شَفْرة أرنوفسكي The Fountain “قَصيدة حُب كُتِبت لِلْمَوت”

شرح فيلم The Fountain
11

شارك المقال 👈

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pocket

هل يُمكننا فعلًا تَقبُل الموت لأحبائِنا؟ هل يُمكننا هزيمة الموت حقًا باعتباره مرض عادي يمكننا أن نجد له الدواء الشافي، وعندها نصير خالدين؟ ماذا لو كان الموت هو في الحقيقة خلق جديد؟ ماذا لو عشنا للأبد؟

أكتبُ الآن بينما أستمعُ إلى موسيقى Clint Mansell الساحرة القادمة من عالمٍ آخر، أظنها قادمة فعلًا من المستقبل بعد خمسمائة عام من الآن، حيثُ (توم) مسافر بفقاعته التي تعمل كسفينة فضاء نحو (شيبالبا) السديم الذي يحوي نجمًا يموت.

أو ربما كانت موجودةً منذ القدم من مئات السنين في عصر محاكم التفتيش في إسبانيا، في عهدٍ لجأت فيه الملكة لأخلص جنودها ليبحث لها عن ينبوع الشباب؛ كي يحمي بلدها ويُقدِّم لها “الخلود” كهدية زواج.

أو لعلها جاءت في زمننا هذا من زوج يحترق قلبه ألمًا على زوجته المريضة، والتي تموت ببطء أمامه، ولا يملك أن يفعل لها شيئًا.

موسيقى (كلينت مانسل) خُلقت من هنا، من ثلاث حكايات يتصارع أبطالها مع الموت. فمَن سيهزم من؟

شرح فيلم The Fountain 

عن الفيلم

The Fountain أو الينبوع كتبه وأخرجه (دارين أرنوفسكي) الغني عن التعريف في عام 2006، والذي كتب وأخرج أفلامًا مُعقدةً شهيرةً مثل: Pi وRequiem for a dream وMother وغيرها، وهو من قام بإخراج فيلم black swan أيضًا. لعلّ هذه المعلومة كافية لمن لم يُشاهدوا الفيلم بعد بأنَّ ما سيرونه ليس فيلمًا بسيطًا وواضحًا، ولا يُمكنني حتى المُراهنة على أنَّك ستُحبه حتى وإن كنت أحببت ما قدمه (أرنوفسكي) من قبل.

الفيلم لم يكن فيلمًا سهلًا حتى في صنعه، ففي البداية تعثّر تصوير الفيلم لأسباب عدّة، وتمَّ تأجيله لأجل غير مُسمى، لكن الفيلم لم يُفارق خيال (أرنوفسكي) لفترة طويلة أصرّ بعدها على خروج الفيلم للنور، حتى إنّه أعاد كتابة السيناريو  حتى يتمكن من تقليص ميزانية الفيلم، وحينها قرّر الاستعانة بـ (هيو جاكمان) و(ريتشيل ويز) بدلًا من (براد بيت) و(كيت بلانشيت) ليقوما بدور البطولة فيه – وأنا مُمتنّةٌ بشدة لهذا التغيير حقًا – و استغرق تصويره حوالي سبع سنوات.

الفيلم يصعب تصنيفه… فهو خيال علمي درامي رومانسي… ولكنّه على الأخص فيلم روحي إن جاز هذا التعبير.

هو من الأفلام التي ستترك فيك بصمةً خاصةً، وتجعل عقلك وخيالك في حالة يقظة، وموسيقاه ستُغذي روحك بمشاعر مُختلطة بين السكينة وسمو الروح، وبين الحسرة والألم. (كلينت مانسل) كان يعرف تمامًا ما يفعل حينما ألّفَ هذه الموسيقى كما فعل في Requiem for a dream وBlack swan من قبل، حتى أنَّ الفيلمَ مُمتعٌ بصريًا جدًا كأنَّ مَشَاهِدُهُ لوحات مَرسومة.

