التدفق الذهني
0
هل جربت مرة وأنت تتعلم أن كنت في كامل تركيزك وتستطيع الحصول على المعلومات فوراً ودون أي جهد، بل وبدرجة من الابتهاج تجعلك ترغب في مواصلة التحصيل حتى تنهار من شدة التعب؟ هل شعرت يوماً أنك بكامل التركيز الذهني لدرجة أنك ما إن تنظر للكلمة حتى تحفظها؟ هذه الحالة تسمى حالة التعلم المثلى في حين يسميها بعض العلماء “قمة الأداء” ويسميها البعض الآخر “حالة التدفق الذهني”. المشكلة أن هذه الحالة نادراً ما تأتي، قد تتمثل هذه الحالة في ورشة عمل أو كتاب لامع أو محاضرة مثيرة، بدا لك أنك تفهم كل كلمة يقولها المحاضر، بل تتوقع ما سينطق به من كلمات وتشعر بصفاء ذهن غير عادي.

فكيف يمكن لك أن تستدعي هذه الحالة من الصفاء الذهني ولا تتركها للمصادفة؟

عشر طرق للوصول إلى التدفق الذهني متى شئت

اجعل شرودك متعمداً

لا تستغرب، فنحن نقضي حوالي 50% من وقتنا شاردين في أحلام اليقظة، وفقاً لبعض تقديرات علماء النفس، فلماذا لا نستثمر هذا الشرود بشكل إيجابي ما دمنا لا نستطيع إلغاءه؟

الشرود المتعمد قد يقود إلى التدفق الذهني

لماذا يشرد الذهن؟

جميع المهام تتطلب قوة عقلية، لكن التركيز الكامل يستنزف جزءاً كبيراً من طاقة الدماغ، إذ يحتاج التركيز عمل شبكة من مناطق الدماغ بما فيها القشرة الأمامية المسؤولة عن مقاومة التشويش، التي تسيطر على دوافعنا الطبيعية للقيام بعمل أكثر متعة من المهمة التي نقوم بها، ويتطلب الحفاظ على أداء هذه الشبكة طاقة أكبر من مجموعة مناطق الدماغ التي تنشط عندما لا نفكر في شيء محدد، وهذا يؤدي للشعور بالإنهاك ما يجعل العقل يبدأ بالشرود.

كيف تستفيد من طاقة الشرود؟

يقول باحثو علم النفس إن شرود الذهن المتعمد والمخطط يمكن أن يحسّن قدرتك على الوصول إلى التدفق الذهني والبقاء نشطاً، وذلك على عكس أحلام اليقظة العرضية التي قد يكون لها تأثير معاكس.

يقول بول سيلي، عالم النفس في جامعة هارفارد: “إذا كانت المهمة سهلة، فإن الشرود الذهني المتعمد لن يؤثر على الأداء على الأرجح، لكن يجب أن يتيح للناس فرصة لجني فوائد شرود الذهن، مثل القدرة على حل المشاكل والتخطيط”.

وهذا يعني أن عليك تحويل الشرود من طاقة سلبية تعيق قيامك بالمهمة إلى طاقة إيجابية تزيد من تركيزك على مهمتك تلك.

يقول سيلي: “فكر في شيء لا علاقة له بالمهمة التي تريد إنجازها، مثل حل مشكلة أخرى تدور في خلدك، ثم عد إلى مهمتك الأساسية”.

خذ حاجتك من النوم

ينصح العلماء دائماً بالتمتع بقسط كافٍ من النوم يومياً، فالحرمان من النوم سيؤثر حتماً على نشاطك الذهني مهما تناولت من المنبهات. كما يؤثر هذا الحرمان على بعض الوظائف المعرفية كالذاكرة والانتباه.

ويحدد أطباء الأعصاب ساعات النوم التي يجب أن تحصل عليها بثماني ساعات يومياً، فإن لم تتمكن من الحصول عليها ليلاً بشكلٍ متصل، فلا بد من قيلولة قصيرة نهاراً لتكمل ما تحتاجه من ساعات النوم.

وقد بينت الدراسات أن قيلولة قصيرة أثناء النهار، تشحن ذهنك بالطاقة الكافية للوصول إلى التدفق الذهني وأداء مهامك على أكمل وجه.

