قبل أن نشرع في الإجابة على السؤال الكبير في كيف تصبح عبقريًا، لا بد من استذكار بعض الكلمات الخالدة لعبقري القرن العشرين المنصرم.

"حان وقت الذهاب، سأفعل ذلك بأناقة"

كانت هذه كلمات العالم العبقري "ألبرت أينشتاين" قبل رحيله ببضعة أيام، فقد يأس من مرضه وأدرك أنّ النهاية آتية لا محالة، وفي 18 أبريل 1955، لفظ أنفاسه الأخيرة، ونام جسده. وجاء وقت تشريح الجثة الذي أجراه دكتور "توماس هارفي"، حيث أخرج كل أعضاء أينشتاين للفحص، بعد ذلك أعاد كل الأحشاء إلى موضعها، وسلم الجثة إلى الأهل، وأحرقوها في مدينة "ترينتون" بالولايات المتحدة الأمريكية، وحتى يومنا هذا، لا يعرف أحد أين رماد ذلك العالم العبقري الذي غيّر منظور البشرية للكون.

لكن مهلًا، هناك شيء أخفاه ذلك الطبيب المشاكس الفضولي، لقد أعاد أحشاء جثة أينشتاين، لكنه احتفظ بالدماغ، بعبارة أخرى، لقد سرقها بصورة غير قانونية، وراح يُجري أبحاثه على ذلك الدماغ العبقري الذي أدرك ما لم يدركه أي بشري! حسنًا، لأكن أكثر وضوحًا، وأترك القصة مكتملة -بعض الشيء- قبل الانتقال إلى موضوعنا، سرعان ما اكتُشف حادث السرقة وطُلب منه إعادة الدماغ، لكنه رفض وعاند في قراره، وصمم على دراسة الدماغ جيدًا، بحثًا عن سر العبقرية! 

كيف تصبح عبقريًا.. ما السر؟ 

ألبرت اينشتاين

هناك جدل واسع في هذا الأمر، ويتساءل الناس، هل العبقرية مكتسبة أم موروثة؟ لكن لحظة، من هو الشخص العبقري؟ إنه ببساطة شديدة هو ذلك الشخص الذي لديه قدرات معرفية هائلة، ولديه قدرة على الابتكار والإبداع بصورة مختلفة عن الآخرين، بعبارة أخرى إنه يفكر في الأشياء من زاوية مختلفة، ويفتح للناس آفاقًا جديدة ويغير منظورهم للعالم ويثير إعجابهم، تمامًا مثل عالمنا العبقري أينشتاين الذي رأى دماغه البُعد الرابع للكون -أقصد الزمن- وخرج لنا بالنسبية العامة. وقبل ذلك في عام 1905، خرج بنظرية النسبية الخاصة التي وضحت "التأثير الكهروضوئي". بالمناسبة، كان عمره وقتها 26 عامًا فقط، وبسبب هذه النظرية حصل على جائزة نوبل عام 1921. 

هل كان أينشتاين استثنائيًا لهذه الدرجة؟ حسنًا، إنه كذلك حقًا، وربما بفضل البيئة التي عاش فيها، استثمر في ذكائه بصورة صحيحة، فطوّر قدراته المعرفية، وصار أينشتاين، لكن ما زال هناك سر في جسد ذلك العبقري لم نعرفه بعد، هل ذكاؤه الحاد هذا كان بفضل جيناته الوراثية مثلًا؟ لننظر إلى الدراسة التي بين أيدينا أولًا..

في عام 2017، نُشرت دراسة في مجلة "Nature Genetics" على 80 ألف شخص، منهم 60 ألف بالغ و20 ألف طفل، بغرض البحث عن الجينات المسؤولة عن الذكاء، وخلصت الدراسة إلى أنّ عدد الجينات المسؤولة عن الذكاء 52 جينًا (وقت الدراسة)، وأشاروا إلى دور البيئة في تطوير أو تثبيط معدلات الذكاء. 

حسنًا، هذا بالنسبة لجينات الذكاء، تقريبًا كل المصادر والأبحاث التي قرأتها في هذا الأمر، أشارت إلى أنّ جينات الذكاء هذه تتأثر بالعوامل البيئية، ويتضح ذلك جليًا في حالات التوأم الذين تفرقهم الحياة، ويعيش أحدهما في بيئة تطور مواهبه وذكاءه، وأخرى تثبطه عن فعل شيء جديد، ويصبح شخصًا عاديًا. وهذا ما حدث مع عباقرة التاريخ أصحاب المواهب الاستثنائية. 

