منذ بدء الحضارة طوّع الإنسان تقنيات استخراج المعادن المختلفة لتيسير الحصول على المعادن من سطح الأرض، ولقد أوضحت الاكتشافات أن حصى الصوان (Flint Pebbles) تم استخراجها من طبقاتٍ رسوبيةٍ طبيعيةٍ في كلٍّ من فرنسا وبريطانيا منذ العصر الحجري الحديث.

كما نقب المصريون القدماء عن النحاس منذ 3000 عام قبل الميلاد، وفي العصور القديمة كان التعدين يتم ببطءٍ علاوةً على خطورته الشديدة، ومع التقدم الزمني ابتكر وطوّر المجتمع الحديث طُرقًا أكثر دقةً وأمانًا لتحديد واستخراج المواد المتواجدة في الأرض.1

مفهوم استخراج المعادن (التعدين)

التعدين؛ هو عمليةُ استخلاص المعادن القيّمة أو المواد الجيولوجية الأخرى من باطن الأرض، والتي غالبًا ما تكون في مستودعاتٍ أو طبقاتٍ من المادة الخام، وتشمل المواد الخام التي نحصل عليها من التعدين كل ما يلي:

  • معادن.
  • فحم.
  • بترول الطفل الصفحي (صخر طيني).
  • الأحجار الكريمة.
  • الأحجار الكلسية (الجيرية).
  • الطباشير.
  • الأملاح الصخرية.
  • ملح القلي (بوتاس).
  • الحصى.
  • الصلصال.2

يعد التعدين عمليةً ضروريّةً في الحصول على أي مادةٍ لا يمكن زراعتها أو تصنيعها في المختبر أو المصنع، كما يتسع مفهوم التعدين ليشمل استخراج كل ما هو موردٌ غير متجددٍ مثل البترول والغاز الطبيعي أو حتى الماء.

يجرى استخراج المعادن عادةً بواسطة شركاتٍ عالميةٍ أو محليةٍ، وبتصريحٍ من حكومة الدولة صاحبة المنجم، ويحدث بعض أنواع التنقيب من أفرادٍ لا ينتمون إلى شركةٍ معينةٍ وبدون تصريحٍ من الحكومة، وهذا التعدين يعرف بالتعدين الحرفي (Artesanal Mining)، ويتم غالبًا على نطاقٍ محدودٍ وبأناسٍ يعملون في ظروفٍ خطرةٍ ويجنون أرباحَ زهيدةً، ويسمى غالبًا بالتعدين الغير شرعي.3

نظرة تاريخية

دعونا نلقي نظرةً على تاريخ استخراج المعادن والتنقيب عنها وعن خاماتها المختلفة، ولنتخذ في ذلك تاريخ تعدين الذهب في الولايات المتحدة مثالًا، ثم تاريخ تكنولوجيا التعدين.

  • تاريخ تعدين الذهب:

في عام 1848 وفي سبيل التنقيب عن الذهب أحضرت موسّسة California Gold Rush حوالي 300000 شخصًا إلى كاليفورنيا من خارج البلاد ومن أماكنَ أخرى في الدولة، وفي عام 1858 تجمهر الناس في كولورادو أثناء عملية Pike’s Peak Gold Rush، وبعد سنةٍ واحدةٍ فقط اُكتشفت عروق معدن الفضة في كولورادو أيضًا.

من عام 1898 حتى عام 1911، وفد المنقبون إلى وادي نهر يوكون بسبب عدة مواقعَ غنيةٍ بالذهب مثل “حمى ذهب كلوندايك” و”حمى ذهب نومى” و”حمى ذهب فيربانكس” المتواجد في آلاسكا.

  • تاريخ تكنولوجيا التعدين:

استخدم المنقبون قديمًا معداتٍ بدائيةً للحفر حيث كانت تُحفر الآبار يدويًّا أو باستخدام أدواتٍ حجريةٍ مما يطيل من عملية التعدين بأكملها، وأخيرًا تم استخدام النار لتطهير الأنفاق وللوصول إلى أعماقٍ بعيدةٍ بمعدل أسرع بواسطة كومةٍ من الخشب المحترق بالقرب من سطح الصخرة مما يؤدي إلى إضعافها وانكسارها.