أما الحرمان من النوم الكافي لفترة قصيرة وبشكلٍ غير متكرر، فقد لا يؤدي إلى نتائج سلبية واضحة، بينما تظهر هذه النتائج واضحة على الأداء والمزاج حين يتكرر لفتراتٍ أطول وبشكلٍ متتابع.

مارس التأمل بين الفينة والأخرى

التأمل طريقك إلى التدفق الذهني

يؤكِّد الكثير من رجال الأعمال والإعلاميين الأمريكيين الناجحين، مثل أوبرا وينفري، وآريانا هافنغتون، وجيف وينر، على فاعلية التأمل وأهميته في إرخاء العقل، وزيادة التركيز، وهناك ما يؤكد صحة ما ذهبوا إليه.

فقد أكّدت الدراسات الحديثة أن ممارستك التأمل مدة عشر دقائق يومياً، تحد من مشاعر التوتر والقلق لديك، مما يسمح لك بمزيد من التركيز.

من هذه الدراسات، دراسة أجراها الباحث منجران تشو، طالب الدكتوراة بجامعة واترلو الكندية، بمشاركة كريستين بوردون ودانيال سميليك، أستاذي علم النفس في واترلو، وبول سيلي، أستاذ علم النفس بجامعة هارفارد الأمريكية، ونُشرت نتائجها في دورة الوعي والإدراك “Consciousness and Cognition” العلمية تحت عنوان “التنبيه الذهني والتجول العقلي.. الآثار الوقائية للتأمل لفترة وجيزة على الأشخاص المصابين بالتوتر”.

حيث يقول منجران: “التنبيه الذهني كافٍ للتغلب على القلق والتوتر، وبالنسبة للأشخاص الذين يعانون التوتر فإن الأفكار المتكرِّرة وعدم التركيز، يمكن أن يؤثرا سلباً على قدرتهم على التعلم وإكمال الواجبات، أو حتى تأدية الوظائف أداءً آمناً”.

ويدعم الدكتور حمدي أبو سنة -أستاذ علم النفس بجامعة عين شمس- هذه الدراسات ويقول: “لا يمكن الوصول إلى التنبيه الذهني إلا من خلال تصفية الذهن عبر ممارسة تمارين التأمل، بشرط أن يكون تأملاً إيجابيّاً يعتمد على التداعي التسلسلي القائم على البناء على الإيجابيات.

ويزداد الأثر الإيجابي للتأمل عند ممارسته في أحضان الطبيعة، مرافقاً لتمارين التنفس العميق الذي يزيد من كمية الأكسجين التي يحصل عليها الدماغ.

ابتعد عن المشتتات

من أكثر المشتتات في الوقت الراهن هي مواقع التواصل الاجتماعي، إذ تشير إحدى الإحصائيات أنه وخلال دقيقة واحدة فقط يُنشَر على الفيسبوك حوالي 3.3 مليون منشور، ويُرفَع على إنستغرام 65,972 صورة، ويُرسَل على الواتس آب 29 مليون رسالة، كما يُكتَب على تويتر حوالي 448,800 تغريدة. هذه الأرقام يمكنها تلخيص مدى انتشار مواقع التواصل الاجتماعي وانشغال الناس بها لدرجة الإدمان.

وسائل التواصل الاجتماعي مشتتات التدفق الذهني

ولهذا يُنصَح بإغلاق مواقع التواصل الاجتماعي أثناء العمل عموماً، أو على الأقل تحديد فترات زمنية لاستخدامها، لتقليص مصادر التشويش وزيادة التركيز.

وفي هذا السياق تشير دراسة أمريكية أجريت عام 2012 أن الابتعاد عن متابعة البريد الإلكتروني، يؤدي بشكلٍ ملحوظ إلى سرعة الوصول إلى التدفق الذهني وزيادة القدرة على التركيز، ولكن ماذا لو كان عملك يتطلب هذه المتابعة؟

في هذه الحالة عليك بالابتعاد عن الإلكترونيات ساعة في بداية اليوم، وساعة أخرى قبل النوم؛ فهذا سيجنبك اضطرابات النوم التي تؤثر على تركيزك بعد الاستيقاظ.

