كان أول من اقترح نظرية الانفجار العظيم؛ بناء على أدلة سابقة ودراسات مستقلة، عالم الفيزياء والفلك والقس الكاثوليكي “جورج ليميتر Georges Lemaitre” الذي آمن أن لا اختلاف بين العلم والدين. وبالرغم من موافقة الكنيسة الكاثوليكية آنذاك على نموذج الانفجار العظيم لتطور الكون، انقسم المجتمع إلى فئات اعتقدت بالتشابه بين النظرية والإنجيل، وأخرى اعتقدت باختلاف كبير بينها. وبدأ الجدل بين الانفجار العظيم و المسيحية والذي لم يحسم حتى الآن.1

نقاط التشابه بين الانفجار العظيم و المسيحية

حسب تفسيرات البعض للإنجيل، يمكن توضيح بعض النقاط الأساسية التي تشير إلى توافق بين اللاهوت ونظرية الانفجار العظيم، مع الأخذ بعين الاعتبار الكلمات المستخدمة لتناسب العصر الذي انتشرت به المسيحية ومحاولة إسقاطها على المصطلحات العلمية.

“في البدء خلق الله السموات والأرض”- سفر التكوين 1:1. في بداية الحجة هناك اتفاق بوجود نقطة لنشأة الكون.

“بالإيمان نفهم أن العالمين أتقنت بكلمة الله حتى لم يتكون ما يُرى مما هو ظاهر”- سفر العبرانيين 11:3. يشير هذا القسم إلى وجود بداية الخلق خارج حدود القوانين الكونية، مما يتوافق مع نظرية الانفجار الكبير بعجز قوانين الفيزياء كما نعرفها في اللحظات الأولى من بداية الخلق وما قبلها.

“وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه”- سفر التكوين 1:2، “وقال الله ليكن نور فكان نور”- سفر التكوين 1:3. هناك العديد من الاختلافات حول تفسير ما سبق، ولكن عمومًا تدل هذه الأقسام على وجود الظلمة قبل النور (مما يتوافق مع نظرية الانفجار العظيم حيث كانت قوى التجاذب أسرع من الضوء مما جعل الكون معتمًا). بالإضافة إلى أنها توضح أن الكون لم يخلق بلحظة ليغدو كما نعرفه الآن، فهو انتقل من مرحلة فوضى إلى مرحلة أكثر انتظامًا (والمقصود بالانتظام توضع المجرات والنظم الكونية وأيضًا النظام الذي جعل الأرض مهيأة للحياة).

“هكذا يقول الله الرب خالق السموات وناشرها”- سفر إشعيا 42:5، “صانع الأرض بقوته، مؤسس المسكونة بحكمته، وبفهمه بسط السموات”- سفر إرميا 10:12، “الباسط السموات وحده والماشي على أعالي البحر”- سفر أيوب 9:8.

تتضمن العديد من الأسفار على مثيل السابق دلالات بأن الخالق قد قام بخلق السماء (أي الفضاء) ونشرها أو بسطها.
(تتواجد هذه الفكرة أيضًا في سفر زكريا والمزامير وغيرها). ويعتقد البعض أن ذلك دليلٌ على ذكر مبدأ “توسع الكون” (المشروح في نظرية الانفجار الكبير) ضمن الإنجيل منذ آلاف السنين قبل إثباته علميًا بالمعدات المتطورة؛ مما يجعل الإنجيل كلامًا مقدسًا.

نقاط الاختلاف بين الانفجار العظيم والمسيحية

مثلما يوجد فئة تؤمن أن الدين والعلم على توافق، هناك من يعتقد بعكس ذلك سواء كان انحيازهم للعلم أو الدين.
وبعض الحجج المطروحة لتوضيح الاختلاف بين الانفجار العظيم و المسيحية :

“لأن في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض والبحر وكل ما فيها واستراح في اليوم السابع”- سفر الخروج 20:11. يشير الإنجيل إلى خلق الكون في ستة أيام وذلك يتناقض مع النظرية. ظهرت بعض التفسيرات لمحاولة مزامنة الاثنين كالاعتقاد أن “ستة أيام” لم تُعنى حرفيًا، أو الاعتقاد بوجود فاصل زمني كبير بين اليوم والآخر.

“فعمل الله النورين العظيمين النور الأكبر لحكم النهار والنور الأصغر لحكم الليل والنجوم، وجعلها الله في جلد السماء لتنير على الأرض”- سفر التكوين 1:16,17. يفسر البعض أن ما سبق يشير إلى خلق الله للأرض أولًا وبعدها الشمس والنجوم، مما يخالف الجدول الزمني العلمي.

ولكن يوجد آخرون ممن قالوا أن أقسام سفر التكوين ليس من الضروري أن تكون موضوعة ضمن ترتيب زمني. أو أن “الأرض” هنا دلالة على “المادة Matter” وليس الكوكب.

بأخذ القسم الأول من سفر التكوين بأكمله، نجد أنه يشير إلى خلق الإنسان في الأسبوع نفسه من خلق الكون.
وفي كورنثوس الأولى 15:45 كُتب التالي: “هكذا مكتوب أيضًا صار آدم الإنسان الأول نفسًا حية وآدم الأخير روحًا محييا”، أي أن آدم هو الإنسان الأول، وبدراسة التسلسل الزمني، تفصلنا ألفي سنة عن المسيح، وبدوره هناك ألفي سنة بين المسيح وابراهيم، وحسب سفر لوقا 38-3:23 هناك 20 جيلًا فقط بين ابراهيم وآدم.

مع الأخذ بعين الاعتبار الفواصل الزمنية في أسفار العهد القديم (سفر التكوين 28-11:11، سفر لوقا 36-3:34).
كل ذلك يشير إلى الاختلاف الكبير في التسلسل الزمني ما بين الانفجار العظيم و المسيحية فالانفجار العظيم يقول أن عمر الكون 14 مليار سنة تقريبًا.

ولكن أيضًا هناك فئة ممن يحاولون مزامنتهما باتباع نفس الحجة أن كلمة “أيام” المستخدمة للدلالة على زمن لم تُعنَ حرفيًا؛ بل يمكن أن تُفسر على أن كل “يوم” كان بمثابة نقطة أساسية في عملية الخلق، وتمتد سنينًا طوالًا بين اليوم والآخر.2

ما يثير التعجب في هذه الجدالات أن المجتمع العلمي في عصر “جورج ليميتر” اعتبر وضعه لهذه النظرية تحيزًا لآرائه الدينية، في حين يعتبرها المجتمع الديني الآن تحيزًا للعلم وإلغاءً لتعاليم الإنجيل. ويتبين أن هذه الجدالات لن تصل إلى نهاية نسبة لتعدد المعتقدات والتفاسير في النصوص الدينية بالرغم من عدم الإثبات الكلي لنظرية الانفجار العظيم حتى وقتنا هذا.

المراجع