أحرزت تكنولوجيا استخراج المعادن قفزةً جديدةً إلى الأمام في أواخر العصور الوسطى، عندما بدأ المنقبون في استخدام المتفجرات لتحطيم الصخور الضخمة، فقد وصل البارود الأسود (Black Powder) من الغرب (على الأرجح من الصين)، ثم استبدل البارود الأسود بالديناميت في منتصف القرن التاسع عشر، بالتزامن مع حدوث تطوراتٍ في الآلات ذات المحرك مثل المثقاب (Drill) والرافعات (Lifts) والمضخات التي تعمل بالبخار.

دفعت الثورة الصناعية بالمزيد من التحسينات في مُعدات التفجير والتنقيب، كالمثاقب الميكانيكية التي تعمل بالمكابس ثم بالهواء المضغوط، مما رفع بشكلٍ ملحوظٍ كلًّا من قدرة وكفاءة العملية في الصخور القاسية. كما حدثت أيضًا تحسيناتٌ في عمليات التعدين الأخرى.

تم استبدال التحميل والرفع اليدوي بالناقلات الكهربية مثل عربات المناجم، ولقد حلت مضخات البخار مشكلة سريان الماء، كما استبدلت المصابيح المضاءة بالشموع والفتيل بمصابيح الغاز، وأخيرًا بمصابيحَ تعمل بالبطارية، ولقد ساهمت المكننة والتكنولوجيا الحديثة في ظهور تطوراتٍ هائلةٍ في تقنيات التعدين.4

الطرق الرئيسة في استخراج المعادن

هناك أربع طرقٍ رئيسيةٍ للتعدين؛ هي التعدين الجوفي، وتعدين السطح المفتوح (الحفرة)، والتعدين الموضعي، والتعدين بغسل الراسب. إنّ التنقيب الجوفي هو الأغلى ثمنًا وغالبًا ما يستخدم للوصول إلى المستودعات الأعمق، وعادةً ما يُستخدم التعدين السطحي للمستودعات الأكثر ضحالةً وذي القيمة الاقتصادية الأقل.

تستخدم طريقة التعدين بغسل الراسب (Placer Mining) عند التنقيب في قنوات الأنهار، رمال الشاطئ، أو بيئاتٍ أخرى لغربلة وفرز المعادن الثمينة من الرواسب، بينما يستخدم التعدين الموضعي (In-situ Mining) بصورةٍ أساسيةٍ في استخراج معدن اليورانيوم، وتتضمن العملية تذويب المورد المعدني الموجود، ثم إجراء المعالجات اللازمة على السطح بدون تحريك الصخرة من الأرض؛ لذا يسمى بالتعدين الموضعي.5

تقنيات التعدين

  • التعدين السطحي (Surface Mining):

يتم استخراج المعادن السطحي عبر إزالة وتعرية الغطاء النباتي، والأوساخ، وإذا استلزم الأمر نقوم بإزالة طبقاتٍ من صخر الأديم (Bedrock) لكي نصل إلى مستودعات الخام المدفونة.

تشمل تقنيات التعدين السطحي؛ تعدين الحفرة المفتوحة (Open-pit Mining)، والذي يعني استخراج المواد من حفرةٍ أو منجمٍ مفتوحٍ في سطح الأرض، تشبه هذه التقنية عملية الحفر إلى حدٍ كبيرٍ، إلّا أن الأولى تشير إلى الرمال، الحجر والطمي، يشمل التعدين بالتعرية إزالة الطبقات السطحية للكشف عن الخام الرابض بالأسفل، تُصاحب إزالة قمة الجبل على نحوٍ شائعٍ عملية استخراج الفحم، حيث تتضمن العملية إزالة قمة الجبل للوصول لمستودعات الخام العميقة.

