اعتمد المسلمون بشكلٍ عام مقاربة إيجابية تجاه العلم، لا يوجد في التاريخ الإسلامي ما يقارن بالمعارك بين الكنيسة والعلوم في المسيحية. ومع ذلك، فيما يتعلق في نظرية التطور في الإسلام يجد بعض المسلمين صعوبة في التوفيق بين مفهوم التطور وإيمانهم.

نظرية التطور في الإسلام من عصر النهضة حتى اليوم

في القرن التاسع عشر، حظيت نظرية تشارلز داروين للتطور بترحيب مختلط من قبل المسلمين، العداوة في بعض الأوساط والقبول في البعض الآخر، جاء أول انتقادٍ إسلامي في عام 1881 من جمال الدين الأفغاني الذي كتب في إشارة إلى أفكار داروين حول الانتقاء الطبيعي: “هل هذا تجاهل لحقيقة أن العرب واليهود قد مارسوا الختان، وعلى الرغم من هذا حتى الآن لم يولد واحد منهم مختون”.

من ناحية أخرى، رأى حسين الجسر، وهو عالم شيعي لبناني، مجالاً للتوفيق بين نظرية التطور في الإسلام والكتاب المقدس. “لا يوجد دليل في القرآن”، كتب قائلًا، “يشير إلى ما إذا كانت جميع الأنواع، التي يوجد كل منها بنعمة الله، قد تم خلقها جميعًا دفعة واحدة أم تدريجيًا”. بينما الراحل زكي بدوي، العالم المسلم الأول في بريطانيا قال: “لا أرى تناقضًا بين [نظرية التطور] والإسلام”.

يذهب البعض أبعد من ذلك في التوفيق بين التطور والإسلام؛ إذ يزعم كتاب صدر عام 2005 بعنوان “التطور و/أو الخلق: من منظور إسلامي” أن أفكار داروين حول التطور والانتقاء الطبيعي مستمدة جزئيًا من الفلاسفة والعلماء المسلمين، بمن فيهم ابن سينا الذي توفي عام 1037.

حاليًا، وفقًا لعبد المجيد، أستاذ علم الحيوان في باكستان، هناك ثلاثة فروع للفكر الإسلامي حول نظرية التطور في الإسلام : الرفض الصريح، والقبول التام، والقبول الجزئي. ومع ذلك، فإن موقع إسلام أونلاين الشهير، يعتنق وجهة نظر رافضة بشدة، حيث يعبر عن رأيه قائلًا: “إنها حقيقة واضحة أن ما تحاول نظرية داروين إثباته يتناقض تناقضًا حادًا مع التعاليم الإلهية للإسلام، وحتى مع كل تعاليم الأديان السماوية … إن الادعاء بأن الإنسان قد تطور من جنس غير إنساني هو فعل غير مؤمن، حتى لو نسبنا العملية إلى الله أو إلى “الطبيعة”، لأنه ينفي حقيقة خليقة آدم الخاصة التي كشفها الله في القرآن”.

وبحسب ما ورد قُبض على محاضر علوم بجامعة الخرطوم وضُرب بسبب محتوى دوراته التي تتعلق بالتطور، وفي عام 2006 قام طلاب الطب المسلمون في مستشفى  بلندن بتوزيع منشورات تعارض داروين كجزء من أنشطة أسبوع التوعية الإسلامية.

إن “الخلق الإسلامي”، كحركة منظمة، جديدة وصغيرة نسبيًا، رغم أنها ممولة تمويلًا جيدًا يبدو أنها تنمو بشكلٍ دائم، تتمركز هذه الحركة في تركيا وتتمركز حول مؤسسة البحث العلمي (BAV)، برئاسة عدنان أوكتار، الذي كتب عشرات الكتب تحت اسم هارون يحيى. للوهلة الأولى، تبدو أنشطة BAV جزءًا من معركة تركية داخلية بين الإسلاميين والعلمانيين – وهي معركة تدعي أنها حققت النصر فيها، يقول مدير BAV، تاركان يافاس: “الداروينية تموت في تركيا، بفضلنا”. ولكن لديها أيضًا طموحات أكبر، تتطلع إلى عضوية تركيا المحتملة في الاتحاد الأوروبي في المستقبل. في رأي يافاس: “الداروينية تولد الفجور، وتركيا غير أخلاقية لا تفيد الاتحاد الأوروبي على الإطلاق”.

