فيلم The Lobster .. عِش كـ (زَوج) أو مُت كـ (حيوان)!

0

“أنت هنا وحيد، أمامك 45 يوماً ليكون لك شريكاً، إن لم تفعل هذا سيتعين علينا القيام بإجراء معتاد، أنت تعلم ما هو بالطبع.”

ماذا لو أخبرتك أن كابوس الأرض الفاسدة على الأبواب، يهرع إلينا على جواد الريح، أو لعلنا نحن من نهرع إليه، دون أن نحسب حساب هَول اللقاء!؟

ماذا لو أخبرتك أيضاً أنه في مدينة ما مُستَقبَلِّية – تُشبه في حدودها ومُعظم تفاصيلها المدن التي نعيش فيها – هناك قانون يَسري على الجميع، ينُص على أن وحدهم الأزواج من يعيشون آمنين فتُفتح لهم الأبواب، أما العُزاب، أو من كانوا أطرافاً في علاقات انتهت عليهم الذهاب والإقامة بفُندق مُحدَّد من أجل العثور على شريك مُناسب لتكملة الحياة معه!؟

ليس أي شريك وحسب، بل شخص يجب عليه أن يكون حاملاً صفة مُشتركة واضحة تجمعه بمن يُريد الارتباط به، كما لو كان ذلك هو الدليل الذي يصنع الأمل اللازم لتَوَقُّع الاتفاق والتجانس فيما بَعد! صفة قد تكون مَرَضية مثل قِصر النظر، أو لثغة ما، أو ثقافية كالاشتراك في حُب فنٍ بعينه، أو تعلُّم لغة مُحددة ..إلخ. وبقَدر ما قد يبدو الأمر يسيراً، إلا أنه صعباً بالحقيقة.

فأي منطق ذلك الذي يقول أن الإنسان في ظرف 45 يوماً فقط يستطيع إيجاد الشريك المثالي له من ضمن نُزلاء الفندق المَحدودين، بينما الواقع يُشير لأن الكثيرين يقضون أعماراً بأكملها يبحثون عن الحُب/ الشخص المُناسب دون جدوى.

ماذا لو فشلت!!؟

سؤال يطرح نفسه، حينها سيتم تحويلك إلى حيوان من اختيارك الشخصي، الأمر لا استهانة فيه، أو مجال للغِش، أو الاستسماح مهما كانت الظروف أو الأسباب. هل تخيلت الوضع؟ على غرابته، سرياليته، وتطرفه!!؟ هل كرهته!؟

التضاد الذي يُبرز المعني ويوضحه

فيلم The Lobster - التضاد

انتظر قليلاً، قبل أن تُطلق حُكمك، ودعني أُكمل لك باقي زوايا الخيال.. فهُناك، بالقُرب من ذلك الفُندق الآثم، غابةٌ يسكُنها من حالفهم الحظ واستطاعوا الفرار من بين براثن المُتزمتين، الوحيدون من فشلوا في إيجاد الحُب أو إدِّعاءه من أجل النجاة بحياتهم. يعيشون ضمن إطار مجموعة لها قواعدها هي الأخرى.

قواعد جاء نصّها على لسان زعيمة المجموعة:

“نحن هنا نرقص كل شخص على حدى، لذلك نستمع إلى الموسيقى الإلكترونية، ممنوع ممارسة الجنس أو المغازلة أو التقبيل.”

لنصبح أمام النقيض الفَج للمُعادلة الأولى غير المألوفة، ومُعادلة ثانية غير إنسانية، تمنع الوقوع في الحُب، فمن وقعوا فيه لاقوا أقسى جزاء ممكن والذي تختلف درجته حسب الجُرم الواقع، لتصل العقوبة حَد الموت!

بين عالم يفرض الحب جَبراً على من يُريدون أن يصبحون جُزءً منه وإلا تحولوا لحيوانات، وعالم آخر يمنع الحُب وإلا فالجزاء الموت.. هُناك تدور أحداث الفيلم الغريب، والرائع فيلم The Lobster


فيلم The Lobster

فيلم The Lobster - ملصق

فيلم درامي، فانتازي، رومانسي، خيال علمي! إنتاج مُشترك بين (الولايات المُتحدة الأمريكية، فرنسا، بريطانيا، اليونان، أيرلندا، نيوزلاندا، وهولندا)، صَدر بعام 2015، من إخراج يورجوس لانثيموس، وتأليف المُخرج بالاشتراك مع إيفثايميس فيليبو في تعاون ليس الأول بينهما.