  • التعدين الجوفي (Underground Mining):

يتضمن التعدين الجوفي أو تحت السطحي حفرًا في أنفاق وآبارٍ أرضيةٍ بصورةٍ أساسيةٍ للوصول إلى الخامات، ونقلها إلى السطح فضلًا عن التخلص من النفايات الصخرية.

يمكن تصنيف استخراج المعادن الجوفي طبقًا لنوع الآبار المستخدمة، وطريقة الاستخلاص أو التقنية المتبعة للوصول إلى المنجم. يستخدم التعدين الجانبي (Drift Mining) أنفاقًا ذات مداخلَ أفقيةٍ، كما تُستخدم الآبار ذات المنافذ المنحدرة في التعدين المائل، ويستخدم التعدين الآباري آبارًا ذات منافذ رأسية، ويتطلب التعدين تقنياتٍ مختلفةً لكلٍّ من التكوينات الصخرية الصلبة واللدنة.

  • التعدين في مناجم عالية الجدار (Highwall Mining):

التعدين في مناجمَ عالية الجدار هو إحدى طرق التعدين السطحي والذي طُوِّر عن التعدين بالمثقاب (Auger Mining).6

من المنجم إلى المنزل

مما لا شك فيه أن المعادن تمر بالعديد من العمليات حتى تصل إلى هيئتها التقليدية التي نراها في الأشياء المحيطة بنا والمستخدمة في حياتنا اليومية، وعلى سبيل المثال وليس الحصر معدن النحاس؛ إذ يوجد النحاس في رواسبَ أو مستودعات الخام الطبيعية حول العالم.

نحن في صدد شرحٍ مبسطٍ لمسار الإنتاج المتبع بدءًا من عملية استخراج الخام من الصخور الحاوية له وصولًا للمنتج النهائي الذي يتميز بنقاءٍ عالي وقيمةٍ تجاريةٍ واقتصاديةٍ مرتفعة، والذي يستخدم في العديد من التطبيقات الضرورية للحياة العصرية.

تتوافر معادن النحاس في القشرة الأرضية، حيث تتواجد في كلٍّ من الصخور الرسوبية والنارية، يحتوى العشرة كيلومترات الخارجية من القشرة الأرضية على (33) جرام من النحاس لكل طنٍ من الصخور، وشهدت بعض المواقع أنشطةً بركانيةً منذ ملايين السنين، تمركز على إثرها النحاس المنصهر في موقعٍ واحدٍ، وهي الأماكن التي ينقب فيها حاليًا نظرًا لاحتوائها على كميةٍ كافيةٍ من النحاس لتحصيل ربحٍ تجاريٍّ مرتفع.

  • خامات النحاس:

الخام هو صخرةٌ تحتوي على كميةٍ كافيةٍ من المعادن القيّمة التي تضعها محل الاستخلاص والتنقيب، في حالة النحاس يتم تحديد إذا ما كانت صخرةٌ ما تستحق أن يتم اخضاعها لعملية الاستخلاص أم لا بناءًا على نسبة الخام فيها.

يتم استغلالها إذا احتوت على 2 كيلوجرام من النحاس لكل 1000 كيلوجرام من الخام أي بنسبة 0.2%، وتوجد معادن النحاس فيما يزيد على مئة نوعية على الرغم من أن نسبةً قليلةً فقط هي التي يتم استغلالها لإنتاج النحاس على نطاقٍ متسعٍ.

يعد خام النحاس الأصفر أي الكلكوبيريت (Chalcopyrite)، وخام البورنيت (Bornite) من أكثر الخامات وفرةً، والتي تحتوي على كلٍّ من كبريتيدات الحديد والنحاس، ويشكلان حوالي 80% من الخامات المعروفة عالميًّا.

