تتفاوت الآراء حول الفيلم الجديد للمخرج "روبرت إيجرز" صاحب النهايات المفاجئة، والذي يحمل عنوان "The Northman"، بين مؤيد ومعجب به بشدة يصفه أنه أفضل إنتاجات العام حتى هذه الساعة، وآخر معارض لكل تلك الانتقادات الإيجابية حوله. ولكن بالنظر إلى شباك التذاكر، وبحسب لغة الإيرادات يحقق العمل نتائج جيدة يومًا بعد يوم، حيث تجاوزت إيراداته عتبة ال 55 مليون دولار حتى تاريخ كتابة هذا المقال.

يستعرض العمل حكاية أحد أمراء الفايكنج، ويدعى أمليث، هل يبدو الاسم مألوفًا على مسامعك؟ نعم ما يدور في ذهنك صحيح، الأمر مرتبط بمسرحية هاملت الأمير الدنماركي التي كتبها "ويليام شكسبير"، حيث أن شكسبير استوحى قصته من أسطورة أمليث، ولكن في حكاية "روبرت إيجرز" و"سيون سجاردسون" ندخل في معتقدات وعقلية الفايكنج.

في أدوار البطولة نشاهد “ألكسندر سكارسجارد“، “نيكول كيدمان”، “آنيا تايلور جوي”، “كلايس بانج”، “ويليام دافو”.

عوالم السحر والماورائيات

يقع فيلم “The Northman” في زمن الفايكنج، وتدور أحداثه في عام 895 م. عمل ينتمي إلى عوالم الأساطير الإسكندنافية، ضمن أجواء من الإثارة والأكشن، حيث يحاول مخرجه تقديم فيلم ملحمي فلسفي، ومادة فنية مشبعة بالواقعية تحاكي ذاك الزمن، ويوثق إلى حد كبير تلك المرحلة من عصر الفايكنج (حسب تصريحات المخرج). ربما باتت هذه حجة أو صك براءة، يضمن لصناعه أن ينال عملهم قسطًا قليلًا من الانتقاد.

حيوات الفايكنج ساحرة، ولها جمالية آخاذة بعينها، كونها تجمع ما بين عوالم مرئية حياتية، وعوالم السحر والماورائيات، والمعارك الدامية.

سأنتقم.. سأنقذ.. سأقتل!

مشاهد الرعب والخوف والعنف دائمة التواجد في أفلام المخرج “روبرت إيجرز”، وإن تفاوتت نسبتها بين عمل وآخر. أما في فيلم رجل الشمال فإن الانتقام هو الثيمة الرئيسية للقصة، والتي تدور في فلكها مسيرة البطل الأمير أمليث، حيث ينوي الانتقام لمقتل والده الملك أورفانديل، عقب خيانة عمه فيولينير وقضائه على أخيه، بغية الاستيلاء على العرش، وإخضاع زوجته لسطوته، ما يشكل صدمةً ويترك ندبةً في روحه تسلب منه طهرها وبراءتها.

كان من المقرر قتل الولد، أي أمليث، إلا أنه تمكن من الهرب، بعد مشاهدة ما حل بعائلته ومملكتهم، وفي أثناء عملية الفرار قطع نذرًا على نفسه “سأنتقم لك يا أبي.. سوف أنقذك يا أمي.. سأقتلك يا فيولنير”.

نبوءة.. طقوس غريبة!

قبل حادثة مقتله حاول الملك أورفانديل، الذي عاد لتوه من الحرب جريحًا نقل حكمته الملكية لابنه، وتجهيزه ليصير قادرًا على مواجهة المخاطر، وإراقة الدماء، حيث نزل به إلى كهفٍ لممارسة طقوس ملكية بعيدة عن الآدميين، هناك يقومون بالعواء كالكلاب ويجثون على أربعتهم ويصرخون. كان مدركًا أن أمرًا ما سيحدث معه، ليس ببعيد! لكنه لم يتوقع حدوثه من شخصٍ تربطه به صلة دم.

ينشأ أمليث في بلادٍ بعيدة عن موطنه، تتبناه قبيلة، تعمل على تدريبه وتزويده بأفضل المهارات القتالية، وهناك يزداد حقده وتعطشه للدماء، مع كل يومٍ يمر يصغي فيه إلى كل تلك الأصوات والمشاهد التي تعبث بذاكرته، ويتعلم القتل دون رحمة، صار يمتلك روحًا حيوانية أكثر مما هي إنسانية، ما يقضي على أي تعاطفٍ معه ومع ثأره.