فيلم The Fountain

لغز… قصيدة… صلاة

كما هو واضحٌ أنا متحيزةٌ لهذا الفيلم بشدة، وأعلم أنَّ هناك الكثيرين ممن لم يحبوه، وهو بالفعل ليس فيلمًا لكلِّ الناس كعادة أفلام (أرنوفسكي)، الذي شبّه الفيلم بمكعب “روبيك” الشهير، والذي يمكنك أن تبدأ بفك شفرته من أيِّ نقطة، أو أن تحل مُعضلته بأكثر من طريقة، ولكن في النهاية ستجد النتيجةَ دائمًا واحدةً.

هل يمكنك أن تحب شيئًا لا تفهمه؟ أعتقد أنَّه ممكن جدًا، الجمال لا يحتاج لتفسير، والأفلام ليست معادلات رقمية لها نتيجة منطقية، يُمكنك أن تحب ما ترى، وإن كان عقلك لا يعي تمامًا حقيقة ما يراه.

والحقيقةُ أنَّك إن شاهدته – لأول مرة تحديدًا – وأنت تبحث عن إجابات وتفسيرات لكلِّ ما تراه، فستفقد جزءًا كبيرًا جدًا من تذوق المعاني والمشاعر الموجودة بالفيلم. نصيحتي لك: شاهده بقلبك أولًا.

“قصيدة بصرية” كما قال عنه أحد المُعجبين به. تعبير جميل آخر قرأته لأحد الناقدين، وهو أنَّ The fountain ليس لغزًا بقدر ما هو صلاة، وقال عنه الناقد الشهير (درو ماكويني): “قليلةٌ هي الأفلام التي تجعل عقلك يدور وقلبك ينفطر في نفس الوقت، وهذا الفيلم واحد منها”.

أمَّا (أرنوفسكي) فوصف الفيلم بأجمل وصف ممكن، قال إنّه بمثابة قصيدة حب كتبها للموت.

شاهد الإعلان:

توماس… توم… تومي

الفيلم يستعرض ثلاثة أزمنة… في الماضي نجد (توماس) الفاتح الإسباني يبحث عن شجرة الحياة الأُسطورية، والتي ستجعل ملكته آمنةً من الموت. تَعْدهُ الملكة (إيزابيلا) بأنَّها ستكون (حَوّاءَه) – أي ستكون له كما كانت السيدة حوّاء لسيدنا آدم – إذا تمكّن من العثور على الشجرة. يبدأ (توماس) رحلته الشاقة، والتي تنتهي بنهاية عجيبة جدًا.

بعدها بـ 500 عام في زمننا الحاضر نجد دكتور (تومي) عالم الأعصاب يحاول البحث عن علاج لزوجته (إيزابيل) – والتي يُناديها بـ (إيزي) – المريضة بالسرطان في المرحلة الأخيرة، بينما يُجري أبحاثًا على شجرة وُجدت في أمريكا الوُسطى تبيّن أنَّ لها نتائجًا مُذهلةً في تجديد خلايا الجسم.

ذات يوم تُخبره (إيزي) عن السديم الذي تدعوه قبائل المايا (شيبالبا)، والذي يوجد بداخله نجمة ذهبية اللون في طريقها للموت، وبأنَّ قبائل المايا يظنون أنَّ (شيبالبا) هو المكان الذي يعود فيه الأموات للحياة من جديد، وذلك يحدث عندما تنفجر النجمة وتموت، فحينها تُولد النجمةُ نجومًا جديدةً كي تعيش.

رايتشيل ويز وهيو جاكمان فيلم the fountain

بعدها بـ 500 عام آخرين، وهي القصةُ الأكثر غموضًا، سنجد رجل الفضاء الذي سنعرف من تتر نهاية الفيلم أنَّ اسمه (توم)، المسافر بحوزة شجرة هائلة الحجم داخل فقاعة تطفو عبر الفضاء في طريقها إلى (شيبالبا) السديم الأسطوري لدى قبائل المايا. يُمكننا أن نرى أنَّ الشجرة العجوز في طريقها للموت، يجزع (توم) ويُطالبها بالتماسك حتى يصل لـ (شيبالبا)، مؤمنًا أنَّها قد تستعيد نضارتها مُجددًا.

