هل تساءلت يومًا كيف نحصل على الحليب منزوع الدسم، أو عن سبب خروج الملابس من الغسالة وقد تم التخلص من معظم ماء غسلها؟ إنّ مبدأ عمل جهاز الطرد المركزي يلخّص في الواقع كلّ تلك التفسيرات.1 وأكثر مجالات استخداماتها هي العلوم، وتعمل القوة النابذة الناتجة عن الدوران السريع على إبعاد الأجسام عن المركز.

يمكن لتلك القوى مثلًا فصل السوائل ذات الأوزان المختلفة عن بعضها، وفصل خلايا الدم عن خلايا البلازما، حيث تنفصل خلايا البلازما الثقيلة عن خلايا الدم الأخرى الأخف وزنًا،2 فما هي أجهزة الطرد المركزي وكيف تعمل؟

تعريف الطرد المركزي

الطرد المركزي هو عمليةٌ ميكانيكيةٌ تقوم بتطبيق قوةٍ نابذةٍ على خليطٍ ما لفصل مكوناته عن بعضها حسب الكثافة أو حجم الجزيئات، وهي تقنيةٌ تم استخدامها منذ أكثر من مئة عامٍ، وتتفاوت استخداماتها بدءًا من التطبيقات البسيطة كفصل المياه عن الفحم الخام، وصولًا إلى تقديم وسيلةٍ غايةٍ في الأهمية للبحوث المتعلقة بالطب البيولوجي.

إنّ أولى الدراسات العلمية التي اعتمدت على هذه التقنية كانت دراسةٌ أجراها نايت منذ مئة عامٍ تناولت تأثير وضع الشتلات في عجلة الدوران على اتجاه الجذور وسوق النبات، إلا أنها لم تُستخدم في التطبيقات الصناعية إلا بعد ستين عامًا، وأول جهاز طردٍ مركزيٍّ مستمرٍّ تم تصميمه كان من قبل المخترع السويدي دي لافال لفصل القشدة عن الحليب مما فتح الباب أمام الاستخدامات الصناعية للطرد المركزي.

خلال نفس الفترة تقريبًا، ظهرت أول أجهزة طردٍ مركزيٍّ تحوي أنابيب اختبارٍ، وكانت عبارةً عن وحداتٍ بسيطةٍ يدوية التشغيل تدور بسرعة 3000 دورة في الدقيقة الواحدة. أما أول أجهزة طردٍ مركزيةٍ كهربائيةٍ، فتم تقديمها عام 1910 تلتها عدة تطويراتٍ لاحقةٍ، وفي خمسينيات القرن العشرين قام براك بتوظيف هذا المفهوم للتطهير وتحديد خصائص الفيروسات، كما ساهم في تطوير هذه التقنية آندرسون وزملاءه في مختبر أوك ريدج الوطني، حيث صمّموا سلسلةً من الأجهزة الدوارة في معدات الطرد المركزي المناطقي لفصل الجزيئات داخل الخلوية والفيروسات، أما التحديثات اللاحقة التي شهدتها هذه الأجهزة، فتمثلت بالتطوير الكبير للمواد والمعدات المستخدمة فيها وتوسيع مجالات استخدامها.3

مبدأ عمل جهاز الطرد المركزي

يختصر جهاز الطرد المركزي الوقت لفصل الجزئيات في الخليط، ويعتمد مبدأ هذه الأجهزة على الدوران السريع؛ فلو وُضع خليطُ ما في أنبوب اختبارٍ وُضع بدوره في جهاز طردٍ مركزيٍّ، ستبدأ الجزيئات الكبيرة للخليط بالابتعاد خارجًا بشكلٍ أسرع من الجزيئات الصغيرة التي تبقى قريبةً من المركز.