 احرص على شرب الماء بكميات كافية

يعد الإكثار من شرب الماء والسوائل عموماً من أهم العوامل التي تساعد على التركيز وتقليص حالات عدم الانتباه، فقد كشفت دراسة علمية أجرتها مجلة التغذية الأمريكية عام 2012، أن الجفاف في الجسم مهما كان بسيطاً، قد يؤدي إلى قلة التركيز، رغم أنه لا يؤدي إلى الشعور الملحوظ بالعطش.

لذلك ينصح الخبراء بالإكثار من شرب المياه والسوائل لزيادة التركيز، وفي هذا السياق، تحدد الأكاديمية الوطنية الأمريكية للطب الحاجة اليومية من الماء والسوائل للرجال بحوالي 12.5 كوباً يومياً وللنساء حوالي تسعة أكواب يومياً.

ومن الجدير بالذكر أن قلة الماء تسبب إضافة لانخفاض مستويات الطاقة والنشاط لديك، إلى ما يسمى بالضباب العقلي، الذي يتجلى بانخفاض مستوى الذاكرة والنعاس العقلي وضعف التركيز، بينما شرب كميات كافية يبقيك بحالة صفاءٍ ذهني وتركيزٍ عالٍ حتى على المدى الطويل.

 مارس الرياضة باستمرار

الرياضة مهمة من أجل التدفق الذهني

لا يخفى عليك أن ممارسة الرياضة لا تقتصر فوائدها على الناحية الجسدية والنفسية، وإنما تتجاوزها إلى الناحية العقلية. فهي تساعد على زيادة التركيز والإبداع.

لذلك، كلما شعرت بضعفٍ في التركيز، تحرك من مكانك ومارس أي نوع من أنواع الحركة، رتّب مكتبك، مارس المشي، وإن استطعت أن تنوِّع في الحركات فلا تتردد في ذلك.

كثيرون هم المشاهير الذين يدركون هذه الحقيقة ويمارسون الرياضة بشكلٍ منتظم، ليزيدوا من التدفق الذهني وإبداعهم، من هؤلاء المشاهير مارك زوكربيرغ، صاحب أهم موقع للتواصل الاجتماعي “الفيسبوك”، ولا يقتصر إيمان مارك بأهمية الرياضة على ممارسته الشخصية لها، بل استطاع أن يوظفها ليحصل على إنجازٍ أكبر من موظفيه، فقد أنشأ في عام 2015 حلقة من نصف ميل على سطح مقر فيسبوك بكاليفورنيا، كي يتمكن العاملون من تنظيم اجتماعات وهم يمشون.

 خذ قسطاً من الراحة

تشير بعض الدراسات التي أجريت في تسعينات القرن الماضي إلى أنه لا يمكننا التركيز لأكثر من 90 دقيقة، قبل الحاجة إلى استراحة لمدة 15 دقيقة، وذلك تبعاً للتغيرات الطبيعية في دورة الانتباه لدينا.

فيما توصلت دراسات أخرى إلى أنه حتى الاستراحة القصيرة لمدة بضع ثوانٍ ستكفي، شريطة أن ينفصل الشخص نهائياً عن العمل من الناحية الذهنية خلال تلك الاستراحة.

وتساهم هذه الاستراحة في تجديد النشاط، وزيادة التركيز، وتخفيف الحمل على العقل، الذي يكون مثل العضلة التي تحتاج إلى راحة بعد كل فترةٍ زمنية من إشغالها، وهذا يساعد على زيادة الإنتاجية والإبداع ورفع التركيز. وقد كشفت دراسة أجرتها جامعة تورنتو الكندية عام 2014، أن عدم أخذ استراحة الغداء يقلل الإنتاجية.

وفي نفس السياق، أجرى أليخاندرو ليراس الباحث بجامعة إلينوي الأمريكية، في عام 2010 دراسة حول ظاهرة تعرف باسم «إنقاص اليقظة»، وحاول ليراس خلال دراسته معرفة تأثير أخذ الاستراحات على التركيز، وأفادت الدراسة بأن إلغاء تنشيط العمل ثم إعادة تنشيطه يساعد على زيادة التركيز.

وتزداد الحاجة لهذه الاستراحات عند أداء المهام طويلة الأمد كالمذاكرة قبل الامتحانات النهائية.