يبدو الأمر غامضًا فعلًا، ما حكاية هذه الشجرة؟ هل هي شجرة الحياة التي يبحث عنها (توماس)؟ أم هي الشجرة الموجودة بوسط أمريكا، والتي كان (تومي) يُجري أبحاثه عليها؟ وتتعاظم الحيرة عندما تتداخل القصص مع بعضها، ونرى مشاهد حدثت بالفعل من القصتين السابقتين تحدث مُجددًا مع (توم)، وكلّ من ملكة إسبانيا و(إيزي) اللتين تظهران له بداخل تلك الفقاعة الغريبة.

مما يُذكرك بفيلم Cloud Atlas، حيثُ تداخلت قصصه الست المختلفة تمام الاختلاف عبر الشخصيات والأزمنة أيضًا. سيمر وقت لا بأس به على الإطلاق قبل أن نفهم ما لذي يحدث ها هنا.

فيلم The Fountain

ولكن من السهل أن نستنتج أنَّ الثلاث شخصيات الرئيسية يبحثون عن طريقة يبعدون بها الموت بعيدًا عن أحبائِهم. (توماس) يبحثُ عن شجرة الحياة ليفوز بملكة إسبانيا وتصبح زوجةً له، (تومي) يبذل قصارى جهده ليكتشف علاجًا للسرطان كيلا يفقد زوجته، و(توم) يحاول الوصول لـ (شيبالبا) مؤمنًا بكونه قادرًا على إعادة الحياة للشجرة التي اقتربت من الموت كثيرًا.

الطبيب والفاتح الإسباني والمُسافر عبر الفضاء كلهم يبحثون عن طريقة يهزمون الموت بها. هذا هو العامل المشترك الأصغر، أمَّا العامل الأكبر فسنعرفه بعد قليل.

(تومي) و(إيزي)

سنحيا معًا إلى الأبد

هيو جاكمان ورايتشيل ويز فيلم The Fountain

(الينبوع) هو اسم الكتاب الذي كانت تكتبه (إيزي) زوجة (تومي) ولم تُنهيه بعد. نحن نعلم أنَّ (إيزي) مريضةٌ ولا يُرجى شفاؤها رغم محاولات (تومي) المُستميتة كي يجد لها علاجًا حتى وإن كان من قلب شجرة لم تُجرى عليها أبحاث كافية بعد، (تومي) كان يترك زوجته التي ترجوه أن يبقى معها في أيامها الأخيرة من أجل أن يذهب للمختبر ليُكمل أبحاثه، ممّا كان يُشعره بالذنب تجاهها.

(إيزي) طلبت من (تومي) وهي على فراش الموت أن يُنهي آخر فصل في كتابها. يرفض (تومي) وهو في الحقيقة يرفض الاعتراف بأنَّها ستموت، يقول لها “لا أعرف كيف” تقول له: “أنت تعرف، وستفعل”

(إيزي) التي ارتضت بالموت، وقالت لـ (تومي) إنَّها لم تعد خائفة بعد الآن، قصّت عليه قصة أخبرها بها مُرشد من قبائل المايا، وهي أنَّه عندما مات والده زرع فوق قبره بذرة شجرة، وبمرور الوقت نمت الشجرة لِيُصبح والده جزءًا منها، وعندما أكل طائر من ثمار الشجرة، طار والده مع الطائر في السماء، أو هكذا كان يظن المُرشد. كانت تخبره بهذه القصة؛ لأنَّها تُريده أن يتقبل موتها، أن يرضى هو الآخر.

رايتشيل ويز فيلم The Fountain

تموت (إيزي) وينهار (تومي)، يرفض فكرة موتها ويرفض الوقوف على قبرها مُتجهًا إلى مختبره ليستكمل أبحاثه، والتي سيكون هدفها الصريح الآن ليس علاجًا للمرض بل علاجًا للموت ذاته، وكأنَّ الموتَ هو مرضٌ يمكن الشفاء منه.

في النهاية نرى تومي واقفًا على قبر (إيزي)، وهو يقذف ببذرة على قبرها مُودعًا إياها، فيما معناه أنَّه تقبّل أخيرًا حقيقة موتها.

