التزامنية .. صدفة أم ترتيب

0

هل هناك بحال من الأحوال ما يسمى بـ (الصدفة) .. وهل يعد هذا المفهوم (الصدفة) استخفافاً بالعقل وبنزاهة الاستقصاء العلمي الموضوعي، المسألة أعقد من هذا بكثير. لكنها واضحة لمن أراد أن يراها كذلك .. وإنها لكذلك. ليس هنالك شيء اسمه صدفة أو مصادفات .. لا ميلادٌ أو موت أو نجاحٌ أو رسوب أو نصرٌ أو هزيمة أو حظ أو زواله بطريق الصدفة والاتفاق. فاسم ومصطلح (الصدفة) مؤشر لجهلنا لما لا نستطيع أن نفهمه أو ندرك له وجهاً من وجوه التفسير أو التعليل، ولكن السؤال: هل هو في الواقع كذلك؟. هنالك مظاهر محيّرة لأصحاب النمط أو النموذج المادي الميكانيكي في تفسير الكون، وهذه المظاهر هي بالألوف لاحظها الناس والعلماء، فأوّل من لاحظ هذه الظاهرة وأعطاها اسمها هو عالم نفس الأعماق والتحليل الشهير السويسري كارل جوستاف يونغ على طريقته الخاصة طبعاً التي تجاوز بها سيجموند فرويد، وسماها ظاهرة (التواقت) أو (التزامنية/synchronicity) وهي ظاهرة عجيبة جداً وتحدث لكثير منا.

كارل غوستاف يونغ
كارل غوستاف يونغ

مصطلح التزامن

التزامن هو لفظ افتراضي معلوم في معارف الناس وهو في (التقاء مسعيين اثنين في ومضة زمن) فحين يسعى فلان ويسعى فلان فان رابطاً بين المسعيين يقيم تزامناً بينهما وله نتيجة قد تكون سيئة أو قد تكون حسنة ومثل تلك الصفة نجدها بوضوح بالغ حين تصطدم سيارتان ببعضهما (مثلا) على طريق ما، فلو تأخر الساعي وحدة زمنية أو تقدم في مسعاه فإن حادث الاصطدام لن يحدث، إلا أن (التزامن) في حاوية السعي (التزامن في عنصر الزمن) يمثل لعقولنا (تراكيب زمنية) وهي ذات منهجية خلق معلنة.

التزامن الزمني رغم أنه عنوان مفترض في ثقافة هذا الزمن إلا أنه في حقيقته نظام تكويني يخص نظم الخليقة وما يختص بذات الله العظيمة بصفته الخالق والمصمم والمنفذ للخلق وهو يمارس صفته في كل ومضة زمن (لا تأخذه سنة ولا نوم).

فلسفة التزامنية

يعطي مؤسِّس علم النفس التحليلي كارل غ. يونغ التزامنَ بعداً كلِّياً حين يرى أن للتزامنات أساساً في العالم الموضوعي. أطلق يونغ على هذه الأرضية التزامنية :اسم “العالم الواحد” unus mundus، الذي هو عالم حيادي يتعالى على الظواهر النفسية والفيزيائية على حدّ سواء. ويرى يونغ بأن

“اللاوعي هو المكان الذي تبرز فيه عناصر التزامن والتزامنات مرتبطة بظهور الأنماط البدئية عبر توسُّط اللاوعي الجمعي”

وبالتالي فإن:

“التزامن حدثٌ ذو طبيعة كلِّية، يتم دون رابط سببي مباشر، كما أنه يدل على الجديد، اللامتوقَّع، والحي”. فهو واقع إبداعي بشكل أساسي.

هذه الثيمات الأربع هي لبنات البناء في عملية تأسيس ما يسمى على غرار هيغل، بـ”روح العصر” Zeitgeist، وهو المنظور الذي يُرى بموجبه الكون كلاً ممتداً، مترابطاً، متسعاً، يتطور باتجاه أشكال أشمل وأعقد وأكثر إبداعاً.

ويطلق ديفيد بوهم على سيرورة التطور الكلِّية هذه مصطلح “النظام الباطن” Implicate Order، ويقول عنه:

“يقوم تصور الكلِّية الكامل، الكلِّية الإبداعية، في النظام الباطن ، وهو، في ربطه بين السيرورات الذهنية والسيرورات الباطنية، لا يرى اختلافاً بين ما يحدث في وعينا وما يحدث في الطبيعة”.

أما البيولوجي النمساوي بول كاميرر فيرى أن الحوادث المتشابهة التي تتكرَّر تخضع لقانون مادي طبيعي أسماه “قانون السلسلة”، وعدَّه نوعاً خاصاً من العطالة أو القصور الذاتي، يدفع بالحوادث المتشابهة نحو التكرار.

وقد وجد مؤلِّفا كتاب المرآة الكَدِرة، جون بريغز وديفيد بيت، أن السيرورات التي تبدو عشوائية في الظاهر إنما هي نماذج محددة تتعيِّن بـ”جواذب” محددة رياضية – الأمر الذي بات يُعرَف باسم نظرية الشواش Chaos Theory أو ديناميَّات الشواش.

التزامن والدماغ البشري

يبدو “اللاتناظر” assymmetry قانوناً طبيعياً. للوهلة الأولى سيبدو هذا الكلام غريباً بعض الشيء؛ لكنْ إذا ما تأملنا في الطبيعة بعمق فسنجد أن التناظر التام غير موجود في الطبيعة، وبالتالي في الإنسان، على المستويات كافة، الجسمانية والعصبية والنفسية.

