على عكس المعتقدات السائدة، فإن نظرية التطور لا تتحدث عن الخلق الأول، كما أنها لا تعني تطور الكائن ليصبح “أفضل”.

تعتمد نظرية التطور على عاملين:

أولهما وجود التنوع بشكل دائم؛ فتغيرات السلاسل الجينية تعطي صفات مختلفة لكائنات من نفس النوع.

وثانيهما هو عملية الاصطفاء الطبيعي Natural Selection التي تبقي الكائنات الأكثر تأقلمًا مع البيئة؛ أي الكائنات ذات الصفات التي تجعلها قادرة على النجاة والتكاثر ضمن الظروف الطبيعية الخاضعة لها.

تاريخ النظرية

طورت جميع حضارات العالم نظرتها الخاصة عن أصل الأنواع، حيث وضع الفلاسفة اليونان الكثير من الأساطير عن الخلق.

وآمنت المجتمعات الدينية بالله الذي خلق الأنواع كلها؛ على الرغم من وجود فئة معينة وضعت مبدأ تطور أنواع من أخرى قد خلقها الله لتفسير قصة النبي نوح بطريقة منطقية، زاعمين أن الأنواع بدأت بالتطور بعد الفيضان.

خلال القرن 18، اعتقد العديد من الفلاسفة بالتطور، ولكن لم تتقدم هذه المعتقدات لتكون نظرية حتى قدوم العالم في تاريخ الطبيعة “لامارك Lamarck” الذي وضع أول أساس لنظرية التطور في القرن 19.

بالرغم من رفض بعض جوانب نظرية “لامارك” لاحقًا (مثل توارث الصفات المكتسبة)، يبقى له دور كبير في نظرية التطور الحالية.

ثم أتى “تشارلز داروين Charles Darwin” الذي يُعتبر مؤسس نظرية التطور الحديثة، وأطلق كتابه “عن أصل الأنواع On the Origin of Species” عام 1859.

الأفكار التي تطرحها نظرية التطور

تقدم نظرية التطور ثلاثة مبادئ مختلفة، ولكن على صلة مع بعضها:

  • حقيقة التطور؛ أي أن جميع الكائنات الحية ترتبط بسلف مشترك.
  • التاريخ التطوري؛ وهو مجموعة من التفاصيل حول انقسام الأسلاف إلى أنواع، والتغيرات التي طرأت عند كل سلف ونوع.
  • آلية التغير التطوري؛ يُعتقد أنها آلية الاصطفاء الطبيعي Natural Selection.

يعتبر المبدأ الأول الفكرة الأساسية والمؤكدة في نظرية التطور، والقائمة على مجموعة من الإثباتات المتراكمة انطلاقًا من “داروين” لتتوسع وتشمل إثباتات من جوانب علمية أخرى.

أما بالنسبة للمبادئ الأخرى، فهناك بعض الجوانب المؤكدة من ناحية ترابط الأنواع وعملية الاصطفاء الطبيعي، بينما تبقى أخرى غير مؤكدة أو حتى غير معروفة مثل صفات الأحياء الأولى، وكيفية نشأتها.1

أنماط التطور

حدد العلماء نمطين من التطور يعملان بنفس الآلية مع اختلاف في المقياس الزمني

  • Macroevolution التطور على مقياس كبير: تغيرات عالية المستوى على مدى فترة طويلة من الزمن؛ مثل تطور أنواع ومجموعات.
  • Microevolution التطور على مقياس صغير: تغيرات على مستوى منخفض تؤثر على عدد قليل من الجينات عبر فترة زمنية قصيرة، ويمكن ملاحظتها مباشرة؛ مثل تطور البكتيريا لمقاومة الأدوية، وتطور الحشرات لمقاومة المبيدات.

أدلة على نظرية التطور

ظهرت العديد من الدراسات لإثبات صحة نظرية التطور متخذة جوانب علمية عدة؛ مثل علم التشريح والجنين، البيولوجيا الجزيئية، أنماط التوزع الجغرافي الحيوي، دراسة المستحاثات، وغيرها.

علم التشريح والجنين:

قام الباحثون بدراسة الصفات المتماثلة من ناحية التوضع، والأصل، والوظيفة.

  • الصفات المتشابهة في التوضع والأصل Homologous Features:

إن كان لدى نوعين أو أكثر صفة فيزيائية مميزة مشتركة؛ كتوضع العظام أو هيكل الجسد على سبيل المثال، فمن المرجح أن يكون لها سلف واحد.

تبدو الأطراف الأمامية عند كل من الإنسان، الكلب، الحوت، الطير ظاهريًا على أنها مختلفة، ولكن بملاحظة التوضع العظمي لها نجدها متشابهة إلى حد كبير، واحتمالية أن هذا التشابه عائد إلى سلف واحد مرجحة أكثر من احتمالية تطوير كل نوع لنمط التوضع هذا بشكل مستقل.

نلاحظ من ناحية علم الجنين أن جميع الفقاريات على سبيل المثال تملك أنماط جنينية متماثلة، ويبدأ التباين خلال العملية التطورية.

تتواجد في بعض الأحيان بنىً عند بعض الكائنات لا تخدم أي وظيفة، وتكون مشابهة لبنى وظيفية عند كائنات أخرى. تُعتبر هذه البنى مخلفات تطورية ويطلق عليها “بنى لا وظيفية Vestigial Structures”؛ مثل عظم العصعص Tailbone عند الإنسان.

  • الصفات المتشابهة في الوظيفة مختلفة الأصل Analogous Features:

ليست كل الصفات الفيزيائية التي تبدو متماثلة تشترك بالسلف، فمنها ما يتطور عند كائنات مختلفة بشكل مستقل نتيجة حياتها ضمن البيئة ذاتها، وتعرضها لعوامل الاصطفاء نفسها، وتُدعى هذه العملية “التطور المتقارب Convergent Evolution”.

علم البيولوجيا الجزيئية

وفق نظرية التطور يعكس التشابه بين الجزيئات البيولوجية سلفًا تطوريًا مشتركًا؛ فبشكل أساسي كل الكائنات الحية لها:

  • المادة الجينية نفسها DNA.
  • الرموز الجينية Genetic Codes نفسها أو متشابهة لحد كبير.
  • عملية التعبير الجيني الأساسية نفسها (النسخ والترجمة Transcription and Translation).
  • البنية الجزيئية نفسها.

ولكن ذلك غير كافٍ لتحديد الترابط بين كائنات محددة رغم أنه يدل على سلف مشترك، لذا يلجأ الباحثون إلى مقارنة التسلسل الجيني بين الأنواع المختلفة لمعرفة الترابط التطوري بينها (أو التشابه بين الحموض الأمينية المشكلة للبروتينات).

على سبيل المثال: نسبة التشابه بين البروتينات المشكلة للأنسولين عند الإنسان والشمبانزي 98%، بينما تكون هذه النسبة عند الإنسان والدجاج 64%؛ مما يدل أن الترابط التطوري بين الإنسان والشمبانزي أعلى.

كان لهذه النظرية صدى واسع في عالم البيولوجيا، وأصبحت موضوعًا أساسيًا يتدخل في كافة أبحاثه؛ مما دفع عالم البيولجيا التطورية والجينات “Dobzhansky” إلى التصريح: “لا يبدو أي جانب في علم البيولوجيا ذا معنى إلا في ضوء نظرية التطور “.2

المراجع

  • 1 ، Evolution، من موقع: www.britannica.com، اطّلع عليه بتاريخ 15-4-2019
  • 2 ، Evidence for evolution، من موقع: www.khanacademy.org، اطّلع عليه بتاريخ 15-4-2019