دائماً ما يرافقني الشعور بالاكتئاب، مع بداية التغيرات الموسمية. وتحديداً عند الانتقال من فصل الشتاء، إلى فصل الربيع، وقبل العبور لفصل الصيف بقليل. فهذه الأجواء تسبب خللاً في ساعتي البيولوجية. كوني أحب الشتاء وبرده، ومطره، لا أتماهى بسهولة مع الربيع وألوانه. ملجأي لتحسين المزاج، السينما والدراما. وما أجمل أن تحظى بعملٍ فني، يحقق لك المتعة، ويسرق منك الوقت دون ملاحظة ذلك. لم تفعل مسلسلات رمضان هذه السنة معي هذا الشيء، لا السورية منها، ولا حتى المصرية، أو المشتركة. رغم توفر أعمال جميلة وجيدة بمجملها. إلى أن جاء المسلسل الإسباني The Innocent.

أحد إنتاجات نتفليكس الجديدة. فرحت به كمن تحصل على جائزة ما. لطالما أمتعتني أعمال الجريمة والانتقام، الهروب والخلاص من ماضٍ ما. أعمال اشتغلت على التفاصيل، وإن بدت صغيرة لها مكانها في الحدوتة بفضل عنصر الغموض، وطريقة سرد الأحداث. حقاً مشاهدة تصيبك بسعادة عارمة.

صانع الغموض الورقة الرابحة

عادةً ما أختار الفيلم السينمائي أو المسلسل التليفزيوني، الذي أريد متابعته وفق القصة والحبكة المبني عليها العمل الفني. نادراً ما يقع اختياري بناءً على اسم الممثل، أو المخرج، أو الكاتب حتى. طبعاً يهمني كثيراً من هم صناع العمل، ولكن ليس بالمقام الأول. إلا أن اختياري مشاهدة مسلسل The Innocent، أتى بعد معرفتي لاسم مخرجه، وهو العبقري “أوريول باولو”. صانع أجمل التحف السينمائية الإسبانية، والتي وطدت علاقتنا بالمنتج الإسباني الفني. تلك الأعمال التي لم يكتفِ بإخراجها وترجمتها بصرياً، وإنما قام بكتابة نصوصها وسيناريوهاتها. فكان الشخص المدرك لعوالم حكايته من ألفها ليائها، بكل تفاصيلها البسيطة وتقنياتها. فامتلك شروط الترفيه، وغنى المحتوى. من هذه الأفلام التي تابعناها بشغف، الضيف الخفي/ The invisible Guest، والجسد /The Body، وسراب/Mirage، وعيون جوليا/Julia’s Eyes.

ما حدث في الماضي.. لن يدعك وشأنك.. دائماً يتربص بك

مسلسل The Innocent


يقول الكاتب المصري “أحمد خالد توفيق”

(في حياة كل إنسان لحظة لا تعود الحياة بعدها كما كانت).

ليس المهم أن تغير تلك اللحظة، حياتك وتقلبها رأساً على عقب. المهم أن تكون شيء عابر حدث وعلمك درساً، ثم رحل.

طبعاً، إن افترضنا أن تلك اللحظة، هي أخطاء حمقاء ارتكبتها. والندم عليها كان العنوان العريض للمرحلة. لكن بعض الأخطاء تكون كابوساً يلاحق صاحبه، لا يمكن الفرار منه. يبقيك عالقاً في مسارك، مكبلاً بذكريات تلك اللحظة.

وهذا بالفعل ما حدث مع بطل حكايتنا ماتيو فيدال (ماريو كاساس)، الذي حكم عليه بالسجن لمدة 4 سنوات بتهمة القتل الغير عمد. يحاول مات أن يلملم شتات نفسه، ويبدأ من جديد حياة سليمة، معافاة من شبح الماضي، بعد خروجه من السجن والنجاة من مشاكل وصعوبات العيش هناك. يسعى في الحصول على عمل جديد، ويتعرف على امرأة جميلة ويختارها زوجة له. إلا أن الماضي لن يتركه وشأنه، سيلاحقه ليكشف لنا خبايا حياته أثناء قضاء محكوميته، وما فعل السجن به! كل الأسرار تبدأ لتنجلي بعد مكالمة تأتي لزوجته، تزرع الشك في قلبه!.