على سبيل المثال، بيتهوفين، عبقري الموسيقى الذي استثمر الصمت حوله وأبدع في إخراج أعماله الموسيقية الخالدة، وكوّن مدرسته الخاصة، وأجبر التاريخ على ذكر اسمه! هل استطاع بيتهوفين وأمثاله من العباقرة تحقيق ذلك من خلال الجينات فقط؟ قطعًا لا، بل تعرّف في البداية عن شيء يسمى موسيقى، وبدأ يتعلمها، وزاد ساعات التدريب، ومارسها كثيرًا، فأبدع! لقد حقق ما قاله أينشتاين بالضبط:

"تعلم قواعد اللعبة، ثم العب أفضل من الآخرين"

ربما نلاحظ أنّ هناك شيء آخر ميّز أينشتاين، هل تعرفه؟ 🤫 أقصد دماغه! قبل الانتقال إلى قدرات الدماغ البشري، تمنيت لو أنك لاحظت ما كتبت منذ ثوانٍ، أنّ بيتهوفين مارس العزف على الموسيقى كثيرًا. 

آه صحيح، شيء آخر، بما أنك تقرأ الآن، فلا بد من مرورك على الصفوف المدرسية وربما الجامعية أيضًا، أي تستطيع الكتابة، لا أقصد الكتابة الإبداعية، بل الكتابة التي تحتاجها في حياتك اليومية. 

تذكر معي عندما كنت طفلًا وتذهب للصف الأول، لقد وجدت صعوبة بالغة في إحكام قبضتك الصغيرة على القلم، بمرور الوقت، وبالممارسة، تعلّمت الكتابة جيدًا، لقد تدربت عضلات يديك بالتعاون مع أعصابك حتى استطعت كتابة حروف الأبجدية لأول مرة في حياتك، وخزن الدماغ تلك الحركات والأوضاع التي تساعدك على الكتابة مثل: انقباض عضلات اليد والأصابع والذراعين ثم تمديدها لتحريك القلم على سطح الورق. ما أعنيه أنّ هناك وضعية محددة للكتابة، يجب أن يألفها جسدك في البداية. هل وصلت الفكرة؟ حسنًا، لنعد إلى قصة أينشتاين. 

داخل الدماغ

كان دكتور "توماس" مقتنعًا بأنّ هناك سرٌ كامنٌ في دماغ أينشتاين، وعكف على دراستها، وأرسل أجزاء وصورًا منها للعلماء والباحثين كي يدرسوها أيضًا. وفي نهاية القرن الماضي، اكتشفوا أنّ المنطقة الخاصة بالتفكير الرياضي في الفص الجداري أكبر بنسبة 15% من مناطق الدماغ الأخرى. إضافة إلى افتقاد هذا الفص للشق الموجود في أدمغة الناس بصورة طبيعية، ما جعل العلماء يضعون افتراضًا بأنّ عدم وجود هذا الشق، يقوي اتصال مناطق الدماغ ببعضها، فيتطور تفكير المرء. ونقلًا عن موقع "Live Science"، وجد العلماء أيضًا أنه كان هناك طي مختلف في منطقة المادة الرمادية لدماغ أينشتاين! 

لكن هل يمكننا جميعًا أن نكون عباقرة؟ 

تشارلز داروين

يُصنف عالم اللأحياء الإنجليزي "تشارلز داروين"، ذلك الذي خرج بنظرية طعنت البشر في كبريائهم، بأنه واحد من عباقرة العلماء، بالرغم من أنّ أباه قد نعته في يوم ما بأنه عار على العائلة، كذلك "توماس أديسون" الذي أضاء حياتنا بالمصباح، أرسلت مدرسته لأمه رسالة تفيد بأنّ طفلها توماس غبي، وهناك اعتقاد شائع بأنّ أينشتاين كان فاشلًا أيضًا، لكن هذا لم يكن صحيحًا وعرضته من قبل في تقرير قصير. بغض الطرف، هناك شيء مشترك بين هؤلاء الثلاثة، لقد تعلموا واجتهدوا وثابروا حتى وصلوا لمقاعد العلماء العباقرة. تمامًا كما ذكرت قبل قليل في حالة بيتهوفين، الذي أثبت أنّ في الصمت مبدعين حقًا. 

