تطمح الفنون أحيانًا إلى أن تخرج من قوقعة عالمنا الحقيقي والسفر نحو مستقبلٍ خياليٍّ، وفكرة السايبربانك لا تختلف عن هذه الفنون التي ابتُكرت بدءًا من منصتها الخيالية الخاصة نوعًا من النظرة البديلة أو المختلفة لمستقبلنا المتوقع.

تعريف السايبربانك

من الصعب تحديد تعريف واحد أو بكلماتٍ قليلةٍ لهذه الكلمة أو المصطلح، ولكنها تشير فعليًّا إلى فئةٍ من الفن والحضارة، ويمكن القول أنها نوعٌ جانبيٌّ من الخيال العلمي، والتي تتمحور فكرتها حول التطور العلمي في مستقبلٍ حضاريٍّ بائسٍ، وفي هذا المستقبل نجد في إحدى جوانبه شركاتٍ عملاقةً وضخمةً مع قوات أمنٍ خاصةٍ، وفي جانبٍ آخر من هذا العالم نجد عالمًا سفليًّا محطمًا بعيدًا عن الأضواء، تنتشر فيه عصاباتٍ ومخدراتٍ ورذيلةً وعمليات تبادلٍ وتجارة غير قانونيّة.

وأحيانًا يقال عن ثيمة هذا العالم أنها “تكنولوجيا متطورة مع حياة من الرذيلة”، وسبب اعتبارها نوع من الفن الحضاري لأن هذا المستقبل الخيالي يمتلك حضارته الخاصة ومواقف من الحياة بأسلوبٍ يميّزها عن غيرها عبر التركيز على التكنولوجيا بشكلٍ كبيرٍ وامتثال لأفكار مكافحة الاستبدادية وكره للعلامات التجارية وترويجها.

ولتعريف فكرة السايبربانك بطريقةٍ أخرى، فهي فعليًّا نوعٌ من الفن الذي يُستخدم في أفلام مثل Blade Runner و Total Recall، والقديم منها نوعًا ما eXistenZ ويوجد أيضًا سلسلة الأفلام المعروفة في الشرق الأوسط The Matrix.

أما من يبحث عن تفسيرٍ حرفيٍّ لسبب اختيار هذه الكلمة، فمصطلح سايبربانك أو cyberpunk يشير في كلمته الأولى “سايبر” إلى جانب التطور التكنولوجي الكبير في هذا العالم الخيالي، أما الكلمة الثانية “بانك” فهي تعبر عن الناس أو الشخصيات ومواقفها في هذا العالم، وبالتالي نلاحظ أن أبطال قصص وأفلام أو ألعاب مبنية على هذا الفن، معظم الأحيان يكونوا خارجين عن القانون أو مجرمين أو غريبين عن حاضرهم وأحيانًا أخرى يكونوا أشخاصًا يمتلكون نظرةً مختلفةً ومعاكسةً لباقي سكان هذا العالم.

ولمن يبحث عن جوهر فكرة هذا المصطلح فيمكن الإجابة عن استفساره عبر جلب اقتباسات شهيرة لهذه المقالة المتواضعة، مثل “تكنولوجيا متطورة مع حياة من الرذيلة” و “المستقبل وصل بالفعل، لكن فقط لم يتم توزيعه بشكلٍ عادلٍ”، وهذه الاقتباسات تتحدث عن فكرةٍ واحدة أساسية، وهي مستقبلٌ متطورٌ للغاية من الناحية التكنولوجية، إلا أن هذا التطور لم يستطع إيقاف الانقسامات الاجتماعية أو الظلم الاجتماعي والتي خلقت بدورها تفاوتًا بين الطبقات أدى إلى حدوث صراعٍ اجتماعيٍّ، ومن يُعتبر من الطبقة السفلى أو الفقيرة لا يستطيع الاستفادة من هذه التكنولوجيا المتطورة وإنما الطبقة الغنية التي تزداد في غناها المادي هي من يحقق الاستفادة الأكبر من هذه التقنيات الخيالية.

ومن الاقتباسات الشهيرة الأخرى عن هذه الفكرة هي “أي شيء يمكن فعله لجرذٍ، يمكن فعله لإنسانٍ” وكما قد تتوقع، الفكرة هنا تأتي من واقعنا الذي يقوم العلم فيه على دراساتٍ واختباراتٍ عديدةٍ على أجساد الفئران، والعديد من القصص التي فيها ثيمة السايبربانك، وهي تتحدث عن نزعة الإنسان للتجربة والاختبار من أجل التطور أكثر، وهذه النزعة لن ينجو منها الإنسان نفسه عاجلًا أم آجلًا، وسيصبح هو نفسه فأر تجاربٍ.1

أصول السايبربانك

تعود أصول هذا المصطلح إلى الخمسينيات والأربعينيات، لكن لم تنمُ إلى الشكل أو الصيغة المعروفة إلّا بعد مرور سنوات عديدة، والظهور الحقيقي الأول لهذه الكلمة كما هي، كان من قبل المؤلف بروس بيثك الذي كتب قصة تحمل نفس الاسم في سنة 1980، وقد خطرت هذه الكلمة على باله بعد أن قام بخلط مصطلح cybernetics (الذي يشير إلى علم تغيير أجزاء من الجسد البشري بقطعٍ تقنيةٍ) ومصطلح “بانك” الذي يشير إلى نوعٍ من موسيقى شهيرة في السبعينيات والثمانينيات خصوصًا لدى الشباب اليافعين.

هذا ومن المعروف أن انتشار المعرفة الحقيقي لهذا المصطلح وفكرته لم يحدث بشكلٍ فعليٍّ حتى حلول 1984 عندما تم نشر رواية Neuromancer من قبل الكاتب ويليام غيبسون.2

المراجع

  • 1 ، What Is Cyberpunk?، من موقع: www.neondystopia.com، اطّلع عليه بتاريخ 21-3-2019
  • 2 ، cyberpunk، من موقع: www.merriam-webster.com، اطّلع عليه بتاريخ 21-3-2019