يعتقد البعض أن المتضرر الوحيد من المجتمع الذكوري العربي/ المصري هي المرأة، في حين أن الضرر الواقع على الذكور يضاهي في كثير من الأحيان الضرر الواقع على الإناث. فمن المترسخ في الوعي المجتمعي العربي أن الرجولة ترادف الفحولة، وعليه سنت القوانين التي تحكم الذكور أنفسهم قبل السيدات، فكيف ظهرت “عقدة الذكر المصري” في فيلم أبو صدام؟

عندما يتحكم بك الخوف الدائم من الخصاء..

فيلم أبو صدام من إخراج نادين خان وسيناريو لـ محمود عزت ومن بطولة محمد ممدوح وأحمد داش، عرض بشكل عالمي أول مرة ضمن فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الثالثة والأربعين في الثلاثين من نوفمبر ضمن عروض المسابقة الدولية الرسمية. يدور الفيلم حول سائق نقل ثقيل يعود حديثًا للعمل بعد انقطاع لمدة خمس سنوات، وفي رحلة واحدة يواجه أبو صدام وحسن مساعده العديد من الأحداث المشوقة التي بشكل أو بآخر توجه الضربات لـ “رجولة” أبو صدام.

يبدأ الفيلم وينتهي كذلك بكادر واسع long shot لطريق الساحل الشمالي السريع وبينهم تقترب الصورة لقصة الرجل الأربعيني تقريبًا أبو صدام الذي ومع أوائل مشاهد الفيلم ينكشف لنا سره الأكبر وهو ضعفه الجنسي وعدم قدرته على الإنجاب، لذلك وفي كل موقف يسعى أبو صدام للاقتناص لرجولته بأي شكل، معاملته الجافة لحسن، افتعال مشكلة مع عمال النقل والحج حماد، إثارة الرعب في نفس الفتاة بعد خدش سيارتها، تحكمه في زوجته المبالغ فيه، موقفه في الكمين، كلها أمور لإثبات رجولته، فـ الحرب في فيلم أبو صدام هي حرب لإثبات الرجولة ليس إلا.

عقدة الخصاء أو القلق من الخصاء هو مصطلح تابع للتحليل النفسي، وهي عقدة تظهر لدى الطفل الذكر وتنتج عن رؤية لأول مرة لعضو تناسلي أنثوي فيشعر بالتهديد أن يفقد قضيبه مثلها. يمتد هذا القلق مع الذكر طوال عمره بشكل لاشعوري، فهناك دائمًا خوف من القطع، الخدش، الإصابة، أو بمعنى أصح أي شيء يقترب من القضيب يعد مصدر قلق. وفي الحقيقة هذا القلق رمزي أكثر من كونه خوفًا حقيقيًا على جزء من الجسد، فيرمز هنا القضيب للقوة والسلطة والتميز الطبيعي للذكر، أو كما تسود الأفكار في المجتمع الذكوري. فهل رأيت الخدش في سيارة أبو صدام الذي ظل يتحسسه مرارًا على مدار الفيلم؟ هو في الحقيقة تعبير عن قلق الخصاء بشكل أو بآخر، يشعر أبو صدام بخدش دائم في رجولته لذلك يجد نفسه مجبرًا دائمًا على التأكيد على رجولته بكل الطرق المتاحة له. قدمت خان رموزًا عديدة لهذا الأمر، حتى تفصح عنه صراحةً في الثلث الأخير من الفيلم من خلال علاقة أبو صدام الجنسية بالراقصة، تظهر لنا مشكلة أبو صدام الحقيقية وهي الحاجة الدائمة للتأكيد وبالأخص من امرأة على رجولته/ فحولته.

