قصر البديع: تحفة من تحف مراكش المعمارية!

يعتبر قصر البديع أو لبديع في مراكش من روائع الهندسة المعمارية بالمغرب، قام ببنائِه السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي عام 1578 ميلاديًا، وذلك بعد شهورٍ من توليه الحكم وانتصاره التاريخي على البرتغاليين في معركةٍ عُرفت باسم وادي المخازن. هذا وقد تم بناؤه من أموال الفدية التي دفعها البرتغاليون، واستعان السلطان حينها بأمهر المهندسين المغاربة والأجانب في آن واحدٍ، وخرج القصر في صورة معمارية مذهلة، للدرجة التي جعلت بعض المؤرخين يعدّونه من عجائب الدنيا. نتعرف معك عزيزي القارئ في هذا المقال على قصر البديع في مدينة مراكش العاصمة المغربية.

قصر البديع في مراكش

أصل تسمية قصر البديع

يُقال في أصل تسمية قصر البديع آراء عديدة، فمنهم من يقول أنّه نسبة إلى اسم من أسماء الله الحسنى “البديع”، ومنهم من يقول أنّه عائد إلى إحدى زوجات السلطان المنصور، ولكن على كلٍ كلمة “قصر البديع” في اللهجة المغربية الدارجة تعني “قصر الخزف”؛ وذلك يرجع إلى كثرة زخارف الجدران التي زينت القصر بالزليج كاملًا.

سبب إنشاء قصر البديع

اختار السلطان المنصور الجهة الشمالية الشرقية لتشييد هذا القصر، ويرجع سبب إنشائِه الأساسي أنّ السلطان المنصور كان يريد أن يقيم موقعًا واسعًا بعمارةٍ مميزةٍ رغبةً في أن تُقام الحفلات فيه، وتُنظم المؤتمرات والاستقبالات الرسمية للبلاد. هذا وقد بدأ القصر عمله في يناير 1579 ميلاديًا، وداوم على أشغاله مدة ستة عشر عامًا.

تكاوين قصر البديع

يتواجد قصر البديع بساحة مركزية كبيرة، ويتواجد بها بركة كبيرة مائية آتية من نافورة تتوسطها، وعلى الجوانب هناك روضتان مليئتان بالأشجار والورود، وأحواض مائية أخرى أصغر حجمًا، وهناك جناحان مربعا الشكل، يرتفعان أيضًا وسط ضلعي الساحة، إلّا أنّه لم يبقَ منهما آثارًا إلّا لواحدٍ فقط، وقد كانا مغطيين بقبة بينما يحملهما اثنى عشر عمودًا ضخمًا، وهي مشابهة كثيرًا للعمدان التي ترفع قبة القاعة الكبرى لمقابر السعديين في مراكش، كما يشير تصميمٌ برتغالي قديم الأثر يعود بتاريخه إلى عام 1585 ميلاديًا إلى أنّ القصر كان محاطًا بسورٍ من زواياه الأربع مدعمًا بأبراجٍ، وأنّ دخول القصر كان يتم من خلال أبوابٍ عديدة، لكن الباب الرئيسي يتواجد في الزاوية الجنوبية الغربية للقصر، وعلى جوانب الساحة الطويلة كانت تمتد أجنحة متعددة ومستطيلة في شكلها، ويُذكر أنّ أهم تلك القاعات قاعة الخمسينية، والتي كانت تستقبل الزوار وتقيم الاحتفالات بشكل رسمي، ولا زالت موجودةً في مكانها بالزاوية الشرقية بالقرب من باب القصر الرئيسي، وأيضًا من أهم القاعات قاعة البلور والخيرزان والذهب.

آثار لم يغيرها الزمن في قصر البديع

رغم حالة الخراب التي حلت بقصر البديع الآن بسبب الزمن وعوامله، إلّا أنّه لا زال محتفظًا برونق بعضٍ من أشيائِه القليلة، فلا زال هناك بعض الزخارف التي كانت تزين جدرانه وترتسم على أرضيته وأسقفه، وتقول المصادر التاريخية أنّ المواد البنائية التي استخدمت في تشييد القصر هي من الرخام الذي جُلب من مدينة بيز الإيطالية، وأيضًا الجبس المزخرف المصبوغ، والجزع من مختلف الألوان، وهناك أيضًا آثار للتيجان الذهبية، والسقوف الخشبية. هذا بالإضافة إلى النوافير والبرك المائية الجميلة.

عمارة قصر البديع المستوحاة

يُعد قصر البديع مَعْلَمًا من معالم العمارة الأثرية في القرن السادس عشر بالمغرب، فهو متأثر بعدة ثقافات أجنبية تتمثل من خلال التصميم الأندلسي الظاهر عليه شكلًا وهو أكثر ما أثر فيه، فعلى سبيل المثال. الأجنحة المحورية للقصر مأخوذة عن ساحة الأسود في إمارة غرناطة بالأندلس المفقود، وأمّا أكبر البرك المائية المستطيلة فإنّها مستوحاة من ساحة الريحان، ونظام البرك والممرات المائية بالقاعات في الأصل مأخوذة أيضًا عن قصر الحمراء الشهير في غرناطة، ويرجع سبب تأثير العمارة الأندلسية على العمارة المغربية إلى فترة هجرة الموريسكيين، وهم سكان غرناطة المسلمون الذين قد فروا في النهاية من القشتاليين وعبروا البحر إلى المغرب، فقدموا إليها مشاركين في بناء هذا القصر، وتركوا طابعهم الخاص عليه.

قصر البديع اليوم

يتميز قصر البديع بتوفر خصائص تجعله راقيًا وحاملًا للثقافة والسياحة وعراقة التاريخ، هو ليس قبلة للسياح من أنحاء العالم وفقط، بل إنّه مَعْلَمٌ تاريخيٌ هامٌ لأبناء المملكة المغربية، حيث يتم تنظيم مجموعات من النشاطات الثقافية الدولية مثل: مهرجان الفنون الشعبية، ومهرجان الضحك، فضلًا عن ساحاته الكبيرة التي يتم استغلالها في إقامة العديد من الحفلات واللقاءات، وأيضًا التظاهرات والأنشطة الدولية مثل: تنظيم الحفل الخيري لعلاج مرض السرطان، والذي يحضره شخصيات من مختلف أنحاء العالم. هذا بالإضافة إلى كون القصر معلمًا سياحيًا يقصده الزوار للتعرف على تاريخه، كما أنّ أهميته تبلغ من الكبر أن يكون قبلةً لكبار مخرجي العالم، والذين يختارون موقعه خصيصًا ليقوموا بتصوير أعمال سينمائية عالمية به، وبالفعل قد لاقت تلك الأعمال نجاحات كبيرة.

شاهد أيضًا:

والآن أخبرنا عزيزي القارئ، هل قمت بزيارة قصر البديع من قبل؟!

شاركنا رأيك حول "قصر البديع: تحفة من تحف مراكش المعمارية!"

أضف تعليقًا