عنها “تمثل من رأسها إلى أخمص قدميها”.

لم يكن عالحد على قدر عالٍ من التوقعات، إلا أن “السلافة” ترفع من سوية أي عمل تشارك بصناعته، لا تمل فعل المشاهدة ولا تسأم، ولكن كما ذكرت سابقًا لم يأتِ على قدر التمني والرغبة.


جرأة... وتعدي

تعد الأعمال المشتركة -السورية اللبنانية- على أنها إشكالية وتقتنص الفرص لإثارة الجدل بطريقة أو بأخرى، إن تعمدت ذلك أم لا، فالنقاد والجمهور يصنفونها مسلسلات الترند، المنهجية المتبعة والمرجو منها هي اكتساح صفحات السوشيال ميديا للحديث عنها، وتحقيق أرقام عالية بالمشاهدات تلفزيونيًا، وعلى منصات الأون لاين، هي ليست مسلسلات تبحث عن الخلود في وجدان الفن.

في مسلسل شاهد الجديد، شخصية سلافة معمار من فتحت أبواب السجالات والجدالات، بمشاهد أشاطت غضب الكثير، حيث اعتبروها جريئة ومخلة بالآداب (حسب آراء تلك الفئة)، المشاهد التي ظهرت فيها سلافة لا تتعدى، الظهور في روب حمام، وقبلها مشهد الاستحمام، وأخرى يضع الممثل “رودريغ سليمان” بضع قبلات على جسدها، لا يمكن اعتبار هذه المشاهد تخدش الحياء العام، أو أنها تشكل خطرًا على جيل المراهقين، لكن حالة الجدل التي تم خلقها غير مفهومة، وكمية الشتائم من صبية السوشيال ميديا غير مقبولة بحق فنانة لديها غيرة على مهنتها، ولا يمكن أن تقدم على تأدية أي فعل درامي لا يخدم المشهد الفني وسياق الأحداث.

الأمر الذي يثير الغضب أن الهجوم دائمًا ما يكون تجاه المرأة الممثلة، أما الرجل الممثل يحق له ما لا يحق لغيره، فلم نسمع كلمة خاطئة بحق الممثل “رودريغ سليمان”، الذي ظهر شبه عارٍ في مشاهده مع معمار، لأن في بلادنا العربية الكبائر هي من فعل النساء!

ولكن في الضفة الأخرى، لا يفتأ كل من أحب العمل بالدفاع عن سلافة وتاريخها الفني، وقدرتها على تجسيد أي دور يسند إليها، كما أشادوا بشخصية ليلى وحسن تقمصها لها، وأن المشاهد التي جسدتها عادية، وأن من أثار البلبلة المواقع والصفحات التي غرضها جمع أكبر قدر ممكن من المشاهدات والإعجابات، وربما أنهم هم أنفسهم لم يشاهدوا العمل كاملًا.


ثقة الجمهور... 

علاقة وطيدة خلقتها مع جماهيرها سوريًا وعربيًا، شخصياتها غدت ملفات في الذاكرة، أرشفها نزعتها العارمة للتفرد والإبداع، تنساب في عوالم الحكاية وترويها كما تشتهي بما تملك من أدواتٍ فنية متمكنة، حاضرة للإدهاش في كل مرة مع دور جديد تحصل فيه عملية انسلاخ عن الذات وتتقمص، فيزيد تورد هالة الحضور الفني.

نجوميتها ليست محض صدفة، أو استحقاق بتقادم السنين، بدايةً درست في المعهد العالي للفنون المسرحية في العاصمة السورية دمشق، وتلاحقت من بعدها العروض عليها، من أدوار صغيرة مكنتها من اختبار ماهيتها في هذه الصناعة الإبداعية، وعام إثر آخر كان حجم مساحة الدور يزيد، وتحقق رغباتها في اللهو واللعب بشخصياتها الدرامية، نقلتها إلى مكانات مرموقة، وتزداد ثقة الجمهور باختياراتها وبما تؤدي، من أهم أدوار تلك المرحلة نذكر: شخصية رنيم الفتاة الجامعية التي تتحول نتيجة ظرف تمر به الأسرة من صبية حالمة ورقيقة إلى بائعة هوى، المسلسل بعنوان “خلف القضبان” (هاني السعدي /الليث حجو) قدم في عام 2005. أيضًا شخصيتها في “أشواك ناعمة” (رانيا بيطار/رشا شربتجي)، جسدت دور نضال التي تعيش صراعًا داخليًا وضياعًا في تحديد هويتها الجنسية.

إلى أن جاء الدور الذي اعتبر نقلة نوعية وحذرية في تاريخ مسيرتها، ضمن مسلسل “زمن العار” في دور بثينة فتاة تخطت الثلاثين من العمر عاشت تخدم عائلتها، فأهملت أنوثتها ولم تستطع بناء أسرتها الصغيرة، تقول سلافة أن هذا العمل أنصفها كممثلة.

كما لا يمكن أن ننسى غريتا في “تخت شرقي” (يم مشهدي/رشا شربتجي) هذه الصبية الآتية من بيئة مختلفة، غريبة عن المجتمع الشرقي وتعقيداته، وسطوة ذكوره.

والأمتع ربما كان في “قلم حمرة” (يم مشهدي/حاتم علي) بشخصية ورد الكاتبة الدرامية التي تتعرض للاعتقال أثناء شرائها لقلم حمرة، الجريئة بأفكارها والمتمردة على من حولها والعبثية كالتساؤلات الوجودية التي تطرحها طيلة حلقات العمل.

أخيرًا إطلالتها في رمضان 2021 من خلال مسلسل “حارة القبة” (أسامة كوكش/رشا شربتجي)، بدور أم العز الذي أثبتت فيه أنها ممثلة من طراز رفيع، والموهبة أساس الخلق والابتكار، والشكل مجرد راكور لخدمته.

“سلافة معمار” سينوغرافيا إبداعية خاصة في مدرسة الفن.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة