بالنظر إلى الانفجار العظيم و الإسلام نجد أن المعتقدات الخاطئة بخصوص نظرية الانفجار العظيم وضعف التعمق بها، أديا إلى جدلٍ في المجتمع الديني الإسلامي، فهناك من نظر لها كنوع من إنكار وجود الخالق باعتبارهم أن النظرية تشرح خلق الكون (وهي نظرة خاطئة، ففي الحقيقة تتحدث النظرية عن تطور الكون من “المتفرد Singularity” إلى ما نراه اليوم، وهي تبقي موضوع النشأة الأساسية مجهولًا).

وبالمقابل ظهرت فئة من المسلمين والباحثين الأكاديميين الذين أخذوا بعض جوانب هذه النظرية التي اعتُبرت “حقائق” من قبل المجتمع العلمي، وحاولوا إثبات وجودها في الآيات القرآنية كدليل على التقارب بين اللاهوت والعلم.
تؤمن هذه الفئة أن ما تم اكتشافه علميًا بخصوص الانفجار الكبير كان قد ذُكر قبل سنين في النصوص الدينية الإسلامية وآيات القرآن.

الانفجار العظيم و الإسلام قرآنيًا

قبل التحدث عن بعض الآيات، وكيف تُسقط فئة معينة تفسيرها على الجوانب العلمية، لا بد من التنويه أن هذه الفئة تعتقد باستخدام المصطلحات الشائعة في ذلك الوقت ضمن القرآن بدلًا من المصطلحات العلمية المعروفة الآن لتسهيل الفهم.

“أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلقت، وإلى السماء كيف رُفعت، وإلى الجبال كيف نُصبت، وإلى الأرض كيف سُطحت، فذكّر إنما أنت مذكّر” _ سورة الغاشية.

تبدأ الحجة بأن الله في القرآن يحث الناس على التفكير في كيفية الخلق وتشكل الكون بأشكاله الحية وبنيته المتناسقة، فهو بذلك مناصرٌ للعلم (الذي يجيب عن السؤال “كيف؟” بدلًا من “لماذا؟”).

“الشمس والقمر بحسبان، والنجم والشجر يسجدان، والسماء رفعها ووضع الميزان” _ سورة الرحمن. هنا يُعتقد أن كلمة “بحسبان” تشير إلى المسار المحدد للكواكب، و”الميزان” يشير إلى مقاييس البنية، التوضع، والأبعاد في المنظومة الكونية باعتبار “السماء” تشير إلى الفضاء بشكلٍ عام.

“والسماء بنيناها بأيدٍ، وإنّا لموسعون” _ سورة الذاريات

توصل العلماء بعد بحثٍ مكثف في علم الفلك والفيزياء الكونية، ودراسة الفضاء مع إجراء تجارب باستخدام معدات متطورة إلى أن الكون في حالة توسع، وهذا كان أساس نظرية الانفجار الكبير، كما يعتبر حقيقةً في المجتمع العلمي.
تعتقد فئةٌ معينة أن هذه الحقيقة قد سبق ذكرها في الآية المذكورة باعتبار “السماء” كما قلنا سابقًا إشارة إلى الفضاء؛ حيث تبين الآية أن الخالق قام بإنشائها وجعلها في حالة توسع مما يتوافق مع نظرية الانفجار العظيم.

“أولم يرَ الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقًا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون” _ سورة الأنبياء.

يُرجع البعض تفسير هذه الآية إلى الاعتقاد أن الكون كان موحدًا في “المتفرد” ثم بدأت القوى بالانفصال عن بعضها لتشكل المنظومة التي نعرفها الآن، وذلك حسب نظرية الانفجار الكبير. وبالمثل تشير هذه الآية أن “السماوات والأرض” كانت متصلة في البداية ثم تباعدت.

“ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين” _ سورة فصّلت.
تم إسقاط هذه الآية على ثلاثة مناحي من نظرية الانفجار العظيم و الإسلام :

أولًا: “ثم استوى إلى السماء وهي دخان”، تشير إلى وجود الانفجارات الكونية في الفضاء وظهور الغبار الكوني (بسبب قوى التجاذب حسب النظرية).

ثانيًا: “ائتيا طوعًا أو كرهًا”، تشير إلى سلوك الجزيئات والجزيئات المضادة التي انوجدت في الكون؛ حيث كانت الجزيئات المضادة تسلك مسارًا متعارضًا مع سلوك المادة اليوم مما نجم عنه تصادمات وانفجارات.

ثالثًا: “قالتا أتينا طائعين”، حسب نظرية الانفجار الكبير، مع انخفاض الحرارة لم تعد تتشكل أزواج جزيئات – جزيئات مضادة، وأدت التصادمات إلى إبادة الجزيئات المضادة، وبذلك أصبحت الجزيئات في الكون تابعة للقوانين الموجودة.

“وأوحى في كل سماء أمرها وزيّنا السماء الدنيا بمصابيح” _ سورة فصّلت، تؤكد هذه الآية وجود “السماء” أي الفضاء قبل وجود “المصابيح” أي الضوء، وبذلك حسب اعتقاد البعض فهي توافق النظرية بأن قوى التجاذب كانت أسرع من الضوء مما جعل الكون معتمًا.

هناك الكثير من التفسيرات لآيات قرآنية أخرى تصب في مجال خلق وتطور الكون، والتي يراها البعض موافقة لنظرية الانفجار العظيم. وبذات الوقت هناك من يفسر هذه الآيات بطريقة مختلفة كليًا.

مثلما وقفت قوانين الفيزياء عاجزة أمام “المتفرد Singularity” واللحظات الأولى من الانفجار العظيم، نبقى أيضًا عاجزين عن إيجاد تفسير حقيقي مطلق لما أُنزل أو كُتب منذ آلاف السنين.1

ويبقى الجدل مستمرًا…

المراجع