  • تعدين النحاس:

يتم استخراج خام النحاس من الأرض بواسطة طريقتين هما استخراج المعادن السطحي (تعدين الحفرة المفتوحة)، والتعدين الجوفي. في التعدين الجوفي تُحفر أعمدةٌ رأسيةٌ (آبار) في الأرض للوصول إلى النحاس وتوصيل أنفاقٍ أفقيةٍ إلى الخام.

يتم استخراج 90 بالمائة من الخام باستخدام التعدين السطحي المعروف بتعدين الحفرة المفتوحة (Open-pit Mining)، حيث يتم إزالة الطبقات السطحية للوصول إلى الخامات القريبة من السطح والتنقيب فيها، ويتم طحن الخام وتحويله إلى مسحوقٍ، كما يتم زيادة تركيز الخام وفصل الشوائب عن طريق عمليةٍ تسمى بالرغوة العائمة (Froth Flotation)؛ حيث تستبعد المواد غير المرغوب فيها المعروفة بالشوائب (Gangue) إذ أنها تغوص في القاع مما يسهل إزالتها.

يليها مرحلة التحميص (Roasting)، وفي هذه المرحلة نحن على وشك البدء في التفاعلات الكيميائية، يتم تسخين الخام المطحون المٌركز عند درجة حرارةٍ تتراوح بين°C 500 و 700°C لإزالة بعض من الكبريت وتجفيف الخام، والذي لايزال في صورته الصلبة ويُعرف بالكلس (Calcine).

يتم صهر النحاس بواسطة الصهيرة (Flux)، وهي مادةٌ تُضاف إلى الخام لتساعد على صهره بسهولةٍ، فيتم تسخين الكلس الصلب حتى درجة حرارة تصل إلى 1200°C إلى أن ينصهر، فتُزال بعض الشوائب مكونةً بذلك مادة تشكل في مجملها مخلوطًا من النحاس السائل، وكبريتيد الحديد.

يتم ضخ الهواء في الخليط السائل مكونًا بذلك فقاعة نحاسٍ (Blister Copper) وتسمى هكذا حيث تُحتجز فقاعات الغاز في المخلوط لتكون فقاعات النحاس تلك على السطح، ثم تُصب الفقاعات عند الأقطاب الموجبة أو المهابط (Anodes)، ليجرى عليها التحليل الكهربائي، وأخيرًا مرحلة التكرير الكهربي وفيها يُنقى النحاس بنسبةٍ تصل إلى 99.99 بالمائة، ويوضح مسار الإنتاج هذ الذي سلكناه التطور الملحوظ في هيئة النحاس ابتداءًا من صخرٍ يحتوي على 0.2 بالمائه تقريبًا من المعدن وصولًا إلى كاثود النحاس (Copper Cathode) بنسبة نقاءٍ تبلغ 99.99 بالمائة.7

تكنولوجيا التعدين في وقتنا الحالي

اليوم في عالمنا التكنولوجي المتقدم، تتطور تقنيات التعدين بصورةٍ مستمرةٍ؛ على سبيل المثال باستخدام تقنيات التعدين السطحي تمكنت العديد من عمليات التنقيب من استخراج مايزيد على 85 بالمائة من المعادن و98 بالمائة من الخامات المعدنية بدون حفر الآبار أو تعريض حياة العمال للخطر.

كما استخدمت آلاتٌ مطورةٌ جديدةٌ للطحن والتكسير، وفي مقدورها أيضًا استخراج المعادن من الأرض بأقل طاقةٍ ممكنةٍ عما سبق. ولايزال المنقبون يستخدمون المعدات الثقيلة مثل المتفجرات، الشاحنات، المثاقب، والبلدوزرات وخاصةً إذا ما توجب عليهم الحفر عميقًا في الأرض، ولقد اتاحت التقدمات التكنولوجية عملية الحفر بدقةٍ أكثر وبضررٍ أقل للبيئة المحيطة.

يمكن الاعتماد على آلاتٍ ذات كفاءةٍ مرتفعةٍ لتقليل معدل استهلاك الطاقة، فضلًا عن تحسين وزيادة أعداد المعادن المستخرجة من المناجم.8

المراجع