فيلم The Little Things: تجربة ربما لم تعتد عليها بعد..
0

هذه المرة معنا فيلم مميز للغاية، وأحد أوائل أفلام 2021 حصرًا، بل وصدر على منصة HBO Max التي تنافس عملاق نيتفليكس بقوة مؤخرًا. إنه فيلم The Little Things وبالطبع لنا معه وقفة هنا في أراجيك.

لدينا ديزل واشنطن ورامي مالك وجاريد ليتو في نفس العمل هذه المرة. دينزل له تاريخ يتحدث عن نفسه، ورامي له دور ملحمي في فيلم Bohemian Rhapsody، بينما جاريد أدى التحفة الخالدة Mr. Nobody والآن هل اجتمعوا سويًّا لتقديم أيقونة فنية تليق بمستواهم؟ هذا ما سنعرفه اليوم، اربطوا الأحزمة!

قصة فيلم The Little Things

فيلم فيلم The Little Things تبدأ مع الشرطي التقليدي للغاية، جو ديكن. في صباح أحد الأيام الروتينية في العمل، يتم تكليفه بمهمة ترك المقر على الفور، والذهاب إلى لوس أنجيلوس من أجل الحصول على عينة محجوزة لدى معمل التحليل الجنائي هناك، والتي ستساعدهم في إنهاء قضية معلقة. وبالفعل يشد بطلنا الرحال إلى هناك، ويجد في طريقه أن هناك محققًا جديدًا بدأ العمل في المقر القديم الذي اعتاد العمل فيه، واسمه جيم باكستر.

جيم مكلف بقضية متعبة بعض الشيء، جثث كثيرة، استمتاع بالقتل ومشاهدة القتلى، بل وأيضًا الحرص على إعمال نمط ثابت للجرائم، وأولى قواعد هذا النمط هي: يجب أن تكون الضحية فتاة شابة.

أقرأ أيضًا: مسلسل الإثارة Stranger Things .. آخر ابداعات نيتفليكس

فيلم The Little Things - ديزل واشنطن - رامي مالك

الأمر محزن للغاية، وضاغط على أعصاب جيم بطريقة غير طبيعية، وهنا يأتي دور جو، يتدخل مباشرة ليساعده عبر الملاحظات والخبرة العملية السابقة في المجال. وفي الوقت الذي يتحتم على جو العودة مجددًا إلى مقره الروتيني، يقرر أخذ إجازة، والتفرغ لحل تلك القضية بمساعدة جيم تارة، وبنفسه تارة أخرى. والدلائل التي سيكتشفاها سويًّا (ربما) تقود إلى القاتل، و(ربما) تقود إلى الجنون.

فهل سيصلان إلى القاتل المزعوم؟ هذا شيء لا أضمنه لكم، لكن الذي أضمنه فعلًا هو أنكم ستخرجون من فيلم The Little Things غير قادرين على استيعاب الأمر جيدًا، ووقتها ستذهبون إلى آخر فقرة في هذا المقال فقط لنعرفكم على ما فاتكم في الفيلم.

انطباع عن القصة

القصة هادئة، للغاية.

في العادة ما يتم تقديم أفلام المحققين والجريمة بشكلٍ تسارعيّ هذه الأيام، فمثلًا فيلم Heat هو أحد الأعمال التي بدأت الموجة التسارعية الجديدة في هذا التصنيف الفني على وجه التحديد. لذلك مع الوقت أخذت الصناعة في السير بنفس الطريق، مما عوَّد الجمهور على التسارع، وباتت الأعمال الهادئة محدودة للغاية، وفقدت بريقها في عيون الملايين، إلا عيناي أنا.

فيلم The Little Things - ديزل واشنطن

التناول الهادئ لمسارات القصة مثير للانتباه فعلًا، حتى في ظل كَون القصة خطية، ولا تتضمن الرجوع للماضي إلا للحظات محدودة، الفلاش باك شبه معدوم هنا. القصة بها عناصر تشابكية كثيرة تميزت بها روايات أجاثا كريستي البوليسية، والذي عاصر رواياتها القصيرة، بدون شك سيعجبه هذا الفيلم.

