متعددةٌ هي الأسباب التي دفعت فرنسا إلى التفكير بإرسال أسطولها إلى مصر وبلاد الشام، لكن اختيار الجنرال نابليون بونابرت لهذه الحملة كان له دورٌ كبيرٌ في سير الأحداث، فقد دفعه حبّه لمصر وحضارتها والعلوم التي قدّمتها للبشرية إلى القبول بهذه المهمة بالرغم من عدم جهوزية الأسطول الفرنسي، وما إن وصل حتى شدّته طموحاته إلى شن حملةٍ إلى سوريا دُعيت باسم الحملة الفرنسية على بلاد الشام

نابليون بونابرت قائد الحملة الفرنسية على بلاد الشام

لما اشتد الصراع على النفوذ بين الإمبراطورية الفرنسية والإمبراطوريتين العثمانية والبريطانية، لم تكن فرنسا قادرةً على مجابهة هذا الحلف بشكلٍ مباشرٍ؛ فقررت السلطات الحاكمة اتّباع سياسة الحرب بالوكالة لتوجيه ضربةٍ استباقيةٍ لبريطانيا وحليفتها من خلال السيطرة على مصر وبلاد الشام، ووضع يدها على قناة سيزوستريس (قناة السويس لاحقًا) التي تربط البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط، والوصول إلى الأقاليم الحليفة لفرنسا في الهند.

كان طموح نابليون بونابرت كأحد الجنرالات البارزين بعد الثورة الفرنسية بمثابة غشاوةٍ منعت عينيه من إبصار ما يتملّك الحاكم الفرنسي وحاشيته من مخاوفٍ وقلقٍ تجاه هذا الشاب الثلاثيني، وفرصهِ الكبيرة في أن يكون له شأنٌ عظيمٌ في قيادة البلاد مستقبلًا، الأمر الذي دفعهم إلى التفكير مليًا بإبعاده عن باريس قدر الإمكان وإشغاله عنها؛ فتقرر قيادة نابليون الحملة الفرنسية على بلاد الشام ومصر.1

مصر مستعمرةٌ فرنسية

في شهر أيار/ مايو عام 1798 انطلق الأسطول الفرنسي بقيادة نابليون بونابرت من مدينة طولون الفرنسية مكونًا من 427 سفينةً حربيةً على متنها حوالي 50000 جندي، فاحتل في طريقه جزيرة مالطا كونها ممرًا إجباريًّا لا بد منه للوصول إلى مصر.

في الأول من شهر تموز/ يوليو عام 1798، تمكن نابليون من الاستيلاء على مدينة الإسكندرية واضعًا يده على ميناء أبو قير، وطلب من الأدميرال بوريس نقل الأسطول البحري إليها أو إلى جزيرة كوفو اليونانية لتحاشي الاصطدام مع الأسطول البريطاني، الذي كانت سفنه تمخرُ عباب البحر المتوسط جيئةً وذهابًا بحثًا عن مكان الأسطول الفرنسي بعد أن استعصى عليهم كشف وجهته.

تحركت جيوش نابليون برًا باتجاه القاهرة في حين استطاع جزءٌ من الجيش احتلال مدينة الرشيد، وتحديدًا في 6 تموز/ يوليو ليلتقي مع نابليون في مدينة الرحمانية بعد أربعة أيام، وتابع الجيش بأكمله التقدّم حتى وصل إلى شبراخت، وهناك دارت رحى معركةٍ كبيرة مع المماليك، حكام مصر بالنيابة عن العثمانيين، الذين تلقوا فيها هزيمةً ساحقةً أجبرتهم على التراجع إلى القاهرة.

في 20 تموز/ يوليو عام 1798 وصل نابليون وجيشه إلى مدينة إمبابة لتندلع معركةٌ جديدةٌ مع جيش المماليك وقوامه 25000 جنديٍّ في منطقةٍ قريبةٍ من أهرامات الجيزة، لتكون الغلبة أيضًا من نصيب القائد الفرنسي الطموح نابليون. كان لمعركة إمبابة أثرٌ عظيمٌ ودورٌ كبيرٌ في دخول القوات الفرنسية إلى مدينة القاهرة في 22 تموز/ يوليو، والسيطرة عليها بعد فرار حاكمها إبراهيم بك برفقة 4000 جنديٍّ متجهًا إلى سوريا؛ لكن نشوة الانتصار دفعت نابليون إلى اللحاق به والقضاء على قواته في منطقة الصالحية في اليوم العاشر من شهر آب/ أغسطس.

لم تدم سعادة نابليون بونابرت بسيطرته على مصر طويلًا فسرعان ما تلقى أخبارًا عن إبادة الأسطول البريطاني لأسطوله بعد أن عثر عليه بالقرب من الشواطئ المصرية، فكانت النتيجة خسارة حوالي 14 سفينةً حربيةً فرنسيةً ومقتل وأسر الآلاف من الجنود، في حين تمكّنت السفن القليلة المتبقية من الفرار إلى فرنسا؛ وبذلك انقطع طريق التواصل الوحيد بين القوات الفرنسية في مصر والأراضي الفرنسية.

القبضة على مصر والتفكير ببداية الحملة الفرنسية على بلاد الشام

ما إن وصلت إلى القسطنطينية أنباءُ احتلال نابليون لمصر وتدمير أسطوله على يد البريطانيين، حتى قرر السلطان العثماني سليم الثالث المواجهة وإرسال حملتين عسكريتين إلى مصر. كانت الأولى بقيادة أحمد باشا الجزار وضمت قرابة 50000 جندي تجمعوا في دمشق، بينما ضمت الحملة الثانية ما يُقارب 20000 جندي تجمعوا في جزيرة رودس بقيادة مراد باشا؛ كل ذلك لم يُؤثر على طموح نابليون وعزمه على تحقيق انتصارٍ كبيرٍ، فقرر التوجه إلى بلاد الشام ومنها إلى القسطنطينية للقضاء على حليف بريطانيا العثماني وتوسيع النفوذ الفرنسي.

