لعلّك يومًا ما تأملّت محاولة هبوط طائرةٍ ضخمةٍ بحجم مبنى كبيرٍ على مدرّجٍ قصيرٍ، وضيّق نسبيًّا على مطار مدينتك، يمكنك بالطبع تخيّل تلك العملية تتم في الليل الحالك، أو وسط الضباب الكثيف، فإذا لم تستطع رؤية المكان الذي تسير فيه، فكيف يمكنك أن تأمل في الهبوط بسلامٍ؟ يتجنب الطيارون هذه الصعوبة باستخدام الرادار ، وهي طريقة رؤية تستخدم موجات الراديو عالية التردد.

تم تطوير الرادار في الأصل للكشف عن طائرات العدو خلال الحرب العالمية الثانية، لكنه الآن يستخدم على نطاقٍ واسعٍ في كل مجالات الحياة، بدءًا بأجهزة كشف السرعة التي تستخدمها الشرطة، وليس انتهاءً بمعدّات التنبؤ بالطقس!

يمكن للإنسان المجرّد رؤية الأشياء في العالم من حوله بفعل الضوء (عادةً من الشمس) المنعكس إلى العينين، فإذا كنت تسير في الليل أو في غرفةٍ مظلمةٍ على سبيل المثال، يمكنك تسليط الضوء من شعلةٍ، أو مصباحٍ أمامك لترى إلى أين أنت ذاهب، فتتحرك الحزمة الضوئية من المصباح، وينعكس جزءٌ منها عن الأجسام الموجودة أمامك، ويرتد إلى عينيك، ثمّ يعالج دماغك على الفور ما يعنيه هذا، فيخبرك عن الأشياء البعيدة، والقريبة، الثابتة منها والمتحرّكة، ويلائم حركة جسمك، وردّات فعلك حتى لا تتعثر بالأشياء من حولك، وتحقق غايتك المنشودة في الوسط المحيط، وهذا ما يشبه إلى حدٍّ بعيدٍ آلية عمل الرادار .1

ما هو الرادار

اصطلاحًا؛ فإنّ كلمة رادار (RADAR) هي اختصارٌ لفظيٌّ لمفهوم Radio Detecting and Ranging، وكما يشير هذا التعبير، فهو يعتمد على استخدام موجات الراديو.

ترسل الراداراتُ موجاتِ كهرومغناطيسية مشابهة للموجات المشكِّلة لشبكات الكمبيوتر اللاسلكية والهواتف المحمولة على شكل إشاراتٍ، أو نبضاتٍ قصيرة، فينعكس جزءً منها عن الكائنات المستهدفة وفق مسار، أو منحى الموجة ذاته، فيعود بالتالي جزء من تلك الأشعّة المنعكسة عن المواد إلى الرادار.

إنّ تلك الآلية أشبه بسماع صدى؛ فعلى سبيل المثال، عندما تصيح في بئرٍ ما، ستنعكس الموجات الصوتية الصادرة من حنجرتك عن الماء وجدران البئر وترجع إليك ـ فعليًّا إلى عنصر الاستقبال الصوتي، وهو الأذن ـ وبنفس الطريقة، تنعكس النبضة عن ماء المطر المتساقط مثلًا، وترسل على شكل إشارة إلى الرادار، ومن المعلومات التي يتم تجميعها، يستطيع الرادار تبيان مكان سقوط الأمطار، ومدى غزارتها.2

مبدأ أو تأثير دوبلر (Doppler)

يشير تأثير دوبلر إلى التغير في تردد الموجة أثناء الحركة النسبية بين مصدر الموجة (المادة المستهدفة) ومراقبها (الرادار).

تم اكتشاف هذا التأثير من قبل كريستيان يوهان دوبلر (Christian Johann Doppler)، الذي وصفها بأنها عملية زيادةٍ أو نقصان الضوء النجميّ، الذي يعتمد على الحركة النسبية للنجم.

يظهر تأثير دوبلر كذلك على الأصوات، فعلى سبيل المثال، عندما يتحرك مصدرٌ صوتيٌّ باتجاهك، سيزداد تردد الموجات الصوتية، مما يؤدي إلى ارتفاع درجة الصوت، وبالعكس، إذا ابتعد عنك، سوف تقل وتيرة الموجات الصوتية، وتنخفض درجة الصوت.

الرادار

إنّ الانخفاض في درجة صفارات سيارات الإسعاف أثناء مرورها، والتحوّلات في الضوء الأحمر من الأمثلة الشائعة على تأثير دوبلر، وانطلاقًا من ذلك؛ يمكن لأجهزة الرادار قياس سرعة المواد أو الأهداف المدروسة، وتحديد اتجاه حركتها، وبالتالي توقّع أماكنها.3

مكونات الرادار

تحتوي الرادارات في شكلها الأساسي على أربعة مكوناتٍ رئيسيّةٍ:

  • جهاز إرسالٍ، يخلق نبض الطاقة.
  • مبدّل، أو محوّل إرسال/ استقبال، يضبط الهوائي للإرسال، أو الاستقبال كلٌّ في حين.
  • هوائي إرسال النبضات، واستقبال المنعكسة منها.
  • جهاز استقبالٍ، يقوم باكتشاف وتحويل الإشارات المستقبَلة إلى تنسيق فيديو.