أقرأ أيضًا: مسلسل جديد فرعي من لعبة العروش بعنوان 10,000 Ships

هل البريء نسخة عن الضيف الخفي؟

عند متابعة الحلقة الأولى، واكتشاف قاسم مشترك بين مسلسل The Innocent، وفيلم The Invisible Guest، وهو كل من الكاتب والمخرج “أوريول باولو”، والممثل “ماريو كاساس”، والممثلة “آنا اغنر”. توقعت أن يكون المسلسل شبيه الفيلم لحد كبير. البطل يقوم بقتل الولد، وأهل الضحية يحرصون على أن تلحق به أقصى العقوبات. أي الهدف هو إلحاق الأذى بالبطل، وتعكير صفوة حياته انتقاماً لسلبه حياة ابنهم. وهذه نهاية الحكاية. لكن تتوطد علاقة ماتيو مع الأم. فباولو شديد الحرص على إبهارك في كل مرة. رغم تشابه الحبكة، وتقاطع القضية الرئيسية مع قضية أخرى رئيسية أيضاً أو مجموعة قضايا في أعماله. إلا أن آلية الطرح تختلف، وسرده القصصي للأحداث يختلف ويتجدد في كل مرة. له وجهات نظر مغايرة في صناعة المادة الفنية. بأسلوب شيق يزجك في لعبته، يعبث في مخيلتك، يجعلك تتهم هذه الشخصية وأخرى تمنحها صك البراءة. أحياناً تصيب وغالباً تصدمك النهاية.

البطولة جماعية والنساء يسرقن الأضواء

The innocent

حلقة أثر حلقة تضح معالم القصة، وتتكشف الأسرار تلو الأخرى. وتكثر الشخصيات الرئيسية والفرعية. لتدرك أنها مجموعة من الحكايات والخطوط المتشعبة، كلها مترابطة فيما بينها. والقاسم المشترك الوحيد بينها، أناس أرادوا أن تمنحهم الحياة فرصة ثانية. يحق لنا بفرصة نغير من خلالها أنفسنا للأفضل، لكن الماضي الأسود الذي لم نختره، يحاول جاهداً أن يبقينا في حفرته.

ما يميز المسلسل عدم وجود بطل أوحد، بل البطولة الجماعية. بالإضافة إلى ماتيو نشاهد زوجته أوليفيا (أورا جاريدو) الآتية من عالم الليل، والمحققة لورينا (ألكسندرا خيمينيز) الناشئة في دار للأيتام عقب مشاهدتها والدها يقتل نفسه، والمحقق ماتيو (خوسيه كورونادو) السادي والغرائزي. العنصر النسائي هو الغالب على صعيد الأداء الفني للشخصيات.

مع الحلقة الثانية تتسأل هل أنا أتابع عمل أخر؟ أم فكرة العمل قائمة على عدة قصص مختلفة، لكن بحبكة واحدة؟!
الجميل في المسلسل أن كل شخصية تشرح ذاتها، تقص علينا حكايتها، ماضيها ونشأتها، تدخلنا بعوالمها النفسية، وتعرفنا على الظروف التي شكلتها، وسبب أفعالها. البناء الدرامي لها كان موفق.

يؤخذ على العمل المشاهد الجنسية الكثيرة، رغم أن عالم المخدرات والمومسات جزء كبير من القصة. إلا أنه كان بالإمكان تقليلها، فلا داعي لجذب المشاهد من خلالها. التشويق والإثارة كان متفاوت بين حلقة وأخرى، والتركيز الدقيق على شخصية كيمي (مارتينا غوسمان) كان مملاً في النهاية. رغم خلق مبررات. على عكس خط الراهبة إيما. لكن السيناريو الجيد أحكم القبض على كل التفاصيل.

البريء / The Innocent مسلسل قصير مؤلف من 8 حلقات. القصة مأخوذة عن رواية تحمل العنوان نفسه للكاتب الأمريكي “هارلان كوبن”.

إن لم تشاهده بعد، ماذا تنتظر؟! فأنا لم أخبرك بكل شيء.

أقرأ أيضًا: أفلام سينمائية تناسب فصل الشتاء وهذه قائمة الترشيحات