قابل انتشار الفقر والجهل بين طبقاتٍ معينةٍ من المجتمعات ثراءٌ فاحشٌ في طبقاتٍ أخرى اعتبرها الكثيرون أنها تعيش على أكتاف أولئك الفقراء؛ فظهرت أفكارٌ كثيرةٌ تهدف إلى تقليص الفارق بين هذه الطبقات للوصول إلى المساواة بينها تمهيدًا لجعلها طبقةً واحدةً؛ كان منها أفكار الفيلسوف كارل ماركس لتُصبح أساس الحركة الشيوعية في العالم.

تعريف الشيوعية

هي مذهبٌ سياسيٌّ واقتصاديٌّ يسعى للانتقال من الملكية الخاصة والاقتصاد القائم على الربح إلى الملكية العامة والإدارة الجماعية لأدوات الإنتاج الأساسية كالمناجم والمعامل إضافةً لموارد المجتمع الطبيعية، ويعتبر الكثيرون أن الشيوعية أحد الأشكال المتقدمة للاشتراكية، ومع ذلك لا يزال التفريق بين الشيوعية والاشتراكية موضوعًا مُثيرًا للجدل دون الوصول لأفكارٍ مُقنعةٍ خاصةً مع تمسك الشيوعيين بالاشتراكية الثورية لكارل ماركس.1

نشأة الشيوعية

وُجدت النظرية السياسية التي شكّلت أساس الشيوعية منذ مئات السنين وقبل أن يبدأ الفيلسوف الألماني كارل ماركس بالكتابة؛ الذي نُفيَ إلى بريطانيا العظمى وفرنسا وقضى معظم حياته فيها. وفي عام 1848 وضع ماركس البيان الشيوعي ليُصبح أساسًا لأفكار الحزب الشيوعي وميثاقًا لمبادئه فيما بعد.2

أفكار كارل ماركس

آمن الفيلسوف الألماني كارل ماركس بضرورة انتفاء الطبقات والجنسيات بين أفراد المجتمع؛ حتى يكون مجتمعًا طوباويًا صحيحًا (مجتمع مثالي)، واعتمد على ضرورة إخراج الطبقات الاجتماعية الفقيرة من الوضع الذي تعيش فيه ومنحها الفرصة لتثبيت ذاتها، وليتحقق ذلك برأي ماركس كان لا بُدَّ للحكومات أن تضع يدها بالكامل على كافة وسائل الإنتاج لتمنع بذلك أي شخصٍ من الإثراء على حساب البقية، وهذا ما أثبتت التجارب الواقعية صعوبة تحقيقه.

حدّد كارل ماركس مراحل ثلاثة ضرورية للوصول إلى الشيوعية أو بمعنىً أدقّ، إلى المجتمع الطوباوي:

  • المرحلة الأولى… الثورة.

لا بُدَّ من قيام ثورةٍ تُطيح بالحكومات الموجودة؛ لقناعته بضرورة التخلُّص الكامل من الأنظمة الحالية وإنهائها تمهيدًا للانتقال إلى المرحلة الثانية.

  • المرحلة الثانية… الديكتاتور.

ضرورة وجود ديكتاتور أو قائد نخبوي يضعُ يده بالمطلق على طبقة البروليتاريا (العمال والكادحين) ليكونوا تحت سيطرته، بينما تمارس الحكومة الجديدة صلاحياتٍ مطلقةً على الأمور الشخصية للمواطنين كالتعليم والدين والتوظيف وحتى الزواج والثروات والملكيات أيضًا.

  • المرحلة الثالثة… الطوباوية.

وعنوانها تطبيق فكرة الطوباوية التي لم تُنفَّذ حتى الآن على أرض الواقع لأنها أول ما تتطلب القضاء على كل ما هو غير شيوعيٍّ وكل ما لا يمتّ إلى الشيوعية بصِلةٍ؛ ليتمكن الجزب الشيوعي من تحقيق المساواة المطلقة. وعلى الجميع أن يُشاركوا ممتلكاتهم وثرواتهم ببالغ السعادة متجاوزين كافة القيود التي تفرضها الأنظمة الاجتماعية القائمة على وجود الطبقات؛ وبالتالي تضع الحكومة يدها على كافة وسائل الإنتاج؛ بحيث يكون هناك طبقةٌ واحدةٌ ثابتةٌ لا تتغير.3

البيان الشيوعي

بدأ المنهج الشيوعي الحديث بالتطور خلال الثورة الفرنسية؛ حيث لخّص كلٌ من كارل ماركس وفريدريك إنجلز الأفكار الرئيسية للشيوعية من خلال كتابة البيان الشيوعي عام 1848 الذي رفض التفسيرات الدينية المسيحية للفلسفات الشيوعية السابقة.

