خلقت فكرة اللانهاية الكثير من المشكلات الفلسفية والرياضية وكانت مصدر قلقٍ لأكثر من ألفي عام، وفي هذا المقال سنشرح ما هي اللانهاية من الجانبين الفلسفي والرياضي.

ما هي اللانهاية (infinity)

تدل كلمة اللانهاية على كل ما هو غير محدودٍ أو لا نهاية له، وتستخدم بأهدافٍ متنوعةٍ يجمع بينها فكرة عدم وجود حدود أو نهاية، ويرمز لها بالرمز (∞).

إن أيّ تفكيرٍ جاد حول طبيعة المكان والزمان والله والرياضيات والحركة يسبب مخاوفَ كبيرةً فيما يتعلق بمفهوم اللانهاية المرتبط بشكلٍ وثيقٍ بمثل هذه القضايا، ولذلك فكر الفلاسفة عبر التاريخ بعمقٍ في ماهية اللانهاية، وما إذا كانت الفكرة متماسكةً وفيما إذا كانت هناك كيانات لا حصر لها، وكيف يمكننا معرفة مثل هذه الكيانات إن وجدت.

هناك جانبان للانهاية، الجانب الأول هو القسمة اللانهائية وهي فكرةُ أنه يمكن تقسيم الكائن في بعض المعاني (بشكلٍ نظريٍّ فقط) إلى مجموعةٍ لا حصر لها من الأجزاء الأصغر والأصغر، وهذا يخلق ألغازًا مركزيةً في التفكير الفلسفي حول مفاهيم مثل الجزئي والكامل والتحليل الرياضي للخطوط والأسطح وغيرها من الأشياء المستمرة. أما الجانب الثاني فهو ضمنيٌّ في الجانب الأول ويقوم على فكرة أنه يمكن أن يكون هناك مجموعات كبيرة بشكلٍ لا نهائي على الإطلاق.1

اللانهاية الرياضية

اللانهاية مفهومٌ لشيءٍ غير محدودٍ ولا نهاية له، وقد اخترع عالم الرياضيات الإنجليزي جون واليس الرمز المشترك للانهاية (∞) في عام 1657، حيث تحدث اللانهاية الرياضية على سبيل المثال في عدد النقاط على خطٍّ متصلٍ أو بتسلسلٍ لا نهائي للأرقام (1 ، 2 ، 3 ، …).

كما تتعلق واحدة من أوائل مظاهر اللانهاية في الرياضيات بالنسبة بين قطري وضلع مربع فيثاغورس حيث أنه يمكن إعطاء ضلع المربع أي قيمة لعددٍ صحيحٍ، ولكن عند حساب قيمة طول قطر المربع سينتج عددٌ مع مراتبَ عشريةٍ لا نهاية لها. على سبيل المثال إذا كان ضلع المربع بطول 1 فإن قطر المربع سيكون وهو يساوي 1.414213562، حيث أن هذا الجواب يشير إلى تسلسلٍ لا نهاية له من الأرقام بدون نمطٍ.

وجود الأعداد الصغيرة التي لا حصر لها أدى إلى اكتشاف حساب التفاضل والتكامل في أواخر القرن السادس عشر من قبل عالم الرياضيات الإنجليزي إسحاق نيوتن وعالم الرياضيات الألماني جوتفريد ويلهيلم ليبنيز، حيث قدم نيوتن نظريته الخاصة بالأعداد الصغيرة اللانهائية لتبرير حساب المشتقات والميول. وقد تعرض هؤلاء العلماء لانتقاداتٍ شديدةٍ بسبب مفهوم اللانهاية وبذلوا الكثير من الجهد لإيجاد أساس بديل وصارم للانهاية في التحليل، ولكن ذلك لم يفيد بشيءٍ حيث أن استخدام الأرقام اللانهائية حقق أخيرًا تقدمًا قويًّا مع تطور التحليل غير القياسي على يد عالم الرياضيات الألماني أبراهام روبنسون في الستينيات.2

اللانهاية حسب فكر أرسطو

نفكر جميعًا بماهية اللانهاية فهي شيءٌ يميز الأشياء التي لا تنتهي أبدًا مثل الكون الذي لا ينتهي حتى لو كنت تسافر في أسرع سفينة فضاءٍ، أو قائمة لا نهاية لها مثل قائمة الأرقام الطبيعية التي لا يمكنك الوصول إلى نهايتها. وهذا النوع هو ما أطلق عليه عالم الرياضيات اليوناني القديم أرسطو اللانهاية المحتملة (أي أنها موجودةٌ بالتأكيد لكنك لا تصل إليها).

وفكر أرسطو أيضًا بنوعٍ آخر يسمى اللانهاية الفعلية، والتي تقوم على وجود شيءٍ يمكنك قياسه مثل درجة حرارة جسمٍ ما في مكانٍ وزمانٍ معينين، ولم يشهد أحد أبدًا مثل هذه اللانهاية الفعلية، وسنشرح مفهوم هذين اللانهايتين تاليًّا.3

اللانهاية المحتملة

هي مجموعةٌ من الأرقام أو مجموعةٌ من الأشياء التي تستمر بدون نقطة نهاية يمكن التعرف عليها والوصول إليها، وإن أهم ما يميز اللانهاية المحتملة هو فكرة أنه إذا أراد المرء أن يفحص جزءًا معزولًا واحدًا فقط من المجموعة اللانهائية من الأرقام فسيكون بإمكانه ذلك.

فعلى سبيل المثال وبغض النظر عن مكان وجودك أثناء عدّ الأرقام الطبيعية يوجد دائمًا رقمٌ آخر للمتابعة، ويمكنك المتابعة بمعرفة الرقم السابق فقط، كما يمكن أن يمتد الخط الهندسي بنقطة بدايةٍ دون نهاية، ومن المحتمل أنه غير محدودٍ لأن كل ما يجب القيام به هو إضافة طول أكثر إلى الطول المحدد للسماح له بالتمدد.

اللانهاية الفعلية

تتضمن مجموعات لا تنتهي أبدًا أو أشياء داخل مساحةٍ لها بداية ونهاية، فهي سلسلةٌ مكتملة تقنيًّا ولكنها تتكون من عددٍ لا حصر له من الأجزاء. وبحسب أرسطو، لا يمكن أن توجد اللانهاية الفعلية لأنها متناقضةٌ حيث من المستحيل القول أنه بإمكانك دائمًا إضافة جزءٍ آخر في مجموعةٍ مكتملةٍ مع بدايةٍ ونهايةٍ، ولذلك اعتبر أرسطو أن هذا النوع لا وجود لها في العالم المادي.4

المراجع