نستطيع النظر في السير الذاتية لهؤلاء الذين نصنفهم من العباقرة، وسنجد ما يشجعنا على المضي قدمًا إذا طورنا بعض المهارات، وقد "لا يمكننا جميعًا أن نكون عباقرة، لكن يمكننا التعلم منهم"، كما صرح عالم النفس البريطاني "مايكل هاو" من قبل في المؤتمر السنوي للجمعية النفسية البريطانية، وفقًا لصحيفة "The Guardian". وأكد على أنّ الإنجازات العبقرية تتطلب جهدًا والتزامًا وإصرارًا على المدى البعيد. 

إذًا، كيف تصبح عبقريًا وواسع الاطلاع؟ 

الفضول.. قتل قطة وكشف الكون! 

"لست موهوبًا، أنا فقط فضولي"

ألبرت أينشتاين

اتضح أنّ للفضول دور في تكوين روابط عصبية جديدة، كيف لا وهو المحرك الذي يوّجه صاحبه نحو التعلم وتحقيق الإنجازات. وعند التدقيق في حياة العباقرة، نجد الفضول كان صديقًا مخلصًا لهم جميعًا. وكان يدفعهم لتعلم المزيد، وكشف الخبايا وإضافة خبرة جديدة تغيّر منظورهم، فعندما قيل لـ "توماس أديسون" إنه فشل 999 مرة أثناء ابتكار المصباح، رد قائلًا: "بل اكتشفت 999 طريقة لا يعمل بها المصباح!"، مع كل مرة لم تفلح فيها تجربته، تعلّم شيئًا جديدًا، وأضاف خبرة لم يعرفها من قبل. لذلك، فليكن التعلّم والفضول هما أصدقاؤك من اليوم. 

اهرب من منطقة راحتك 

لا أعرف أحدًا متميزًا يعيش في راحة طوال الوقت. لا بأس ببعض من الراحة والرفاهية، لكن لا يجب أن تكون للأبد. خاصة في بداية استكشاف الأشياء التي تتطلب قراءة وبحث وتعلّم وفهم وإدراك، وهذا أمر طبيعي، وقد عبر كل من عبقري الفيزياء الإنجليزي "إسحاق نيوتن" و"رينيه ديكارت" عن الجهود التي بذلوها لفهم العالم بصورة أفضل، حتى تثنى لهما فرصة الانطلاق والإبداع. 

التجربة هي المفتاح الأول لاستكشاف القدرات، لذلك لا تحرم نفسك من تجربة الهوايات المختلفة، لربما تستكشف كاتبًا عظيمًا كامنًا بداخلك أو رسامًا محترفًا أو عالمًا فذًا، فقط جرب واستكشف نفسك. 

لا تقع في فخ المثالية 

لو سألتك: ما الفرق بين الثقافة والتخصص، بماذا ستُجيبني؟ شخصيًا، سأقول إنّ الثقافة هي معرفة بعض الثمرات من كل شجرة، أما التخصص فهو دراسة شجرة محددة بثمراتها والتعمق في فسيولوجيا وسلوك هذه الشجرة المختارة بدقة. 

لا بأس أن تنمي مهارة لديك، مثلًا، إذا اكتشفت أنّ هوايتك الرسم، لا بأس من التعمق فيه قليلًا بجانب تخصصك، بل والدخول في مسابقات، ستجد نفسك أفضل من الناس الذين يرون الرسومات وينبهرون بها، لكن الرسامين المحترفين المتخصصين في الرسم أصلًا، ربما لن ينبهرون بما تُقدم، لكن سيُعجبون إلى حد ما. كل هذا جيد، لكن لا تضع في رأسك فكرة أن تفعل ذلك في كل مجالات الحياة، فلكُل منا طاقة محدودة، لا يستطيع تجاوزها. ليس عليك تعلّم كل شيء باحترافية، فقط افعل مثل دكتور رفعت إسماعيل الذي كان يحفظ أهم الكلمات التي قد يحتاجها في كل لغة، لربما يتعرض إلى موقف طارئ أثناء رحلاته، وهذا ما سماه "الأمان اللغوي". 

بالمناسبة، رفعت إسماعيل هو شخصية حوارية من صنع الطبيب الأديب الراحل "أحمد خالد توفيق"، والذي كان بطل سلسلة "ما وراء الطبيعة". 