وهو بطولة كل من: كولن فاريل، ريتشل وايز، بن ويشا، ليا سيدو، جون ك. رايلي، أوليفيا كولمان، روجر أشتون جريفيث، أجيليكي بابوليا، وآخرون.

نال فيلم The Lobster استحساناً نقدياً كبيراً، رغم تَخَوُّف النُقاد حين سمعوا عن فكرته أول مرة، إلا أنهم بعد مُشاهدته أجمعوا على ذكاء صُنَّاعه، وتمكنهم من أدواتهم. أما جماهيرياً فحَصَد الفيلم نِسَب تقييم عالية على المواقع الفنية المعروفة.

وقد عُرِض الفيلم في الدورة الأخيرة من مهرجان كان السينمائي، ليفوز بجائزة لجنة التحكيم، ويتوالى عرضه بعدها بأهم المهرجانات السينمائية الدولية، حاصداً العديد من الجوائز.


قصة الفيلم

فيلم The Lobster - قصة الفيلم

“أيهما أسوأ: أن تنزف من أنفك كل يوم؟ أم أن تتحول لحيوان؟ أو أن يتم اصطيادك وقتلك!؟”

تدور الأحداث حول ديفيد الذي تركته زوجته فاضطر للذهاب للفندق من أجل البحث عن شريكة حياة جديدة قبل انتهاء فترة مُقررة مدتها 45 يوماً، وحين يسألونه أي حيوان يختار التَحَوُّل إليه في حال فشله، يختار الـ Lobster أو كما يُعرف بجراد البحر.

مُعللاً اختياره بأنه يُحب البحر، أما لماذا Lobster بالتحديد!؟ فلأن دمه أزرق كالنُبلاء، بجانب أنه يُمكنه العَيش حتى مائة عام، والأهم أنه يظل متمتعاً بالخصوبة الجنسية كل تلك السنين.

وفي الفُندق يتعرَّف على عدة أشخاص، مُختلفي التفاصيل، وأنماط التفكير، فنرى مَن هُم على استعداد لادَّعاء التشابه خوفاً من الموت قتلاً، أو التحوُّل لحيوان، وآخرين يُخالفون قواعد الفُندق فيُطَبَّق عليهم الحَد! ورَغم رفض البطل لهذا وذاك، إلا أنه لا يلبث أن يخاف حين تمَر الأيام دون أن يعثُر على زوجة له، لتتوالى الأحداث في إطار مُثير، وغير مُتوَقَّع.


الإخراج

فيلم The Lobster - الإخراج

“فوجئت بالعمل الجيد لفريق الممثلين. فأنا لم أكن أعرفهم من قبل ولم يسبق لي العمل معهم، لذلك لم أستطع توقع النتيجة والتي كانت جيدة في النهاية.” 

في حين يعتقد البعض أن هذا هو الفيلم الأول الناطق بالإنجليزية للمُخرج اليوناني يورجوس لانثيموس، إلا أن ذلك غير صحيح، فهذا هو أول فيلم روائي طويل له ناطق بالإنجليزية، لكنه ثاني فيلم في المُطلق، سَبَقَهُ فيلم آخر قصير بعنوان Necktie، والذي كان واحداً من الأفلام القصيرة التي تضمنها فيلم Venice 70: Future Reloaded إنتاج 2013.

وتتميز أعمال يورجوس لانثيموس بالخيال الخَصب، الأقرب للأساطير الإغريقية، من خلال خَلق حالات افتراضية يُمكن استخدامها رمزياً للإشارة لتجاوزات فادحة تدور بمُجتمعاتنا تحت نوايا وحُجَج مُزيًّفَة. وتظهر الفكرة التي تبنَّاها المُخرج هنا واضحةً وجليةً، خاصةً مع اللجوء لأسلوب المرايا المعكوسة، والإشارة لعالمين مُتناقضين، بشكل يجعلنا نكرههما على حَدٍ سواء، وبنَفس القَدر.