وفيما يخص عمل نصفي الدماغ “اللامتناظرين” ترى باربرا هونيغر أن:

“التوافقات المحمَّلة بالمعنى هي سيرورات متخارجة تشبه الحلم، يتحكَّم بها مركزٌ ثانٍ من مراكز اللغة متموضِع في نصف الكرة المخية الأيمن من الدماغ”.

وقد بين النفساني جوليان جاينيس في كتابه أصل الوعي أن هذا المركز يخاطب النصف الأيسر للدماغ بأصوات قوية آمرة، قال عنها:

“وكأنها آتية من مكان ما يقع خارج ذاته، ربما من كهف، أو من السماء، أو من تمثال الإله على الأرجح. تلك كانت أصوات الآلهة”.

أعلى درجات التزامنيةأمبرتو الأول

ومن قبيل الموافقات العجيبة والتى تتجلى فيها أعلى درجات التزامنية ما حدث مع ملك إيطاليا في القرن العشرين أمبرتو الأول الذي دخل مطعماً فاخراً جداً، جلس فيه ليطلب اللذائـذ .. و كان أن لاحظ بعضاً من حرسه أن صاحب المطعم هو صُورة مستنسخة -تقريباً- طبق الأصل والشبه من الملك أمبرتو بشكل محيّر ، لفت الحراس نظر الملك الذي لاحظ بدوره هذا الشبه العجيب وفرح به، أتى الحراس بصاحب المطعم أمام الملك وسألوه عن اسمه؟ فأجابهم: أمبرتو .. عجيب جداً! وهذا من حسن طالع صاحب المطعم. سألوه أيضاً في مسألة ثانية وقالوا له من أين أنت؟ فأجاب بأنه إيطالي الأصل من مدينة تُورين، تورين؟! عجيب فالملك أيضاً من مدينة تُورين وولد فيها. سألوه أيضاً: متى ولدت؟ قال لهم في سنة كذا وكذا .. و تعجبّوا أيضاً لأنه مولود في السنة نفسها التي ولد فيها الملك تماماً! .. ثمّ أخذوا يسألونه عن دقائق حياته: متزوّج أم أعزب؟ فأجاب: نعم متزوج. فقالوا ما اسم زوجتك؟ فأجاب بأن اسمها ماركيتا وازداد التعجب لأنه نفس اسم زوجة الملك أمبرتو! سألوه .. هل رزقت بأولاد: قال نعم ولدٌ واحد واسمه فرونيو .. أخذ الحراس يفغرون أفواههم ويضربون أخماساً في أسداس لأن اسم ابن الملك أمبرتو الوحيد أيضاً هو فرونيو! .. شيء محيّر جداً، قدمت هذه المعلومات للملك وقال بأن هذا شيء غير طبيعي أبداً. الشكل نفسه، الاسم نفسه، المدينة نفسها، سنة الميلاد نفسها، اسم الزوجة واسم المولود نفسهم!. هذه ليست صدفة أبداً إذ لا يوجد إمكانية رياضية لتفسير مثل هذه الحالات وخاصة فيما يعرف بنظرية (التكرار) في علم رياضيات الاحتمال. على كل حال .. أعجب من كل هذا عندما سأل الحراس صاحب المطعم عن السنة التي افتتح فيها مطعمه الذي حلّ عليه الملك زبوناً اليوم؟ فأجاب : في يوم كذا .. عجيب! إنه نفس اليوم الذي تولى فيه الملك أمبرتو الحكم! وكأن صاحب المطعم لديه مملكة في حدود مطعم .. والملك أمبرتو لديه مملكة هي إيطاليا. سمع الملك كل هذا واستثيـر تماماً ودعا صاحب المطعم بصفة شخصية لحفلٍ بمناسبة شيء معين. ولكن للأسف .. لم يأت صاحب المطعم ليلبي هذه الدعوة لأنه قضى نحبه مغدوراً بعيار ناري، تأسف على ما حدث له الملك الذي لحق به بدوره في نفس اليوم مغدوراً بالرصاص.

التزامن ومتتالية فيبوناتشي

التزامن

من أقرب الأمثلة للتزامنية أعداد فيبوناتشي أو متتاليته الشهيرة للعالم الشهير ليونارد فيبوناتشي حيث أن هناك رقماً ثابتاً يعرف بالنسبة الذهبية أو الرقم الذهبي أو النسبة الإلهيـة أو الرقم (فاي) كلها مسميات بدأت في الظهور بعد أن عمل ليوناردو فيبوناتشي على عمل المتتالية الشهيرة والمسماة باسمه (متتالية فيبوناتشي Fibonacci number) وهي نسبة ثابتة تساوي 1.618 تقريباً هذه النسبة إذا ما استخدمت في أي مجال تزيده جمالاً.

إنه لا مكان للصدفة العبثية في الحياة، وإنما هناك يد خفية تدير الأمور في نظام عجيب، هذه اليد هى يد القدرة التى تنسق الأحداث وتربطها على المستويين القريب والبعيد.

المصادر والمراجع:

  • التزامن : العلم والأسطورة والألعبان – آلان كومبس ومارك هولند
  • الموسوعة الحرة ويكيبيديا
  • موقع مقالات أون لاين

Notice

0

شاركنا رأيك حول "التزامنية .. صدفة أم ترتيب"