سجّلت صفحات وسجلّات التاريخ العربي الإسلامي العديد من الأمم والدول التي قامت ونشأت في منطقة مصر بعد عهد الخلفاء الراشدين، إلا أن القليل منها من شقّ بإنجازاته طريقه في ذلك التاريخ العريق، وكان للحقبة أو العصر الايوبي في مصر نصيبٌ وافرٌ من التقدّم والازدهار.

في مقالنا هذا سنخوض رحلةً قصيرةً نستعرض فيها كيفية قيام الدولة الأيوبية مرورًا بفترة ازدهارها، معرّضين على الإنجازات الحضارية والعسكرية، وصولًا إلى فترة ضعف وانحلال الدولة الأيوبية وذلك في إحدى أهم دعائمها، ألا وهي مصر.

نشأة الدولة الأيوبية

كانت النهضة الأولى التي شهدها العصر الايوبي على يد صلاح الدين الأيوبي، المؤسّس الأول لها، وذلك على إثر تصدّيه للغزو الصليبي (عام 1160م)، والذي وصل في حملته الدموية إلى قلب مصر. وكانت دولة الفاطميين الحاكمة لمصر آنذاك في سنواتها الأخيرة، إذ وصل بها الضعف لدرجةٍ استطاع معها الصليبيون غزو نصف مصر والوصول إلى عاصمة دولتهم، القاهرة. وبعد نجاح صلاح الدين الأيوبي في التصدي للصليبيين ودحرهم عن أراضي مصر، أعلن على إثر ذلك ( عام 1171م) انتهاء حكم الفاطميين على مصر وابتداء حكم الأيوبيين لها.

لتتوالى بعدها انتصارات الدولة الأيوبية على يد صلاح الدين، حيث استطاع بسط سيطرته على كلٍ من اليمن (1174م)  وبلاد الشام (1180م). إلا أن الصراع مع الصليبيين استمرّ طيلة فترة حكم صلاح الدين. وبلغ أشدّه مع تمكّن الأيوبيين من تحرير بيت المقدس من قبضة الاحتلال الصليبي (عام 1187م) في معركة حطين المشهورة.1

ما قبل العصر الايوبي في مصر

أجبرت الظروف السيئة التي سادت وسيطرت على مصر أثناء فترة حكم الخليفة الفاطمي الثاني، الخليفة المستنصر بالله عام 466 هـ (1073م) على الاستنجاد ببدر الجمالي والي عكا واستنصاره ضد الفتنة التي بزغت في أركان جيشه بين الجند، وما لبثت أن فرّقت وشتّت صفوفه، فلبّى بدر الجمالى نداء المستنصر بالله وأعاد له حكمه بالقوة والسياسة، إلا أن الحكم الفعلي أصبح في يد بدر الجمالى الذي عيّنه الخليفة المستنصر على وزارة الدولة، ليبدأ بعدها ما دُعي بـ “عصر الوزراء العظام” إذ أصبح الوزراء هم أصحاب السلطة دون الخلفاء.

وتميّزت هذه الفترة التي امتدّت منذ عهد بدر الجمالى (عام 1073م) إلى آخر أصحاب النفوذ من الوزارة ألا وهو أسد الدين شيروكوه (عام 1169م) بالمؤامرات الداخلية والخيانات ولا سيّما بين الخليفة وأتباعه وصاحب الوزارة وجنده، آلت البلاد فيها إلى درجةٍ كبيرةٍ من الضعف والانحلال والتفّرق وتمحّص سلطة الخليفة، وانتهز الصليبيون فترة الضعف تلك في أركان الدولة ليتقدّموا بشكلٍ كبيرٍ في مصر، واستمر ذلك إلى أن انقرضت سلطة الخليفة كليًّا بعد سنتين مع قدوم صلاح الدّين الأيوبي وتولّيه شؤون الوزارة في مصر وبسط حكم الأيوبيين عليها أعلن عن سقوط الدولة الفاطمية وانتهاء حكم الفاطميين في مصر (عام1171م).2

سياسة صلاح الدين والأيوبيين العامّة في مصر

عندما استقر صلاح الدين وتقلّد منصب الوزارة في مصر، شرع في تحقيق هدفه وهدف حركته الأيوبيّة التي انضوت تحت راية الدولة العباسية وعكست صورة توجهاتها في توحيد بلاد الشام ومصر ضد الخطر الصليبي المُتزايد. إلا أن الصعوبات ما لبثت تظهر عقبةً أمام تحقيق أهداف صلاح الدّين مع بداية العصر الايوبي إذ واجه تحدّيًا في إحكام سيطرته على أركان الجيش المصري، لاسيّما أن غالبيّتهم من الفرسان البيض والمشاة السودانيين. من أجل ذلك عمد صلاح الدين إلى بناء جيشه الخاص وضم إليه الفرقة الأسدية التابعة لأسد الدين شيركوه، بالإضافة إلى المماليك والأتراك. وتمكّن في نهاية المطاف من دحر العمائد القديمة للجيش المصري من القاهرة إلى الصعيد وبسط سيطرته على الجيش.

وفيما يتعلّق بالسياسة الاقتصادية فقد عمد صلاح الدين إلى إبطال المكوس الديوانية (الضرائب) والتي كانت تجبي منها الدولة الفاطمية مائتي ألف دينار سنويًّا كما وأطلق حرّية التجارة، فاستمال إليه على إثر ذلك قلوب وتأييد الشعوب بمختلف طوائفها.

كما وتصدّ للعديد من الحملات والحروب الصليبية على مصر وعمد إلى توسيع عمائد الدولة ودحر الصليبيين من حدودها، ليتجّه بأنظار الدولة الأيوبية بعدها إلى بلاد الشام وبيت المقدس، فاستطاع على إثر حملاته العسكرية المتتالية تحرير بيت المقدس من أيدي الصليبيين في معركة حطين (عام 1187م).3

نهاية الدولة الأيوبية

كما هو معروف فقد كانت الفترة الذهبية من العصر الايوبي في مصر في خضمّ حكم صلاح الدين، ومع وفاته سنة 1193م بُعيد توقيع معاهدة الصلح مع الصليبيين على إثر الحملة الصليبية الثالثة، بدأت أركان الدولة الأيوبية بالضعف والاضمحلال، ولكن وبالرّغم من ذلك برز في سدة حكم العصر الأيوبي خلاف صلاح الدين العديد من القادة البارزين، كان منهم  العادل سيف الدين الأيوبي، شقيق صلاح الدين، والذي حكم مصر بين العامين 1200-1218 م وكان له دورٌ بارزٌ في المصالحات بين الولاة الأيوبيين في الشام ومصر وساهم في توحيد الدولة الأيوبية بعد شتات أمرها على إثر وفاة صلاح الدين، بالإضافة الى التصدي للحركات الانفصالية شمال الشام.

ولكن ومع وفاة الكامل ناصر الدين عام 1238 م، الابن الأكبر للعادل سيف الدين، والذي حذا حذو أبيه في توحيد صفوف الأمة وجمع شتاتها، مع وفاته بدأت النزاعات والصراعات على الحكم تتوالى وتنهش في دعائم الدولة الأيوبية، لتأتي بعدها الضربة القاضية للعصر الأيوبي على يد المماليك على إثر قتل الجنرال عز الدين أيبك المملوكي آخر القادة الأيوبيين في مصر توران شاه، مستوليًا على الحكم في مصر ومعلنًا بهذا الفعل انتهاء حكم الأيوبيين فيها وبداية العصر المملوكي عام 1250م.4

المراجع