لنكتشف بالنهاية أن الغرض من العَمل لم يكُن الانتصار لجهة على حساب أُخرى، فلا المُهم هنا الإقرار بضرورة العَيش كثُنائيات لا كأفراد وتمجيد الوقوع في الحُب، ولا حتى تجريمه، بل الانتصار لفكرة رَفض القيود أينما وكيفما كانت، وإدانة كل ذي فكر مُتطَرِّف يُريد أن يفرضه على جموع الناس.


 التمثيل

فيلم The Lobster - التمثيل

جاء اختيار طاقم المُمثلين – باختلاف جنسياتهم، وحقيقة عدم تعاون أغلبهم مع المُخرج من قبل أو حتى مع بعضهم البعض – موفقاً، حيث لعب الجميع أدوارهم بحرفية، وإتقان جَنَت ثمارها على الشاشة.

على رأسهم بالطبع بطل فيلم The Lobster والنجم الأيرلندي كولين فاريل، الذي فاجئنا بشاربٍ كثيف، ووزن زائد، مُعلناً أنه اكتسب 18 كيلوجرام في شهرين من أجل الفيلم، ولزيادة الوزن كان دائم التناول للبيتزا البرجر، والآيس كريم، بجانب قطعتين من كيك الشكولاتة كل صباح. وعلى ذلك نجح كولين – فور الانتهاء من الفيلم – بالتخلص من وزنه الزائد، ليظهر بمهرجان كان بوزنه المثالي!

وعن وزن كولين فاريل، قالت النجمة ريتشل ويز من شاركته البطولة:

“أنا لم أجتمع بكولين من قبل، وعندما التقيت به في الفيلم كان وزنه قد زاد بعض الشيء واستدار وجهه، لذلك سيكون دائماً ديفيد بالنسبة لي، فليس من السهل الحصول على كل هذه الدهون، فهو بشر في النهاية.”

إيجابيات أخرى

جاءت (الموسيقى التصويرية) ليونين بورن مُناسبة للعمل على اختلاف المشاعر الموجودة به، وتناقضها. كذلك كان (التصوير السينمائي) لثيموس باكتيتس.

أما (الإضاءة) فتم اللجوء للتصوير النهاري، وتفضيل الإضاءات الطبيعية في أغلب المشاهد، ولم يتم استخدام الضوء الصناعي إلا بالقليل من المشاهد الليلية.

ولعل أهم ما تميز به الفيلم هو (القصة) حيث الحكاية الذكية التي تم تقديمها من خلال ابتكار واقع ساخر ومؤلم بالقَدر نفسه، وعلى اختلافه عن عالمنا، إلا أنه يبدو ليس ببعيد!!

فيلم The Lobster - ملصق 2

فيلم The Lobster تجربة بعيدة كُل البَعد عن سذاجة التكرار، أو شَبَح الابتذال، ترسم لنا – بتَفَرُّد – عالمين من الممنوعات، يقف بينهما الإنسان بائساً، حائراً، وتعيساً. وفي حين لا يملُك البعض إلا الإذعان للقواعد، هناك من يُقررون التمرُّد على القيود، سواء بعالم واحد منهم أو بكلا العالمين، رافضين أن تكون حياتهم مَحل نزاع في الأساس، أو أن يتعاملون مع الحُب بطريقة غير حِسية، تقودها حسابات أخرى غير المشاعر.

فبين التَزَمُّت باسم العادات والتقاليد أو ما تفرضه السُلطة الحاكمة على جموع الناس، وبين التَطَّرُف المضاد من باب الثورة على الشائع يقع أبطال الفيلم ونَقع نحنُ فريسةً لأنياب الجهتين، ليصبح لا شيء أمامنا إلا الوقوف بوجه الظُلم، والديكتاتورية، رافضين تقييد إرادتنا، فإما أن نعيش الحياة أحراراً، أو نموت شُهداء.

تريلر فيلم The Lobster

0

شاركنا رأيك حول "فيلم The Lobster .. عِش كـ (زَوج) أو مُت كـ (حيوان)!"