في عام 2007، أرسلت أحدى مطبوعات BAV، أطلس الخلق، مجانًا للعلماء والمدارس في بريطانيا، والدول الاسكندنافية، وفرنسا، وتركيا، كما أن الكتب متاحة مجانًا على الإنترنت – مما يجعلها مصدرًا جاهزًا للمواد للرجوع إليها في مقالات الطلاب في أي مكان في العالم. لدى BAV اتصالات دائمة مع المبدعين الأمريكيين، وعلى الرغم من أن كتبها إسلامية سطحية، فقد ثبت أن حججهم تعتمد بشكلٍ كبيرٍ على المواد المسيحية التي ينتجها معهد أبحاث الإبداع في كاليفورنيا.

قبول ورفض للعلم على أسس دينية

قد يكون التراث العلمي للإسلام أحد الأسباب التي تجعل المسلمين بشكلٍ عام غير منزعجين من العلم الحديث، هناك أيضًا اعتقادٌ شائع بأن العلم يميل إلى تأكيد ما هو مكتوب في القرآن بدلًا من مناقضته، ويقول العديد من المسلمين أن كتابهم المقدس يحتوي على معلومات علمية لم يكن من الممكن أن يعرفها النبي أو أي شخص آخر في مكة في القرن السابع الميلادي – وهذا مستشهد به كدليل على أن القرآن يجب أن يكون قد جاء مباشرة من الله.

أحد أفضل الأمثلة المعروفة هو القول بأن القرآن يصف بدقة مراحل مختلفة في تطور الجنين؛ أمر آخر هو أنه عندما يتحدث القرآن عن “الحماية” ضد الشمس، فإنه يشير إلى طبقة الأوزون، وبقدر ما يتعلق الأمر بالتطور، فإن القرآن يبرر معاداةً أقل للداروينية من الكتاب المقدس، ويصور الله على أنه القوة الخلاقة وراء الكون ولكن – على عكس سفر التكوين في الكتاب المقدس – لا يخوض في تفاصيل عملية الخلق. يقول الله أنه خلق “كل شيء حي” من الماء، لقد خلق البشر من الطين وخلقهم على مراحل، ومن وجهة نظر العديد من المسلمين، فإن هذا يتيح بوضوح مجالًا للتفسيرات التطورية، وبالتالي قبول نظرية التطور في الإسلام ولو جزئيًا.

فريدة فوزية الشرفي، أستاذة العلوم في جامعة تونس، تشير إلى أنه حتى أكثر المؤمنين المتحمسين يمكن أن يكونوا شغوفين للعلم. ” في تلك البلدان التي ترسخت فيها الأصولية بين الشباب في الجامعات، من اللافت أن نلاحظ أن الطلاب الأصوليين يشكلون أغلبية في المؤسسات العلمية”، مضيفة أن “الأصوليين أكثر عددًا في الهندسة من كليات العلوم الأخرى”.

من وجهة نظر الشرفي، فإن هذه المقاربة – رفض بعض الجوانب العلمية أو قبولها جزئيًا على أساس التفسيرات الحرفية للنصوص الدينية- غير مقبول قطعًا. يأتي العلم كحزمة متكاملة، واستخدام آيات قرآنية لإعادة حساب سرعة الضوء (كما يفعل البعض)، يجعل منه هراءً.

القبول الجزئي للقوانين الأساسية للفيزياء هو لجعل النظرية بأكملها غير متناسقة، الخطوة المنطقية هي اقتراح نظرية أخرى متماسكة منطقيًا؛ هذا يتطلب تحليلًا للمبادئ التي تقوم عليها النظريات وعلاقاتها وليس رفضًا بسيطًا لبعضها. من أجل القيام بمثل هذا العمل، من الضروري وجود عقل منفتح خالٍ من جميع القيود.

الاستكشاف والفهم والانتقاد والابتكار دون حظر أي سؤال، دون منع أي مجال وإعطاء الخيال حرية الانطلاق بشكلٍ حر – كل هذا يعني أن الفرد قد حرر نفسه من كل العقائد. للأسف، هذا ليس هو الحال في العالم الإسلامي حيث الإشارة إلى المقدس أمرٌ لا مفر منه، وحيث أن الشيء الأكثر صحة من الناحية الاجتماعية هو أن تكون متفقة مع الإسلام بدلًا من الإيمان بالله.1

المراجع