آلية العمل

يتم إنتاج موجات الراديو التي يستخدمها الرادار بواسطة قطعةٍ من المعدات تسمى مغنطرون (Magnetron).

تشبه الموجات الراديوية نظيرتها الضوئية؛ فهي تتحرك بنفس السرعة، ولكن موجاتها أطول بكثيرٍ، ولها ترددات أصغر بكثيرٍ؛ فالموجات الضوئية لها أطوال موجية تبلغ حوالي 500 نانومتر، في حين أن الموجات الراديوية التي يستخدمها الرادار عادةً ما يتراوح طولها بين بضعة سنتيمترات إلى متر، أي ما يقرب من مليون مرةٍ أطول من موجات الضوء.

إنّ كلًّا من الضوء، وموجات الراديو تُعَدّ جزءًا من الطيف الكهرومغناطيسي، وهو ما يعني أنّها تتشكّل من الأنماط المتغيرة لطاقة الإطلاق الكهربائية والمغناطيسية.

فعليًّا؛ إنّ الموجات التي ينتجها المغنطرون هي موجاتٌ صغيرةٌ، تشبه تلك التي يولدها فرن الميكروويف، إلّا أنّ الفرق هو أن المغنطرون في الرادار يجب أن يرسل الأمواج عدة أميالٍ، بدلًا من بضع بوصات، لذلك هو أكبر، وأقوى بكثيرٍ.

يُعَدّ جهاز الـ Duplexer المكوّن الأكثر أهمّيةً في جهاز الرادار إذ يقوم بالمبادلة الوظيفية لعمل الهوائي، بين كونه جهاز إرسال، أو استقبال، إذ ليس بالإمكان أن يقوم بالوظيفتين في آنٍ واحدٍ.

الرادار

بالإمكان تلخيص المراحل التي يعمل بها الرادار البسيط وفق الآتي:

  1. يقوم جهاز Magnetron بتوليد موجات راديو عالية التردد.

  2. يعمل جهاز الـ Duplexer على تحويل وظيفة الهوائي (Antenna).

    أي اختيار وظيفة الإرسال من المغنطرون عبر الهوائي.

  3. يعمل الهوائي (Antenna) كمرسل.

    يرسل شعاعًا ضيّقًا من موجات الراديو عبر وسط العمل (الهواء، أو الفضاء في الحالة الافتراضية).

  4. تصطدم موجات الراديو بالهدف.

    ثم تنعكس عنه.

  5. يلتقط الهوائي الموجات المنعكسة في الوقت الفاصل بين عمليات الإرسال.

    لاحظ أن نفس الهوائي يعمل كجهاز إرسالٍ ومستقبلٍ على حدٍ سواء، ويقوم بإرسال موجات راديوية واستقبالها بالتناوب.

  6. يقوم جهاز الـ Duplexer بتبديل وظيفة الهوائي من خلال وحدة الاستقبال.

  7. يعمل الكمبيوتر في وحدة الاستقبال على معالجة الموجات المنعكسة.

    يتم رسم النتائج، وعرض البيانات على شاشة عرض.

  8. يظهر الهدف على شاشات الرادار مع أي أهداف قريبة أخرى.

    تقوم أجهزة الاستقبال بتصفية الانعكاسات غير المفيدة من الأرض والمباني وما إلى ذلك، وتعرض الهامّة منها فقط.

حقائق مثيرة

  • هل فشل الرادار في بداياته؟ في الحرب العالمية الثانية، تم رصد السرب الحربي الياباني الذي قصف ميناء بيرل من قبل نموذج رادار أولي في هاواي قبل حدوث الغارة الجوية فعليًّا، ولكن لم يتم إرسال أي تنبيه، إذ لم يكن أحد وقتها يؤمن بجدوى تلك المعدّات حديثة العهد!
  • حيوانات تستخدم الرادار!؟
  • إنّ الخفافيش تمتلك رادار دوبلر من نوعٍ ما؛ إذ إن أنوفها قادرةٌ على إرسال صوتٍ، أو صرخةٍ قصيرةٍ ـ إن صح التعبير ـ تنعكس عن الأشياء الموجودة حولها، وترسل صدى يُتلقى عبر آذانها، وبذلك يكون الخفاش قادرًا على معرفة ما إذا كان شيءُ، أو حيوان ما في جواره، وما إذا كان هذا الحيوان يتحرك نحوه، أو بعيدًا عنه.
  • كائنات تؤثّر على صور الرادار!؟ يمكن رؤية بعض التغيرات نتيجة الرياح على الرادار على شكل خطوطٍ متحركةٍ بطيئةٍ جدًا؛ ذلك أن الحشرات تتجمع عادةً حول مناطق تغيرات الرياح، وإذا كان هناك ما يكفي منها، فسوف تعكس حزمة الرادار بشكلٍ جليٍّ!

المراجع

  • 1 Chris Woodford، Radar، من موقع: www.explainthatstuff.com، اطّلع عليه بتاريخ 21-3-2019
  • 2 ، How Radar Works، من موقع: www.bom.gov.au، اطّلع عليه بتاريخ 21-3-2019
  • 3 ، Definition of ‘Doppler Effect’، من موقع: economictimes.indiatimes.com، اطّلع عليه بتاريخ 21-3-2019