أبو صدام: بين الفكرة والتنفيذ وفق الفيلم المصري هذا العام

على مستوى الفكرة التي يناقشها الفيلم، فقد تبدو في أول الأمر عادية أو مكررة بشكل ما، ولكنها مع ذلك هي فكرة مهمة وبدأت تحتل مكانة في الرأي العام مؤخرًا. يعود ذلك للمعاناة التي تقع على كاهل الرجل في المجتمع العربي في كل خطواته فقط لإثبات رجولته حتى لا يكون منبوذًا بين جماعته المرجعية (الذكور). مؤخرًا، ظهر “ترند” على موقع التواصل الاجتماعي تويتر حول المعاناة التي يلاقيها المراهقون الذكور في مدارس المراحل الإعدادية والثانوية، هناك حرب دائمة بين هؤلاء الشباب لإثبات الرجولة سواء بشكل جنسي أو حتى عن طريق الامتثال لقوانين تتخلص في التحكم في الإناث المحيطات به. عليه انتشرت الآراء أن قوانين المجتمع الذكوري المبالغ فيها تؤثر على الذكر واتزانه النفسي كما تؤثر على الإناث، ويكون السؤال الجوهري هنا، لم لا نتخلص من كل تلك الأعباء بلا أي نفع حقيقي لأي طرف؟

نادين خان مخرجة أبو صدام

من المميزات الأخرى في فيلم أبو صدام هو التشابك في أحداثه بشكل مثير للترقب لدى المشاهد بشكل كبير، فهناك تقريبًا أربعة خيوط درامية متصاعدة تتطور في آن واحد وكل منهم قد يؤدي لكارثة مما يجعلك -ولآخر وقت في الفيلم- تصب تركيزك كله على الفيلم وأحداثه. وعن النهاية فهي مفتوحة بشكل ما، فقد تقرر أنت كمشاهد أن يستمر صدام في إنكاره وبارانوياته وغروره أو يتعلم من هذا اليوم الطويل أن يتسق مع الواقع ويرى أنه -وقضيبه- ليسوا محور الكون بأي شكل. ولا يمكن كذلك تجاهل الإشادة بما قدمت يدا المخرجة نادين خان، فسواء حجم الكادرات، حركة الكاميرا، الزوايا، الإضاءة، الموسيقى وشريط الصوت بشكل عام، استطاعت من خلالهم تقديم عمل متكامل لتضع المشاهد من أول لحظات الفيلم لآخره في حالةٍ من الترقب، الغضب، التعاطف والضحك مما يثيري التجربة بشكل عام

البطل.. بألف وجه

في الأغلب تكتسب الأفلام والأعمال الفنية بشكل عام شهرتها وأهميتها من أبطالها، النجوم أو “السوبر ستارز” المشاركين بها، وعن شعبية محمد ممدوح -تايسون- فحدث ولا حرج، فمنذ مشهده الأكثر شهرة في مسلسل جراند أوتيل وقد لقي حبًا وقبولًا كبير لدى الجماهير، وبغض النظر عن نقاط ضعف تايسون المتعلقة باللغة أحيانًا فحقًا هو ممثل متمكن. يظهر هذا التمكن في دوره في فيلم أبو صدام، أداء للذكر المصري القادم من الأرياف بشكل يبتعد عن كليشيهات هذا الشكل التي قتلت تقديمه في الأعمال المصرية، أداء يذكرني شخصيًا بأدائه الأول في فيلم إبراهيم الأبيض في دور عبده ابن عبد الملك زرزور.

محمد ممدوح واحمد داش من أفتتاح أبو صدام

أما عن الجزء الثاني من التمثيل فيعود لأحمد داش في دور حسن المساعد، لتتخيل مدى جودة أداء داش في فيلم أبو صدام حاول تخيل هذه الصورة العقلية لثلاث شخصيات: هاني من فيلم لا مؤاخذة، عبد الرحمن من مسلسل سابع جار وأخيرًا حسن من أبو صدام، حقيقةً تفوق أداء داش على نفسه بشكل كبير، أتقن شخصية المراهق الشعبي الذي يطلق عليه في شوارع القاهرة “سرسجي”، أداء، حركة الجسم، مواصفات شكلية، ملابس، حتى طريقة المشي كلها متقنة بشكل كبير يجعلك تصدق أنه بالفعل ينتمي لهذه الفئة.