(توماس) الفاتح وملكة إسبانيا

قصة داحل قصة

راتشيل ويز وهيوجاكمان فيلم The Fountain

نعرف الآن أنَّ قصةَ الفاتح الإسباني والملكة (إيزابيلا) هي كلها قصة لم تحدث في الواقع، وإنما هي تجسيد لكتاب (إيزي) “الينبوع”، ونرى فيها إسقاط واضح على قصة حياة (إيزي) نفسها، فمثلًا: المحقق الذي هو العدو الذي يتهدد (إيزابيل) بالموت هو نفسه السرطان الذي يفعل نفس الشيء تجاه (إيزي)، وطبعًا (توماس) البطل المغوار الذي سيجد لملكته شجرة الحياة التي لو وجدتها لن تموت بعدها أبدًا، هو نفسه (تومي) الذي تأمل (إيزي) أن يصبح بطلها هي أيضًا، ويتمكن من أن يُنقذ حياتها.

بدأ الفيلمُ بآخر مشهد كتبته (إيزي) في كتابها (الينبوع)، والذي بدا ككابوس يُوقظ (توم) رجل الفضاء من نومه مُفزعًا، وهو مشهد حارس الشجرة، وهو يحاول قتل (توماس) لمنعه من الوصول للشجرة.

فيلم The Fountain

هناك نقطتان غامضتان في هذه القصة سأتحدث عنهما تفصيلًا في النهاية، أولهما ظهور (توم) لحارس الشجرة الذي كان على وشك الفتك بـ (توماس)، والمشهد الفريد من نوعه الذي رأيناه عندما وصل (توماس) للشجرة وشرب من شرابها.

(توم) وشجرة الحياة

الأب الأول والرجل الأخير

فيلم The Fountain

أخيرًا، وصلنا إلى (توم) المُسافر عبر الفضاء، واقتربنا جدًا من فك الشفرة بالكامل. هو سؤالٌ واحد لو قمت بالإجابة عليه سيتضح كلّ شيء بقليل من التفكير… من هو “توم” هذا؟

حسنًا، رغم أنَّ (أرنوفسكي) لم يُصَرّح أبدًا بهذا، فإنَّ ما أجمعَ عليه النُقاد ومُحللو الأفلام أنَّ (توم) هو نفسه (تومي)، ولكن بعد مرور خمسمائة عام، والشجرة الهائلة التي كان يتحدث إليها (توم) في الفضاء هي – على الأرجح – البذرة التي زرعها على قبر إيزي، والتي نَمَت لتصبح بهذا الشكل، أمَّا ما استطاع إبقاؤه حيًا طوال هذه السنين فمِن الواضح أنَّه تمكّن من هذا بفضل نجاح تجاربه التي تخص محاربة الموت، والتي وجدها في الشجرة الموجودة بأمريكا الوسطى.

(توم) هو (تومي) الذي استطاع أن يعيش كلّ هذا العمر، ولكنّه لم يستطع أن يستعيد (إيزي) أو ينساها حتى، وبرغم غيابها فهي كانت السبب في نجاته، كما كان يهمس لنفسه.

لدينا أكثر من دليل على ذلك فمثلًا: ذلك الوشم الغريب على ذراع (توم) يُمثّل عدد السنين التي قضاها بعد موت (إيزي).

 

 

 

“كلّ هذه السنين، وكلّ هذه الذكريات كنتِ أنتِ، أنتِ من جعلني أنجو عبر الزمن”.

 

 

 

آمَنَ (تومي) بصدق أُسطورة المايا التي أخبرته بها (إيزي)، وتمكن بشكلٍ ما بفضل التكنولوجيا المتقدمة في ذلك الزمن من أن يُسافر عبر الفضاء نحو (شيبالبا)، تُرافقه الشجرة التي نمت فوق قبر (إيزي).

 

 

 

” لا تقلقي كدنا أن نصل، قريبًا ستموت شيبالبا، وعندما تنفجر، ستولدين وتُزهرين من جديد، وأنا سوف أحيا”.