اجعل الأمر أكثر صعوبة

قد تستغرب لهذا العنوان، ولكن سيزول استغرابك إن عرفت ما تقوله إحدى نظريات الانتباه المؤثرة؛ فقد توصلت عالمة النفس في كلية لندن الجامعية نيللي لافي عام 1995 إلى ما أسمته “نظرية التحميل”. وتكمن فكرة هذه النظرية في أن هناك حداً لكمية المعلومات من العالم الخارجي التي يمكن لأدمغتنا معالجتها في الوقت ذاته، وعند امتلاء جميع “أماكن” المعالجة في الدماغ، فإن نظام الانتباه في الدماغ يتدخل لاتخاذ قرار بشأن ما يركز عليه. فعند إشغال جميع أماكن الإدراك الحسي، يتعين على الدماغ صب كل طاقاته للتركيز على المهمة الأكثر أهمية بعد غربلة مصادر الإلهاء.

ولذلك تشير تجارب لافي إلى أنه قد يكون من الأفضل العمل في محيطات ليست مرتبة وصامتة، بل في محيطات فوضوية ومربكة. ولكن المشكلة في ذلك تكمن في إيجاد النوع المناسب من الإلهاء والتحكم بإبقائه في الحد المناسب كي لا يصل إلى حد الانجراف. يمكن أن يكون سماع الموسيقى مثلاً أو تشغيل المذياع ضمن هذه الملهيات التي تحفّز الدماغ على التركيز دون أن تصل لحد التشويش.

فالأمر المهم هنا، هو أن تقدّم لعقلك كل ما يمكنه القيام به، حتى لا تعطيه الفرصة للبحث في مكانٍ آخر للتحفيز.

 عقلك أيضاً يحتاج إلى التمارين

لا بد أنك سمعت بما يسمى بالألعاب الفكرية أو الذهنية.

إليك عشر طرق لتحسين قدرتك على التركيز، سودوكو

ولكنها ليست مجرد ألعاب، فقد وضحت الدراسات أن ممارسة ألعاب ذهنية معينة تساعد على الوصول إلى التدفق الذهني وتحسين الانتباه، ومن ضمن هذه الألعاب؛ السودوكو، الكلمات المتقاطعة، الشطرنج، وألعاب الذاكرة. من هذه الدراسات دراسة أجريت على 4715 شخصاً بالغاً، أن قضاء 15 دقيقة في اليوم الواحد لخمسة أيام في الأسبوع بممارسة نشاطات تمارين الدماغ يؤدي إلى تأثير إيجابي كبير على التركيز. كما تساعد هذه الألعاب على تعزيز الذاكرة العاملة والذاكرة طويلة الأمد، بالإضافة إلى تحسين مهارات حل المشاكل ومعالجتها.

فالرياضة الذهنية لا تقل أهمية عن الرياضة البدنية، فهي تعزز أنشطة الإدراك والذاكرة وترفع مستوى التركيز عن طريق الوصول إلى الحد الأعلى من اليقظة الذهنية.

قليل من الضحك يساعدك

بغض النظر عن حبك لعملك أو للمهمة التي تقوم بها، فإن إبقاء التركيز على أمرٍ محدد هو أمرٌ صعب، ويحتاج قوة إرادة، وحسب دراسة حديثة أجراها الباحث في مجال القيادة بجامعة أستراليا الوطنية في كانبيرا ديفيد تشينغ، فإن إحدى الطرق لتعزيز قوة الإرادة هي الضحك. لذلك فلا ضير بين الوقت والآخر من متابعة بعض مقاطع الفيديو التي تعرض مواقف مضحكة للقطط مثلاً، فرغم أن الكثيرين ينظرون إليها بأنها قمة الإلهاء، إلا أن علماء النفس يعتقدون أنها تدعم الحفاظ على حالتنا الذهنية الصحيحة لنستطيع الاستمرار في أداء المهام.

يقول تشينغ: “إن خلق ثقافة من المرح لدى فريقك سيساعد على تعزيز إنتاجية العمل”. ويضيف: “بالطبع، هذا ليس ترخيصاً لمشاهدة مقاطع فيديو عن القطط طوال اليوم، لكن الحصول على فترات راحة في بعض الأحيان ومشاهدة مقاطع فيديو فكاهية يكون مفيداً، خاصة عندما تشعر بالإرهاق”.

اقرأ أيضاً: علاج النسيان وعدم التركيز

0

شاركنا رأيك حول "لا تدع التدفق الذهني للصدفة.. 10 خطوات فعّالة لزيادة تركيزك وتحسين أدائك متى شئت"