لديك إنترنت.. ماذا تنتظر؟ 

الإنترنت وزيادة المعرفة

في السابق، كانت الوصول إلى صفوف الدراسة صعبًا، حتى الكتب والمكتبات العامة، قد لا تتوفر لكل الناس، وإذا احتاج شخص الوصول إلى كتاب أو مجموعة من الأوراق البحثية، كان يُضطر للسفر أو يطلب من أحد المسافرين إحضار الكتب له. أما الآن، يوجد إنترنت، وتستطيع من خلال شاشة الحاسوب أو الهاتف الذكي أن تدرس في أرقى الجامعات العالمية من خلال كورسيرا أو edx وغيرهم بشهادات معتمدة، تستطيع العمل من خلالها، إضافة إلى أنه صار بمقدورك الحصول على عدد هائل من الكتب، فكمية البيانات المتوفرة على شبكة الإنترنت لا تُحصى! استغل ذلك بإيجابية، وستندهش من النتائج. 

إذا أردت معرفة كيف تصبح عبقريًا.. فضع أهدافًا واقعيةً!

إذا أخبرتك أن تذهب لملء قائمة مهامك اليومية، كيف ستكتبها؟ وهل ستضع أهدافًا واقعية أم ستملأها بمهام كثيرة تحتاج إلى أسبوع لإنجازها؟ ما أود توضيحه أنّ الواقعية مهمة، ولا بد من الاهتمام بوقت الراحة، حتى لا تهدرك طاقتك وتضغط نفسك بشدة. عمومًا، لا بأس بقليل من الأدرينالين لتنشيط حواسك والوصول إلى أفضل معدل أداء، في نفس الوقت، اقتصد فيه قدر الإمكان، حتى لا تنقلب الآية ضدك. 

اهتم بتدريب ذاكرتك

مع كثرة مشاغل الحياة والمشتتات الموجودة حولنا، قد تخدعنا ذاكرتنا، وهذا طبيعي، لكن لتكن أكثر يقظة، عليك الاهتمام بتدريب ذاكرتك بحيث تقاوم كل المشتتات هذه وتصبح أقوى، فالمحارب القوي هو الذي يستطيع مقاومة العدو القوي، فتتطور مهاراته بمرور الوقت. هناك العديد من التمارين التي تساعدك في تطوير ذاكرتك، فقط اسأل جوجل وسيُجيبك. 

اقرأ.. هناك حيوات أخرى تنتظرك هناك

تستطيع القراءة الإبحار بك عبر الزمان، وتخبرك بقصص السابقين، وقد تفتح أمامك نافذة نحو الفضاء الفسيح، فتُدرك النجوم وترى ما بين المجرات في خيالك، أو تساعد مداركك على الانتباه لأمور لم تعبأ بها من قبل. القراءة يا صديق القراءة، فلا تلهيك الحياة عن تلك المتعة التي تنتظرك هناك. 

اقرأ.. هناك حيوات أخرى تنتظرك هناك

قد تكون القوة في التخلي!

هناك العديد من العادات غير المفيدة التي قد نفعلها في حياتنا اليومية، أبرزها الإفراط في مشاهدة التلفاز أو استخدام الهاتف. قد يصل الإخلاص إلى هذه العادات حد الإدمان! لذلك، كن قويًا وتخلَّ عنها، ثم ضع الوقت الذي كنت تقضيه معها في تطوير مهارة مثلًا، ستُذهل من النتائج. 

ادرس وجهات النظر المختلفة

لتكن حكيمًا في حياتك، عليك الوصول إلى منطقة الحيادية، وتتخلص من العواطف التي قد تتحكم في قراراتك وأحكامك. لذلك عليك الاستماع إلى كافة وجهات النظر، حتى وإن لم تتفق مع وجهة نظرك الشخصية. اترك لدماغك ومداركك فرصة الاطلاع على آراء مختلفة. هذا مفيد، حتى إنّ الشخص الذي يسافر كثيرًا ويتطلع على ثقافات مختلفة، يكون أكثر تفهمًا عن أي شخص آخر منغمس في بلاده! 

وأخيرًا.. ربما تكون العبقرية ميزة، لكن يُقال إنّ "الفرق بين العبقرية والجنون شعرة"، وهذا صحيح علميًا، فكثيرًا ما كانت العبقرية مرتبطة بالاضطرابات العقلية، لكن لا بأس، هناك سؤال يراودني، فكر معي، ماذا إذا كان جميع الناس عباقرة؟ أترك لك الإجابة!

المراجع: 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - 11