 

 

 

الحقيقة أنَّ هناك الكثير من التفاصيل الأُخرى التي تؤكّد على أنَّ (توم) و(تومي) هما نفس الشخص مثل: خاتم الزواج مثلًا، والقلم الذي أهدته إياه (إيزي) هو نفسه القلم الذي كان مع (توم) في المستقبل.

وهناك الكثيرُ من المَشاهد التي تَدْمُج بين القصص وبعضها بشكلٍ ذكي ومُبدع، أشبه برسالة خفية يُرسلها لنا (أرنوفسكي) تساعدنا على فهم الصلة بين القصص المختلفة.

سنرى مشاعر (توم) تتدرج من بداية الفيلم وحتى نهايته من الحزن الشديد، واستعادته لذكرياته مع (إيزي) ورفضه لإنهاء كتاب “الينبوع” حتى بعد مرور كلّ هذه السنين، إلى أن نراه يتقبل أخيرًا الموت ويفي بوعده لـ (إيزي)، ويصنع نهايةً مُمتازةً لكتابها.

أرادت (إيزي) من (تومي) أن يتقبل موتها، وكانت تظن أنَّه لن يفعل إلَّا إذا أتمَّ كتابها الذي لم تستطع إتمامه، وفعلًا هذا ما يحدث حتى أنّنا سنرى (توم) سيقول وهو يضحك أنَّه سيموت، لن يعود الموت بالنسبة له شيء مفزع وله رهبة عظيمة، بل سَيصير حينها مُرَحبًا به؛ لأنَّ (توم) أدرك أخيرًا أنَّ الموتَ ما هو إلَّا امتداد للحياة بشكلٍ آخر. من المُلفت للانتباه هنا أنَّ توم نفسه كان يخشى أن يموت كثيرًا بغض النظر عن بُغضه للموت الذي انتزع منه حبه الوحيد.

أصبح (توم) هو الأب الأول كما في أُسطورة الخلق لدى المايا، والتي فيها ضحى الإنسان الأول لديهم بنفسه، وصارت رأسه في (شيبالبا) لكي ينشأ العالم ويعيش البشر، فـ (توم) ضحى بنفسه لتعود الروح للشجرة من جديد، ولِيُصبح هو جزءٌ من (شيبالبا)، وهو نفسه الرجل الأخير الباقِ على الأرض. والحقيقةُ أنَّنا لم نعرف هذه المعلومة من الفيلم، بل من (أرنوفسكي) نفسه الذي ذكر أكثر من مرة أنَّ (توم) بالفعل هو آخر رجل حي موجود. حتى أنَّ الفيلمَ لم يكن عنوانه الأصلي (الينبوع)، بل كان بعنوان (الرجل الأخير)، وإن كان لايزال عنوانًا واحدًا من أجمل المقطوعات الموسيقية الخاصة بالفيلم.

النهاية

 

أنهى تومي/توم قصة (إيزي) بنهاية تُشبهه، وتُشبه ما كانت (إيزي) تؤمن به. الفصل الأخير من الرواية يظهر في المشهد الذي يتجسد فيه (الأب الأول) – على هيئة (توم) كما نعرفه – في جسد (توماس) لحارس الشجرة، ممّا يجعله يظن أنَّه أمام معجزة، فيُقدّم نفسه فداءً له بعدما كاد أن يقضي عليه، وفعلًا يجد (توماس) نفسه أمام شجرة الحياة بذاتها.

عندما شرب (توماس) من شراب شجرة الحياة، انبثقت الشجرة من معدة (توماس) كما حدث للأب الأول، حتى صار جسده كله جزءًا منها. كان يظن أنَّها ستمنحه الخلود بالمعنى الذي نعرفه جميعًا، وهو أنَّه لن يموت، ولكن ما حدث هو أنَّه عاش ولكن بطريقة أُخرى، أصبح جزءًا من الحياة، لم ينتهِ بل بدأ بدايةً جديدةً.