يعتبر البيان الشيوعي الثورة الفرنسية كإحدى النقاط الهامة في التاريخ؛ عندما أسقطت البرجوازية الطبقة الإقطاعية المسيطرة، وانخرطت في الفترة التي ازدهرت فيها الرأسمالية، وساهمت في إنهاء الصراع الطبقي في العصور الوسطى بين النبلاء والعبيد لتُوجد مكانه صراعًا جديدًا بين البرجوازيين من أصحاب رؤوس الأموال وطبقة البروليتاريا أي العمال والكادحين.

دعا كلٌ من ماركس وإنجلز في البيان الشيوعي البروليتاريين في مختلف أنحاء العالم إلى البدء بثورةٍ تكون أول خطوةٍ لبداية العصر الاشتراكي وصولًا إلى الشيوعية التي ستُنهي صراع الطبقات ليعيش الجميع ضمن بيئةٍ تؤمّن المساواة الاجتماعية، دون وجود أي تمييزٍ مهما كان نوعه، طبقي أو عائلي أو ديني؛ إضافةً لظهور اقتصادٍ يعمل وفق مبدأ وضعه ماركس؛ يُفيد أن الجميع سيعملون وفقًا لحاجاتهم بدلًا من إمكانياتهم.4

تضمّن البيان الشيوعي الأفكار التالية:

  • إلغاء صكوك ملكية الأراضي وتحويلها إلى إيجاراتٍ تعود بالنفع للعامة.
  • اعتماد ضريبة دخل متدرجة.
  • إلغاء حق الميراث.
  • مصادرة كافة ممتلكات المهاجرين والمتمردين.
  • فرض مسؤوليات متساوية على القوى العاملة في الدولة الشيوعية كافة، وتأسيس قاعدةٍ قويّةٍ من الأيدي العاملة الصناعية والزراعية.
  • دمج الزراعات مع الصناعة التحويلية، والعمل على إلغاء الفوارق بين المدينة والريف تدريجيًّا من خلال توزيع السكان في الريف بشكلٍ متساوٍ.
  • إتاحة فرصة الحصول على التعليم المجاني لكافة الأطفال وفي المدارس العامة ومكافحة عمالتهم.
  • حصر الائتمان بيد الدولة فقط من خلال تأسيس بنكٍ وطنيٍّ قائم على رأس مالٍ تابع للدولة.
  • تحكم الدولة بقطاعي الاتصالات والنقل بالكامل.
  • تُساعد المعامل التابعة للدولة ومُختلف وسائل الإنتاج في مجال استصلاح الأراضي وتحسين نوعية التربة.5

نشأة الحزب الشيوعي في روسيا

انتشرت الفلسفة الشيوعية في بلدانٍ عديدةٍ من آسيا وأوروبا الشرقية وإفريقيا وأمريكا الجنوبية حتى أواخر القرن التاسع عشر عندما تبلورت هذه الفلسفة وتطورت في روسيا. ومع قيام ثورة أكتوبر ووصول البلاشفة إلى مقاليد الحكم عن طريقها، تمكنت بذلك أول جهةٍ تتبنى أفكار كارل ماركس في إدارة أمور السلطة، لتُعرف باسم الحزب الشيوعي وتبدأ بنشر أفكارها إلى كافة الأحزاب الاشتراكية في أوروبا.

أول ما بدأ الحزب الشيوعي بتأميم الممتلكات العامة وبسط يد الحكومة على المصانع والمعامل والسكك الحديدية؛ ليُتابع ذلك قادة روسيا وزعمائها المتعاقبين من أتباع الفكر الشيوعي، وأشهرهم جوزيف ستالين؛ الزعيم الشيوعي الكبير الذي وسّع نفوذ الاتحاد السوفييتي لتنتقل التجربة الشيوعية في روسيا إلى العديد من الدول المتأثرة بتلك الأفكار كالصين.6

المراجع