في أثناء رحلته على إحدى المراكب البحرية المحملة بالعبيد، يقدم نفسه على أنه واحد منهم حتى يتمكن من إكمال خطته في الانتقام، على متن المركب يتعرف بأولغا المشعوذة (نجمة The Jr Gambit)، بعيونها الواسعة ونحولها المرعب، يقعان في الحب وتقسم أولغا على مشاركته خطته بعدما علمت بحكايته، تقول: “قوتك تكسر عظام الرجال، وأنا لدي المكر لكسر عقولهم”.

قبل الرحيل يصادف ساحرة “بيورك”، وتخبره بنبوءة تجعله يتجه صوب بلاده لبدء رحلة الانتقام، لكن الأقدار تطلب منه التريث قليلًا، وعليه أن يلتزم بتلك التعليمات التي لها أسبابها الصوفية، حتى يتمكن من تحقيق مراده.

سيناريو The Northman.. نص يغذي الذكورية السامة!

على الرغم من تصريحات المخرج والكاتب “روبرت إيجرز” المتكررة، حول بحثه الواسع والعميق تجاه شعوب الفايكنج، إلا أن النص جاء بسيطًا مترهلًا بعض الشيء، لم نلحظ ذلك العمق في جمل الحوار بين الشخصيات، سوى تصوير ثقافة الفايكنج الغنية بالفن والمعتقدات الروحانية، وأيضًا نقل همجية تلك القبائل، وتحكم غرائزهم بمنطق حياتهم، وتغذية الذكورية السامة بالعادات والتقاليد، وكبح توهج المرأة وحضورها، فيما عدا وجودها لخدمة الرجل ومساعدته. حتى أن الطقوس الطويلة المعقدة التي يتبعها شعب الفايكنج كانت بسيطة، مقارنةً بما تابعناه سابقًا في الأعمال الدرامية، أو ما سمعنا عنه عبر القصص، لكن الكراهية والعنف والدموية كان لها تواجدها الذي أبرزه إيجرز، عبر مشاهد عديدة نقل بواسطتها الغرائز الحيوانية حينما يتبناها الإنسان، بأبشع تجلٍّ، كالمشهد الذي يظهر فيه أمليث وهو يقتل رجلين، ثم يقوم بتفكيكهما وإعادة جمعهما بصورة وحشية مقززة، ويعلقهما، وكأنهما من لوحات بيكاسو.

من الإيجابيات الواضحة للفيلم، ارتكازه على أسلوب بصري لافت في تصوير المشاهد وإخراجها، وطريقة ملاحقة الكاميرا لحركة الممثلين وسعيها خلفهم وهم يمارسون معاركهم القتالية العنيفة. أضف إلى ذلك، الأزياء والإكسسوارات المستخدمة، والشغل على أدق تفاصيلها، وتفاصيل الديكورات الداخلية والخارجية للأكواخ، كلها عوامل أغنت العمل الفني، وعززت الحكاية حتى نصدق أننا فعلًا في ذلك الزمن، القرن التاسع ميلادي.

أما على صعيد الأداء الدرامي، لا يمكن إغفال المشهد الذي يجمع أمليث “ألكسندر سكارسجارد” ووالدته الملكة جودرون “نيكول كيدمان”، دون التعريج عليه وذكره، هنا شاهدنا ضعفه للحظات تجاه المرأة الوحيدة التي أحبها لسنوات، أعادنا لبراءة الطفولة، ولذلك الطفل صاحب العينين الطيبتين، عكس ما صار عليه الآن. أما نيكول كيدمان فقد كانت عاصفة في هذا المشهد، رياح قوية لا تأبه لمن حولها بإمكانها نزع كل من يقف في وجهها، كانت الشخصية صادمة حقًا، هي مثال عن الأم التي لا قلب لها، تفضّل مصالحها وغرائزها الوجودية على عاطفتها، عقلها من يملي عليها ما هو الصواب.

اللافت في أداء ألكسندر كان من خلال مشاهده مع والدته، وأولغا “أنيا تايلور جوي” شريكته والروح التي أعادت إحياء معنى الحب والأسرة في قلبه.

فيلم The Northman عمل غارق بالعنف والانتقام للدفاع عن شرف العائلة، وسواء أحببت العمل أو لم تحبه، فإن هذا لاينفي حقيقة أنه خطوة فنية جريئة في مسيرة المخرج “روبرت إيجرز”.