الذي يحدث بالضبط هو أنَّ جهاز الطرد المركزي سيبدأ بالدوران السريع بينما ستبقى حركة الجزيئات داخل الخليط مستقيمةً، مما يسبب اندفاع الجزيئات نحو الخارج، فكلما كانت الجزيئات أكبر كان اندفاعها خارجًا أسرع، وبذلك يتم فصل مكونات الخليط عن بعضها حيث تتوضع الجزيئات الكبيرة المنفصلة في أماكنَ محددةٍ مختلفةٍ ضمن الجهاز، فيسبب دوران الغسالة السريع مثلًا انفصال قطرات الماء عن الملابس وابتعادها خارجًا من خلال الثقوب الصغيرة الموجودة في حوض الغسيل مما يؤمن تجفيف الملابس.4

استخدامات أجهزة الطرد المركزي

تتنوع الأجهزة تبعًا لأسباب استخدامها، إلا أنها تتشارك نفس مبدأ العمل، ويكمن الفرق الوحيد بينها في سرعة الدوران وتصميم الجهاز الدوار؛ ذلك أنّ بعض أنواع جهاز الطرد المركزي تحمل العينات بزاويةٍ ثابتةٍ، وبعضها متأرجحٌ يسمح لأنابيب العينات بالتأرجح خارجًا عند ازدياد سرعة الدوران، وأخرى تُعرف بأجهزة الطرد الأنبوبية المستمرة والتي تمتلك مكانًا واحدًا فقط لأنبوب اختبارٍ واحد، ويمكن استخدام أجهزة الطرد المركزي في المجالات التالية:

  1. فصل الجزيئات والنظائر

    يدور جهاز الطرد المركزي فائق السرعة بمعدلاتٍ عاليةٍ، حيث يمكن استخدامه لفصل جزيئات الكتل المختلفة أو حتى لفصل نظائر الذرات؛ ويتم توظيفه في الأبحاث العليمة وفي صنع الوقود النووي والأسلحة النووية. مثلًا يمكن استخدام أجهزة الطرد المركزي الغازية لتخصيب اليورانيوم حيث تُدفع النظائر المشعّة الأثقل خارجًا.

  2. في المختبرات

    تدور أجهزة الطرد المركزية المخبرية بسرعةٍ عاليةٍ أيضًا، ويمكن أن تكون كبيرةً لدرجة تثبيتها على الأرض أو صغيرةً يمكن تثبيتها على المنضدة، والأجهزة المعيارية منها تحتوي ثقوبًا بزاويةٍ معينةٍ لحمل العينات، ولأن الأنابيب مثبتةٌ بدرجة زاويةٍ معينةٍ وتأثير القوة النابذة أفقي، فإن الجزيئات ستتحرك قليلًا قبل أن تضرب بجدار الأنبوب، مما يسمح للمادة الكثيفة بالترسب في الأسفل، كما توجد أنوعٌ أخرى من جهاز الطرد المركزي شائعة جدًّا كالأجهزة ذات الدوار ثابت الزاوية أو المتأرجح، ويُستفاد منها في فصل مكونات الدم وعزل الحمض النووي الريبي منقوص الأوكسجين DNA، وتنقية العينات الكيميائية.

  3. محاكاة الجاذبية العالية

    ويُستخدم لهذا الغرض أجهزة كبيرة جدًا يقارب حجمها حجم غرفة أو بناء، وتُستخدم لتدريب الطيارين وتنفيذ الاختبارات العلمية المرتبطة بالجاذبية، ويمكن أيضًا استخدامها في مركبات حدائق الملاهي الدوارة.
    بينما تكون أجهزة الطرد المركزية البشرية مصممةً لتصل إلى تسارع يساوي 10 و12 مرة الجاذبية الأرضية، فإن الأجهزة الضخمة غير البشرية يمكنها أن تقدم نماذجًا للجاذبية تفوق الجاذبية الطبيعية بعشرين مرةً، ويُستخدم هذا المبدأ أيضًا لمحاكاة الجاذبية في الفضاء.

  4. في الصناعة

    تستخدم لفصل مكونات الكولويدات كفصل القشدة والزبدة عن الحليب، وفي التحضيرات الكيميائية، وتنقية السوائل من آثار السوائل المستخدمة في التنقيب، وتجفيف المواد، ومعالجة المياه لإزالة الأوحال.5

المراجع