“أنا لم أفشل، أنا بكل بساطة وجدت 10000 طريقة لا تعمل”

كانت هذه الكلمات إحدى مقولات العالم الكبير توماس ألفا إديسون (Thomas Alva Edison) الذي سآخذ من وقتكم بضع دقائق لنتوقف أمامه، لنرى شخصاً حاربته كل الظروف، فحولها إلى درجات صعد عليها إلى سُلم المجد!

توماس اديسون

توماس اديسون

ولد توماس اديسون في مدينة ميلان بأوهايو في الولايات الأميريكية عام 1847، كان الأصغر بين أخوته السبعة، وكان والده ناشطًا سياسيًا منفيًا من كندا، بينما أمه معلمة مدرسة. لُقب إديسون بالعالم صاحب الألف اختراع، لأنه وحده سجّل أكثر من 1090 براءة اختراع!

الغريب في الأمر أن هذا العبقري ذو الألف فكرة وفكرة كان يعاني من ضعف السمع! وذلك بسبب معاناته من الحمى القرمزية والتهابات الأذن، فلم يستكمل تعليمه لأن مستواه التعليمي كان ضعيفاً، وكان مفرط النشاط ويميل إلى الإلهاء، ولكن في الوقت الذي رفضته المدرسة احتوته أمه بالحب والحنان، فأخذت أمه تعلمه القراءة والكتابة والعلوم، وعندما بلغ 11 عاماً كان قد درس تاريخ العالم نيوتن والتاريخ الأمريكي وروايات شكسبير وغيرها.

في سن 12، توجه إديسون لبيع الصحف في محطات السكك الحديدية، وأقام وقتها عملية تجريبية صغيرة أبرز فيها طموحه الصغير، حيث استثمر وصوله إلى السكك الحديدية في إجراء تجارب كيميائية في مختبر صغير في عربة أمتعة أحد القطارات، وخلال إحدى التجارب، اندلع حريق، وانتهى بطرد توماس اديسون من المحطة، وأُجبر على بيع الجرائد في محطات مختلفة. عمل فيما بعد موظفاً لإرسال البرقيات في محطة السكك الحديدية ومن هنا كانت تلك إحدى محطات التحول في حياته، حيث تعلم على آلة التلغراف.

توماس اديسون أول آلة تليغراف

حيث وبينما كان إديسون يعمل في محطة السكك، أنقذ طفلًا يبلغ من العمر ثلاث سنوات من دهس قطار ضال له، لذا كافأ والد الطفل إديسون بتعليمه تشغيل آلة التلغراف، وفي سن ال15، تعلّم ما يكفي ليتم توظيفه بعدها كعامل تلغراف.

رحلة اختراعات توماس اديسون

في عام 1866، عندما كان توماس اديسون في ربيع ال19، انتقل إلى لويفيل (Louisville) في كنتاكي، للعمل في يوكالة أسوشيتد برس (The Associated Press)، وهناك عمل في ورديات ليلية ما ساعده في قضاء معظم وقته في القراءة والتجريب. كان يقرأ على نطاق واسع، وطوّر أسلوبًا غير مقيد في التفكير والاستقصاء، وأثبت لنفسه الكثير من الأشياء من خلال الفحص الموضوعي والتجريب.

عام 1869، في ربيع ال22 من عمره، انتقل توماس اديسون إلى مدينة نيويورك وطوّر اختراعه الأول، مؤشر أسهم محسّن، وهو عبارة عن طابعة عالمية للأوراق المالية، والذي قدّم مزامنة للعديد من معاملات الأسهم، ومن هنا بدأ مسيرته الإبداعية، إذ أعجبت شركة The Gold and Stock Telegraph بهذا الاختراع، ودفعوا لإديسون 40 ألف دولار مقابل الحقوق، وبتحقيق هذا النجاح، استقال إديسون من عمله كعامل تلغراف، وكرّس حياته للاختراع. اكتسب وقتها سمعة كمخترع من الدرجة الأولى، وفي عام 1870، أنشأ أول مختبر صغير ومنشأة تصنيع في نيوارك (Newark) في نيوجيرسي، ووظّف تحت رعايته العديد من الميكانيكيين.

ابتكر إديسون فيما بعد أيضًا لشركة ويسترن يونيون (Western Union) التلغراف الرباعي، والذي يتميز بإمكانية إرسال إشارتين باتجاهين مختلفين على نفس السلك. وفي ديسمبر من عام 1877 طوّر إديسون طريقة لتسجيل الأصوات، بما يسمى الفونوغراف (The Phonograph)، وكانت أولى كلماته في الفونوغراف هي الجملة التالية “مريم لديها حمل صغير (Mary had a little lamb)”.

طوّر توماس اديسون الفونوغراف نتيجةً لعمله على تطوير اختراعي التلغراف والهاتف، أعطى رسمًا تخطيطيًا للفونوغراف إلى الميكانيكي جون كروسي (John Kruesi) للبدء في تصنيعه، ويُقال أن كروسي أمضى 30 ساعة في صناعته وفق مخطط إديسون، وبعد انتهائه، اختبر إديسون الفونوغراف من خلال جملته الأولى فيه.

توماس اديسون يستمع إلى الفونوغراف بسماعة رأس بدائية

عام 1878، قدم توماس اديسون – نظريًا وعمليًا – في مجلة أمريكا الشمالية، الاستخدامات المحتملة للفونوغراف، ومنها كان:

  • كتابة الرسائل وجميع أنواع الإملاء دون مساعدة كاتب مختزل.
  • الكتب الفونوغرافية، والتي ستساعد المكفوفين بالتحدث إليهم دون تقديم جهد أو تعب منهم.
  • تعليم الخطابة.
  • استنساخ الموسيقا.
  • “مسجّل العائلة”، والذي سيساعد في تسجيل أصوات العائلة، ذكريات وآخر كلمات المحتضرين مثلًا.
  • الحفاظ على اللغات عن طريق تسجيل طريقة النطق بدقة.
  • لأغراض تعليمية مثل الحفاظ على الشروحات التي يقدمها المعلم، بحيث يمكن للتلاميذ الرجوع للشرح في أي لحظة.

يعتبر إديسون أول من فكر في اختراع جهاز ينقل الكلام عبر الأسلاك (جهاز إرسال بالاعتماد على الكربون أو عُرف باسم (هاتف زر الكربون)، أي عملية تحسين للهاتف المُختَرع من قِبل “غراهام بيل”. رغم أن بيل سبقه في اختراع أول هاتف، لكن هاتف بيل كان لا ينقل الأصوات إلا من غرفة إلى غرفة، وتجاوز اختراع إديسون الغرفة إلى العالم بأسره! حتى جاء العام 1879 حين اخترع إديسون الهاتف الكهربي فكان هذا العام بدايةً لتغيير العالم.

مقطع عرضي في هاتف زر الكربون - توماس اديسون

بينما لم يكن توماس اديسون المخترع الأول للمصباح الكهربائي، بل كان الإنكليزي همفري ديفي (Humphry Davy)، والذي سُمي اختراعه مصباح القوس الكهرائي، ولكن اديسون هو من ابتكر التكنولوجيا التي ساعدت في إيصال المصباح إلى العامة. أراد إديسون تطوير المصباح الكهربائي ليكون أول مصباح عمليٍّ متوهّجٍ، وفعال تجاريًا، وبالفعل كان ذلك.

توماس اديسون - المصباح الكهربائي

ومن هنا كانت البداية لتحسين المصباح الكهربي، فأخذ إديسون يستمر في محاولاته وإصراره على التحسين العملي له لدرجة أنه خاض أكثر من 99 تجربة فاشلة وفي كل مرة عندما تفشل تجربة كان يقول “هذا عظيم.. لقد أثبتنا أن هذه أيضاً وسيلة غير ناجحة للوصول للاختراع الذي أحلم به” فكان لا يطلق عليها تجارب فاشلة بل تجارب لم تنجح! وعلى الرغم من عدم نجاحه في عدد كبير جداً من المرات إلا أن ذلك لم يدفعه لليأس بل استمر في المحاولة، وفعلاً، في عام 1879 أنار مصباح إديسون لتشع الوجوه بهجةً بهذا الاختراع العظيم، واستمرت الزجاجة مضيئة 45 ساعة، وقال توماس اديسون لمساعديه: “طالما أنها ظلت موقدة هذه المدة فبإمكاني إضاءتها لمئة ساعة!”. حصل اديسون على براءة اختراع على مصباحه المحسّن في عام 1879.

في أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر، طوّر توماس اديسون مختبره، حيث قال بأنه سيصنع آلة “تفعل للعين ما فعله الفونوغراف للأذن”، وبالفعل، أعطى الفكرة لأحد عماله في شركته، ويليام كينيدي ديكسون (William Kennedy Dickson)، والذي بدأ بالتنفيذ بدءًا من آلة الكينتوغراف (Kinetograph)، وهي كاميرا أفلام بدائية، والكينتوسكوب (Kinetoscope) جهاز العرض الذي يتيح لفرد واحد المشاهدة من خلال ثقب فيه، متاحة للأفلام المنفردة (يمكن أن يشاهدها شخص واحد)، جمع بين ميزات الآلتين، وسرعان ما تم الاستيعاض عن الكينوغراف والكينتوسكوب بابتكار سمي آلة التصوير السينمائي (Lumière Cinématographe)، مجموعة من الكاميرات وطابعة وجهاز عرض، ما سمح للناس بمشاهدة الأفلام سوية.

كاميرا كينتوغراف - توماس اديسون

وكانت من اختراعاته العظيمة، بطارية تخزين قلوية (Alkaline Storage Battery)، وجاءت الفكرة في أواخر القرن التاسع عشر، حيث كانت السيارات الكهربائية أكثر شهرة من تلك المجهزة بمحرق احتراق داخلي وتعمل بالبنزين، ولكن كان للسيارات الكهربائية عيب كبير، وهو أن البطاريات المستخدمة كانت ثقيلة وتسرب الحمض، ما نتج عنه تآكل الأجزاء الداخلية للسيارات. لذا واجه توماس اديسون هذه المشكلة باختراع بطارية أخف وزنًا، وأكثر قوة ويمكن الاعتماد عليها.

كيف أصبح اديسون عظيماً؟!

اتفق جميع العظماء بأن كثرة القراءة والمعرفة وعدم الاهتمام بالمال هي من تخلق العلماء العظماء والمفكرين، فيقول إديسون عن المال “ليس المال إلا وسيلة لا غاية” لذلك كان ينفق المال في شراء آلات جديدة ومحاولة شراء معمل أكبر لكي يتسع لاخترعاته، وعند بلوغه 23 سنة فقط كان قد سجل باسمه 122 اختراعاً!

لا نعرف إذا كان قول ذلك طرفة أم شيء شنيع قليلًا، ولكن هل تعلم أن إحدى الطرق التي استخدمها إديسون لإقناع الناس بالانتباه من مخاطر التيار المتردد كانت من خلال صعق الحيوانات بالكهرباء!؟. أحد أشهر الصعقات كانت عام 1903، لفيل سيرك يدعى توبسي (Topsy) في كوني أيلاند (Coney Island).

توفي توماس اديسون في 18 أكتوبر 1931 في ولاية نيوجيرسي بسبب مضاعفات مرض السكري، عن عمر ناهز 84 سنة.

وفي النهاية، أترككم مع بعض مقولات المخترع العظيم توماس إديسون:

“أنا لم افعل أي شيء صدفة ولم أخترع أي من اختراعاتي بالصدفة، بل بالعمل الشاق”

“إذا فعلنا كل الأشياء التي نحن قادرون عليها لأذهلنا أنفسنا”

“ليس معنى أن شيئاً لم يعمل كما تريد منه أنه بلا فائدة”

“النجاح 1% موهبة و 99% جهد”

“نحن لا نعرف واحد بالمليون من أي شيء”

“الآمال العظيمة تصنع الأشخاص العظماء”

“لكي تخترع، أنت بحاجة إلى مخيلة جيدة وكومة خردة”

“اكتشفت 1000000 طريقة لا تؤدي لاختراع البطارية وحاولت 99 مرة لصناعة المصباح الكهربائي”

توماس اديسون