كان كسرى ملكًا فارسيًا واسع السيط في عصره وصل إلى الحكم بعد أن قام بالانقلاب على والده وخلعه عن العرش ليستولي على الحكم من بعده، وبمثل ما عرف عنه من حكمة وذكاء لم يخلو حكمه من البطش والجبروت، إذ أنّ واحدةً من أهم قصصه هو ما حدث بينه وبين آخر ملوك المناذرة النعمان الثالث إبن المنذر الرابع بين عامي (585-613) م ما سبب نشوب حرب ذي قار الشهيرة. 1

كسرى والنعمان الرابع

حيث طلب كسرى من المنذر الرابع أن يرسل له ترجماناً للكتب بين العربية والفارسية، فأرسل له عدي بن زيد الذي كان أول من كتب بالعربية في ديوان كسرى، وبعد وفاة المنذر أمر كسرى بجمع النعمان وإخوته في مجلسه لاختيار وريثٍ لأبيهم في الحكم فقام عدي بن زيد الذي كان مقربًا من كسرى وعالمًا بما يحب ويكره بتقديم النصح للنعمان وتلقينه ما عليه فعله في مجلس كسرى كي يستطيع الفوز برضاه واسترعاء اهتمامه، إذ أنّ النعمان كان قد رضع وتربى في أهل بني زيد وهذا هو سر حب عدي بن زيد له ورغبته في توليه الحكم.

وعندما جمع كسرى النعمان وإخوته في مجلسه، قام النعمان بتنفيذ ما قاله عدي له مما جذب نظر كسرى إليه؛ فأصدر أمره في أن يتولى النعمان مُلك الحيرة بعد والده، الأمر الذي أثار حقد أخوته وسخطهم عليه، فدأبوا على زرع الضغينة في قلب النعمان ضد عدي بن زيد حيث ادّعوا أنّ عديًا يتباهى بأنّه السبب في وصول النعمان إلى الحكم وله عليه الفضل الكبير، الأمر الذي أثار غضب النعمان فأرسل وراء عدي بن زيد وزجّه في السجن. وعندما علم كسرى بذلك أرسل إلى النعمان آمرًا إياه بإطلاق سراحه، إلّا أنّ النعمان قام بقتل عدي بن زيد وأعطى رسول كسرى المال طالبًا منه أن يخبر كسرى أنّ عديًا كان قد مات قبل وصوله، إلّا أنّ النعمان ما لبث أن ندم على فعلته بعد أن علم أنّ ما قيل له عن عدي بن زيد ما كان إلا حيلةً للإيقاع به.

أسباب معركة ذي قار

وبعد مقتل عدي بن زيد تولّى ابنه زيد عمله وكانت له المكانة الكبيرة عند كسرى؛ فقد كان ذكيًا فطنًا عرف كيف يكسب محبة كسرى واهتمامه. وبمكيدة من مكائده يمكن القول أنه سبب غير مباشرٍ لمعركة ذي قار الشهيرة.

وقد عُرف عن الأعاجم في ذلك الوقت حبهم لصفاتٍ معينةٍ في النساء وكذلك كان حال كسرى الذي أرسل في الأنحاء طالبًا جواري له،وأخبر بذلك زيد بن عدي الذي ما انفكّ يبحث عن الانتقام لوالده، فأشار إلى كسرى بأنّ في بنات النعمان وأخواته ما طلب من صفات النساء.

فأرسل كسرى زيدًا ومعه رجل من عنده إلى النعمان يطلب منه إمرأةً من أهل بيته، فردّ النعمان على ذلك “أما في مها السواد وعين فارس ما يبلغ به كسرى حاجته” وعندما عاد الرسولان إلى كسرى سأل الأخير عن معنى السواد بالفارسية، فأجاب زيد بأنّها البقر مما أثار غضب كسرى وسخطه فأرسل في طلب النعمان الذي علم أنّه هالكٌ لا محالة.2

قام كسرى بتولية إياس بن قبيصة الكناني مكان النعمان وأمر بتكبيل الأخير بالحديد وسوقه إليه، فبلغ النعمان ذلك حيث استودع أهله وماله وسلاحه عند هاني بن مسعود الشيباني، وبعد أن ألقي القبض على النعمان أمر كسرى أن يلقى بين أرجل الفيلة لتدهسه مما أدى لموته، وبعد موت النعمان أرسل كسرى إلى هاني بن مسعود الشيباني ليُرسل إليه ما تركه النعمان من مالٍ وسلاحٍ وأولادٍ، إلّا أنّ الأخير والذي كان مؤتمنًا على ما ذكر رفض أن يسلم كسرى ما طلبه.3

فغضب كسرى غضبًا شديدًا وعزم على إعلان الحرب على قوم بكر بن وائل، وعلى إثر ذلك نشبت معركة ذي قار وهو موقع ماءٍ يعود لبكر بن وائل قريب من الكوفة يقع بينها وبين واسط، حيث سميت هذه المعركة أيضًا بيوم قراقر ويوم الحنو ويوم البطحاء وغيرها من الأسماء.

قام النعمان بن زرعة التغلبي الذي لطالما أضمر الكره لبكر بن وائل بالاقتراح على كسرى تأجيل إنتقامه إلى الصيف، لأنّ أهل بكر سيتجمعون حول ماء ذي قار من شدة الحر وعندها سيسهل عليه التمكن منهم، فوافق كسرى على ذلك. وعندما اشتد الحر ونزلت بكر إلى موقع الماء أرسل كسرى جيشًا مكونًا من ألف فارس من العجم يرأسهم الهامرز ألتستري المزربان الأعظم لكسرى حيث أمر كسرى النعمان أن يخيرهم بين ثلاث أمورٍ: إمّا أن يسلموا للملك أو أن يتركوا البلاد أو أن يدخلوا الحرب فاختاروا الأخيرة.

وفي اليوم الثاني من المعركة تراجعت  جيوش الفرس من شدة العطش إلى الجبايات، فقامت بكر وعجل بملاحقتهم وازداد عطش الفرس، كما اتفقت قبيلة إياد مع قبيلة بكر بأن تخذل الفرس بعد أن كانت تقاتل معهم، وعندما جاء اليوم الثالث نصب يزيد بن حمار السكوني كمينًا للفرس موجهًا ضربةً قاضيةً إلى قلب الجيش الفارسي، وقامت قبيلة إياد بتنفيذ وعدها في خذلان الفرس الأمر الذي أحدث اضطرابًا شديدًا في صفوفهم مما جعلهم يُهزمون شر هزيمة.

نتائح حرب ذي قار

ومن الآثار التي خلفتها هذه الحرب هو جعل حدود الدولة الساسانية التابعة لكسرى هدفًا لهجوم القبائل العربية، كما أنّ هذا الانتصار رفع المعنويات العربية وكسر هيبة الفرس في نظرهم، وقد اختلف المؤرخون في تحديد تاريخ هذه المعركة، إلّا أنّ الوقائع التاريخية ترجح بأنّها حدثت بعد مبعث النبي محمد بقليل أي بما يقارب عام 610 م.4

المراجع