حرص كاتب فيلم The Little Things مع الوقت على رمي كروت اللعب بثبات وتؤدة، حتى نصل في النهاية إلى صورة شبه كاملة للوضع النهائي، لكنها صورة مشوهة على كل حال. ستخرج من الفيلم وأنت لا تعلم لماذا شاهدت هذا الفيلم من الأساس، فعامل المكافأة هنا بالنسبة للبعض سلبي للغاية. فمثلًا الجمهور يحب لأحدهم أن ينتصر، الشرطي أو المجرم، لا يهم، المهم أن لدينا منتصر في المعادلة، لكن هنا الوضع مختلف.

كيف هو مختلف؟

حسنًا.. هذا سأتركه لكم..

الشخصيات (أبرز عناصر فيلم The Little Things حصرًا)

شخصية جو هادئة جدًا، رزينة، ثابتة الخطى، لكن مع ذلك بداخلها طبقات وطبقات من التيه والتذبذب. لجو تاريخ غير حميد مع مخفر الشرطة الذي اعتاد على العمل فيه، ولذلك سرحوه إلى ضواحي الولايات المتحدة ليتقاعد بصورة غير رسمية هناك، ويحصل على بعض راحة البال. بينما جيم من الناحية الأخرى، عصبي للغاية وغير معتاد على البوح بما في ذهنه للآخرين، فبالتالي تكونت بداخله أطنان من الأفكار التي سرعان ما باتت كالغيوم السوداء فوق رأسه، لا تمطر إلا الحزن.

أقرأ أيضًا: قائمة أفلام تعيد لك الحنين لمشاهدتها مع أطفالك!

فيلم The Little Things - ديزل واشنطن

أما الشخصية الثالثة، وهي المشتبه به الأول في الأحداث، فهي شخصية ذات أبعاد لا أستطيع سردها هنا وإلا حرقت القصة، ويكفي القول أنها تستحق الدراسة والتحليل باستفاضة. الشخصيات الأخرى في فيلم The Little Things مبنية بشكلٍ شبه جيد، حيث أن بعضها أتى فقط لخدمة عنصر معين في القصة، دون وجود خلفية جيدة تدعمها. هذا لا يعيب الشخصيات الثانوية، لكن على الأقل إذا تم خلق تاريخ جيد للشخصيات المؤثرة في أبطالنا مباشرة، لكان الأمر أفضل بمراحل.

عانى جو من الكثير في حياته، وبدأ جيم في أن يكون صورة جو في شبابه. ببساطة كل واحد منهما هو “امتداد” للآخر، وليس صورة له. جو هو امتداد لجيم، وخلال الأحداث نجد أنه يحاول بشتى الطرق ألّا يجعله مثله، فهو شاب واعد ومستقبله مشرق، بينما جو عجوز شارف على التقاعد بالرغم من اتقاد ذهنه واشتعال جذوته، لكنه في النهاية شعر بدور الأب تجاه جيم، وكان عليه حمايته.

الثنائي المثالي إذا طلبتم رأيي، وهما اللذان دفعا القصة دفعًا، مثل ثنائي فيلم Seven بالضبط.

التمثيل

ديزل لا غبار عليه، تاريخه الفني فعلًا لا غبار عليه، وهذا ظهر بشدة في الفيلم. قدرته على حفظ الثبات الانفعالي تظهر أنه فعلًا تدرب على الشخصية لفترة طويلة، حتى أن هناك مشهدًا انتقل فيه بين ثلاثة تعبيرات وجهية على التوالي، أثبتت أن شخصية جو التي يؤديها، تحمل الكثير من الخبايا والمشاعر المدفونة بداخلها، فقط من مجرد تعبيرات وجهية.