فضل نابليون السير على خطا الفرعون تحتمس الثالث الذي استطاع مدّ نفوذ الإمبراطورية المصرية قديمًا، فأرسل جزءًا من قواته بقيادة ريجنير للاستيلاء على مدينة العريش، فكان له ذلك وحاصر قلعتها حتى السابع من شباط/ فبراير من عام 1799 عندما وصل نابليون مع الجيش الفرنسي إلى القلعة وبسطوا سيطرتهم عليها، ثم تجمعوا في سيناء استعدادًا للتوجه إلى بلاد الشام.2

الاستيلاء على يافا

شكلت السيطرة على العريش والتجمع في سيناء خطوةً أولى لبداية الحملة الفرنسية على بلاد الشام أتبعها نابليون بالتوجه إلى مدينة يافا للاستيلاء عليها، تمهيدًا للسيطرة على فلسطين كلها تيمنًا بأفكار الفرعون تحتمس الثالث الذي اعتقد ذلك أيضًا.

انطلقت القوات الفرنسية حتى وصلت إلى مدينة غزة في الأول من شهر آذار/ مارس، ومنها إلى يافا التي كانت مدينةً عالية التحصين بأبراجٍ ضخمةٍ وتدافع عنها حاميةٌ يبلغ عددها 2900 جندي من المشاة المسلحين بحوالي 12000 مدفع ويقودهم عبدالله بك؛ لذلك وجد نابليون في الحيلة الطريقة الوحيدة لتحقيق مراده، ففرض حصارًا على المدينة في 3 آذار/ مارس وأرسل مبعوثًا إلى حاكم المدينة عبدالله بك يعرض عليه فك الحصار مقابل فتح البوابات للدخول إلى المدينة بسلامٍ.

لم يفِ نابليون بوعده، فما إن فُتحت البوابة الرئيسية لمدينة يافا حتى هاجم الجنود الفرنسيين المدينة من الجهة الأمامية ودمروا البرجين الأماميين، ليندلع القتال داخل أسوار يافا لمدة يومين تمكن على إثرها نابليون من السيطرة على يافا في 7 آذار/مارس.

معركة جبل طور

مُنتشيًا بانتصاره في يافا تابع نابليون زحفه إلى حيفا ومنها إلى الجليل، ثم وضع يده على مدينة الناصرة في 12 آذار/مارس، وبعد ثلاثة أيامٍ سيطر على قانا. ليكتمل بذلك عزل مدينة عكّا، وقطع طرق الإمداد عنها والتي واجهت القوات الفرنسية بقيادة جزار باشا ودعمٍ لوجستيٍّ من قائد البحرية الملكية البريطانية سيدني سميث.

قبل مهاجمة عكا قرر نابليون العمل على إبعاد القوات العثمانية المتمركزة بالقرب من جبل طور بالرغم من خطورة هذه الخطوة؛ لأنها إن نجحت ستكون ضربةً قويةً للعثمانيين يُضعف بها القوات المدافعة عن مدينة عكا. وفي 20 آذار/ مارس انطلق حوالي 13000 جندي فرنسي من مدينة الناصرة ووصلوا إلى أسفل جبل طور تحت جنح الظلام. وبدلًا من الالتفاف ومحاصرة الجبل طلب نابليون من قواته مهاجمة الجنود العثمانيين مباشرةً من الجهة الجنوبية، حيث ساعدهم عنصر المباغتة في هزيمتهم وقتل ما يزيد عن 18000 جندي على رأسهم عبدالله باشا، ثم غادروا مسرعين باتجاه مدينة صور ومنها إلى عكا.3

على أسوار عكا انتهت الأحلام الفرنسية في بلاد الشام

في 25 آذار/ مارس عام 1799 بدأت القوات الفرنسية بحصار مدينة عكا وحاميتها البالغ عددها قرابة 5000 جنديٍّ، والتي تتلقى مختلف أشكال الدعم من سفينتين حربيتين تابعتين للأسطول الملكي البريطاني بقيادة الأدميرال وليام سيدني سميث. ففي البداية أمر نابليون قواته باستهداف أسوار المدينة بالمدفعية وشنّ هجماتٍ عديدةٍ لاقتحامها. استطاعت تحصينات عكا الصمود في وجهها؛ وهنا لا بد من الإشارة إلى دور فيليبو المهندس الفرنسي في صمود عكا من خلال تدعيم دفاعاتها، ووضع خطةٍ محكمةٍ كان لها دورٌ في صد الهجمات الفرنسية التي نفّذت خمسةٍ منها في الفترة بين 1-10 أيار/ مايو.

بدأ الإحباط يدغدغ مشاعر وعقل نابليون، وأخذت فكرة الانسحاب تدور في خلده خاصةً مع تفشي مرض الطاعون بين جنوده ونقص المؤن والعتاد، يُضاف لها الفشل في إيقاف تدفق الدعم البريطاني للمدينة؛ فأدرك عندها أنها نهاية حلمه في إعلاء شأن فرنسا ورفع علمها في سماء القسطنطينية، وأعطى أوامره لما تبقى من جنوده بالانسحاب ليلًا إلى مدينة صور، ونقل المرضى والجرحى إليها لتلقي العلاج قبل العودة إلى مصر مُعلنًا فشل الحملة الفرنسية على بلاد الشام.4

المراجع