أمّا (توم) فقد قرّر أن يجعل من موته هو نفسه حياةً يُهديها لشجرة (إيزي)، فعندما اقترب توم من (شيبالبا) سنجده خرج من الفقاعة التي تحميه ليصبح جسده كله حرًا في الفضاء، ونشاهد فيما يبدو انهيار جسده الذي لم يحتمل القوى الهائلة الموجودة قرب النجم المُحترق، لنجد بعدها الشجرة قد ازدهرت ونمت ورُدت إليها الحياة من جديد.

 

تفسيرات أُخرى

من الممتع أن يكون هناك أكثر من تفسير للفيلم، وبرغم أنَّ أكثرها منطقية هو الشرح السابق، إلَّا أنّني وجدت بعض التفسيرات الأُخرى التي سأسردها سريعًا، ومن يدري ربما تبدو مقنعةً أكثر للبعض.

(إيزي) ذكرت أنَّ كتابها يبدأ في إسبانيا وينتهي في شيبالبا، نحن نعلم أنَّها كتبت قصة (توماس) الفاتح وملكة إسبانيا فقط. لهذا، رأى البعض أنَّ قصة توم المُسافر عبر الفضاء بأكملها ماهي إلّا الفصل الأخير من كتاب (الينبوع) الذي كتبه تومي بنفسه بعد موت (إيزي). ربما يؤكّد على هذا المشهد الأخير الذي يزور فيه (تومي) قبر (إيزي) قائلًا لها أنَّه قد أنهى الكتاب.

أيضًا قد يكون (الينبوعُ) قصةً تُصَوِّر إدراك (تومي) لحقيقة طبيعة الموت عبر ثلاث حيوات استطاع أن يعيشها بشكلٍ مُدهش… لا نعرف كيف عاشها أو كيف تنقل بين الأزمنة ليمر بنفس التجربة على اختلاف ظروف كلّ منها. بمعنى أنَّها تجسيد لنفس الحكاية عبر ثلاثة أزمنة مختلفة، فكرة تناسخ الأرواح ليست ببعيدة عن ما نتحدث عنه ها هنا. لهذا، يُمكن أن يكون (الينبوع) قصة رجل واحد تناسخت روحه لثلاث نسخ مختلفة، رجل حاول هزيمة الموت ولكنّه وجد نفسه تصالح معه.

اتفقنا أو اختلفنا على تفسيره، فعلى أيّة حال أتمنى أن نتفق على أنَّنا أمام فيلم مُدهش بمعنى الكلمة، وهو علامةٌ بلا شك مهمةٌ في تاريخ المُخرج المُبدع (دارين أرنوفسكي).

11

شاركنا رأيك حول " شَفْرة أرنوفسكي The Fountain “قَصيدة حُب كُتِبت لِلْمَوت”"

  1. PE naDy RO

    حبيت قصته ورسالته وتعقيده وموسيقاه التصويرية ووالأكتر من ده كله أداء هيو جاكمان و ريتشيل ويز الجبااااااااااار ,,, و حبيت كمان المقالة دي …. بأشكركم كلكم علي التجربة العظيمة الممتعة دي ,,, لأنه نادر جداااا مابتحصل التجارب اللي ذي دى في الحياة

    • ٍسارة يوسف

      ناس قليلة اللي جست اللي بتقولي عليه وانا مبسوطة حقيقي ان كل ده وصلك.. 🙂

  2. Amr Elkamash

    و ايه الفايدة من ان الشجرة تعيش بعد ما اخر راجل في الكون مات

    • ٍسارة يوسف

      تعليق ذكي ومفكرتش فيه..بس يمكن عشان فكرة الحياة نفسها.. حاجة شبيهة بالحديث بتاع لو القيامة قامت وفي ايدينا نسيلة نغرسها.. النبات رمز للحياة وبتقوم عليه كل الكائنات..مثلا يعني انا بفكر مش متأكدة 🙂

  3. Alamir Abo Ghazala

    ده مش فيلم بيحكي رواية للتسلية… الفيلم كله داخل الإنسان بيحكى عن النفس (ايزى) والذات (النجمه ) والذات الأعلى (الإله ) اوالأب ،كل إنسان من فى داخله نفس وذات وعشان توصل للإله لازم تهتم بنفسك وتعود لذاتك وفجأة تكتشف أن ذاتك …. هو الله

أضف تعليقًا