فيلم The Little Things - رامي مالك - جاريد ليتو

أما تمثيل رامي في فيلم The Little Things .. يرى الجميع أنه ممتاز، وأنا أراه جيدًا فحسب. أجل، أدى دوره على أكمل وجه، وأظهر التذبذب في الشخصية، وهذا في رأيي ليس من براعته، بل من توافق الشخصية مع رامي مالك نفسه في الواقع. شخصيته الواقعية قليلة الكلام، منمقة في مخارج الألفاظ، ووحيدة بعض الشيء. لذلك أرى أن دوره في هذا الفيلم، وكذلك دوره في Mr. Robot مثلًا، جعلاه مشهورًا نظرًا لتوافقهما معه، وليس نظرًا لبراعته.

جاريد ليتو نقرة أخرى بالطبع، الأداء هنا فاق ديزل بمراحل، شخصيته متعددة الطبقات وعميقة بالقدر الذي يجعلها فعلًا قادرة على تدمير مسيرة ممثلها سينمائيًّا إذا لم يتمكن من مفاتيحها جيدًا، وبالطبع نجح جاريد.

الإخراج

الإخراج عنصر شبه متوسط في هذا الفيلم. الزوايا تقليدية جدًا، لا يوجد فيها ابتكار، وهذا لا يعيبها، لكن على الأقل الابتكار يكسر ملل كون الفيلم كلاسيكيّ النزعة في الأساس، وبطيئًا في معدل التسارع. كانت هناك بعض المشاهد المميزة فعلًا، لكنها محدودة.

فيلم The Little Things - رامي مالك

وبعيدًا عن الكادرات والزوايا، الرؤية البصرية في فيلم The Little Things عبقرية فعلًا. استعمل المخرج الألوان ببراعة لإظهار الحالة النفسية للشخصيات، ففي أحد المشاهد كان جو جالسًا في غرفة الفندق يفكر في ضحايا الماضي، وصُبغت الغرفة بالأخضر. إنه اللون الذي يرمز للمرض في السينما، ويعني أن جو “مريض” بأنواء الماضي التي لا تنفك أن تعصف به كل ليلة، استخدام ممتاز للأكواد اللونية.

الموسيقى

ديزل واشنطن - جاريد ليتو

لم أشعر بوجود مقطوعة ثابتة للفيلم، ولم أشعر بتأثير الموسيقى على مدار الأحداث، إلا في مشهد أو اثنين على الأكثر، وكانت الموسيقى متسارعة بشكلٍ فجّ فعلًا، شكل تنافى مع مبدأ البطء الذي اعتمد عليه الفيلم منذ المشهد الأول.

شرح نهاية فيلم The Little Things

تحذير، هنا لدينا حرق شديد.

ببساطة النهاية هي أن القاتل مجهول، وأن الرجل الذي قتله جيم ليس هو القاتل الحقيقي، إنه مجرد شخص يستمتع بجعل الناس يعتقدون أنه سفاح، نوع من تعويض النقص ومحاولة للشعور بالأهمية، إنه ليس قاتلًا، إنه مجرد مريض نفسي.

جاريد ليتو

تستر جو على جريمة جيم أتى بدافع الأبوية البحتة، حيث أنه وجد فيه نفسه السابقة، وفعل مثلما فعل معه الأصدقاء سابقًا، حين تستروا على جريمته. في النهاية قال جو لجيم أنه سوف يقوم بتفتيش شقة المقتول للمرة الأخيرة وحرق كل شيء، ولاحقًا وجدنا أنه أرسل إليه الدبوس الأحمر للضحية الأخيرة، هذه إشارة على أنه وجده في شقة المقتول.

ثم أتى مشهد آخر في نهاية فيلم The Little Things يظهر فيه جو حاملًا لورقة بها أكثر من دبوس شعر، والأحمر غير موجود، في دلالة على أنه الذي اشترى الدبوس بنفسه، فقط ليوهم جيم أنه وجده في الشقة، وأن القتل الذي قام به كان في مصلحة العدالة، وذلك بهدف أن يعيش جيم حياته بدون ذنب، ولكي لا يصبح مثل جو العجوز النادم على أخطاء الماضي.

جو حرر جيم من عبء الذنب، القاتل طليق، العالم قاسٍ، هذه هي النهاية.

0

شاركنا رأيك حول "فيلم The Little Things: تجربة ربما لم تعتد عليها بعد"