على مرِّ العصور كان الاعتقاد السائد حول الحالات النفسية الجسدية خاطئًا، وكانت تُفسر العِلَّة النفسيّة على إنها خياليّة وما هي إلا أوهام في ذهن الشخص المريض، لكن في الواقع، فإنّ الأعراض الجسديّة للحالات النفسيّة الجسديّة حقيقية ويجب علاجها بسرعةٍ، كما هو الحال مع أي مرضٍ آخر، وبالفعل؛ فقد وُجِد تخصص الطب النفسي الجسدي الشامل للأمراض النفسية الجسدية.

مفهوم الطب النفسي الجسدي

هو تخصصٌ فرعيٌ مرخص حديثًا في مجال الطب النفسي؛ و معروف أيضًا باسم الطب النفسي التواصلي CL، يتيح هذا المجال، المعرفة والممارسة وتعليم العلاقة بين المرض العقلي والبدني.

يرتبط هذا المجال بخدماتٍ مثل التشخيص والعلاج والبحث في الأمراض النفسية الجسدية، أيّ هو يربط بين الطب النفسي والتخصصات الطبية الأخرى، بحيث يمكن للأطباء والأطباء النفسيين المناقشة بأفضل طريقة لتدبير المرضى المصابين بأمراضٍ نفسيةٍ جسديةٍ.

يمكن اعتبار الطب النفسي الجسدي كإطارٍ شاملٍ متعدد التخصصات لتقييم العوامل النفسية التي تؤثر على الضعف الجسدي، وكذلك مسار المرض ونتيجته؛ والنظر النفسي والاجتماعي في رعاية المرضى في الممارسة السريرية؛ كالتدخلات المتخصصة لدمج العلاجات النفسية في الوقاية والعلاج وإعادة التأهيل من الأمراض الطبية.

إن للتطورات الحالية في هذا المجال آثارًا عملية على البحث والممارسة الطبية، مع الإشارة بشكلٍ خاصٍ إلى دور نمط الحياة، والاحتياجات النفسية والاجتماعية المترتبة على الأمراض المزمنة، ووظيفة المريض كمنتجٍ صحيٍّ.1

تاريخ الطب النفسي الجسدي

كان اليونانيون القدماء والفرنسيون مدركين جيدًا للاضطرابات النفسية الجسدية، فقد كان أبقراط أول طبيب يؤكد أن العوامل الذهنية لها تأثير على الصحة والمرض، كما قام الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت بتحديث المبادئ النفسية لأبقراط من خلال نظرية “ازدواجية العقل – الجسد” التي روجت للعديد من الدراسات العلمية فيما يتعلق بالجسد والعقل.

في البداية، لم يكن أطباء الطب النفسي التواصلي CL على درايةٍ بالميزات النفسية الجسدية للمرضى المصابين بأمراضٍ طبيةٍ، وفي الولايات المتحدة الأمريكية، بدأ الطب النفسي التواصلي CL في التطور وخضع لسلسلةٍ من التغييرات التنموية في القرن العشرين، في عام 2003، أُعطيَ الطب النفسي التواصلي CL، الاسم الشامل عن الطب النفسي الجسدي .2

المهارات المطلوبة للطب النفسي الجسدي

المهارات المطلوبة في الطب النفسي الجسدي حول الرعاية الأولية تشمل ما يلي:

  1. التعرف على الاضطرابات العاطفية والعقلية المجهدة والنزاعات من خلال القصة المرضية.
  2. تعزيز التعاون بين الطبيب والمريض وأفراد الأسرة؛ تتضمن هذه المهارة أيضًا تحديد العوائق المحتملة من جانب الطبيب أو المريض أو العائلة والتأكيد على المهارات الأساسية للتعاطف والإحساس.
  3. تحسين مهارات المريض في حل المشكلات، بما في ذلك توفير معلومات حول مجموعات المساعدة الذاتية، ودعم تدبير أحداث الحياة السلبية (مثل المرض الشديد أو الفقد أو الانفصال أو الطلاق) وتجنب الأدوية غير الضرورية والإجراءات التشخيصية والجراحة.
  4. إحالة المرضى للعلاج النفسي، تشمل المهارات الإضافية في هذا المجال التعاون حول الاستشارات وتدبير الحالات مع المعالجين النفسيين، ومقدمي الخدمات النفسية والاجتماعية الآخرين.3

تشخيص الأمراض في الطب النفسي الجسدي

في الواقع قد يؤول الأمر بشكلٍ أدقٍّ إلى تشخيص الأمراض النفسية الجسدية؛ فنظرًا لأن طبيبك يبحث عن سببٍ جسديٍّ للألم، سيجد صعوبةً في إعطائك خطة تشخيصٍ وعلاج، لأن أعراض الأمراض النفسية الأساسية وآثارها قد لا تظهر.

المفتاح هو البحث عن مصدر توترٍ في حياة الشخص، لا سيما عندما لا توجد أسبابٌ واضحةٌ أخرى لهذه المشكلة، فمن خلال علاج التوتر والاكتئاب، قد يكون من الممكن علاج المشاكل الجسدية أيضًا.

طبعًا، هذا لا يعني أن الأعراض الجسدية التي نواجهها يجب معالجتها فقط، حيث أن الأعراض الجسدية قد تعكس حالةً نفسيةً كما أسلفنا، فالألم الذي تشعر به في رقبتك، قد يكون بسبب التوتر الذي يبدأ بشلالاتٍ من تفاعلات كيميائية تؤدي إلى التهابٍ فعليٍّ في عضلات رقبتك.

من المهم “الانتقال إلى أعلى” ومعالجة جذر المشكلة (التحكم في الإجهاد)، ومن المهم أيضًا التعامل مع الأعراض الحقيقية؛ حتى تتاح لك الفرصة لعلاج المشكلات الأساسية، تستطيع تخيل المرض النفسي الجسدي باعتباره الفيضان الذي يحدث عقب انهيار السد، أهم خطوة لوقف الفيضان تكمن في إصلاح المسبب، ومع ذلك ، من المهم أيضًا التعامل مع الفيضان الذي حدث.

بمعنى آخر؛ قد تحتاج إلى تجربة التدليك والمساج، أو العلاج الطبيعي أو مضاد للالتهابات في نفس الوقت الذي تبدأ فيه بمعالجة التوتر في حياتك.4

المراجع