من هم الأنباط

على مرِّ العصور، عاشت العديد من الحضارات في شبه الجزيرة العربية ومن أبرزها مملكة الأنباط التي تميزت بفنونها وتجارتها المزدهرة، وتعد آثارها حاليًّا من أبرز المواقع السياحية حول العالم، فدعونا نتعرف في هذا المقال من هم الأنباط وكيف أسسوا مملكتهم وحقائق أخرى عنهم.

من هم الأنباط

الأنباط هم قبائلُ عربيةٌ ذات أصولٍ بدويةٍ من شبه الجزية العربية، وتحديدًا من صحراء النقب، تمتد مملكتهم من سوريا إلى شبه الجزيرة العربية ومن غرب العراق إلى صحراء سيناء، واتخذوا من مدينة البتراء في الأردن عاصمةً لهم، والتي أطلقوا عليها تسمية رقمو ” Raqmu” باللغة النبطية.

وفقًا للسجلات التاريخية، يعود أصل تسميتهم إلى بنيوت بن إسماعيل بن إبراهيم، حيث كان لإسماعيل اثنا عشر ولدًا شكّلوا قبيلةً، كان يعيش معظمهم في مدينة نجاد، وبقي والد الأنباط بنيوت في جبل شمر، لكنه اضطر للهرب من آشوربانيبال إلى وادي عربة بين البحر الميت وخليج العقبة. §

تاريخ الأنباط ونشأتهم

كان الأنباط يعرفون القراءة والكتابة العربية ولكنهم لم يكتبوا شيئًا من تاريخهم، حيث كتبت قصة ثقافتهم وعاداتهم وملوكهم من قِبل كتاب يونانيين ورومانيين، والتي استمدوها من فن العمارة والنقوش القصيرة التي تركها الأنباط وراءهم.

وفي الحقيقة، يبدأ تاريخهم من عام 586 قبل الميلاد تقريبًا، عندما استولى البابليون على القدس وهاجر الشعب اليهودي، أصبحت الأراضي اليهودية فرصةً للأدوميين، وهم أعداء يهوذا من الجنوب، بدأ الأدوميون في الانتقال من تلال الأراضي القاحلة في جنوب البلاد إلى الشمال حيث أراضي يهوذا الغنية المهجورة.

وفي ذلك الوقت هاجر الأنباط أيضًا واستقروا بالقرب من عاصمة أدوميت، حيث احتلوا جبلًا مسطحًا يُعرف حاليًّا باسم (صلاح)، ونظرًا لأن هذا المكان كان موقعًا لمذابحَ سابقة كان الأدوميون يتجنبونه تاركين الأنباط وحدهم، حيث قام الأنباط في البداية بعمل مستوطنة صغيرة فوق الجبل لتكون بمثابة ملجأ ومكانًا آمنًا لنسائهم وأطفالهم ولتخزين سلعهم.

ومن ثم قام الأنباط ببناء مدينتهم (رقمو)، ومع مرور الوقت ازدادت القوة السياسية والعسكرية للمملكة النبطية، مما أدى إلى سيطرتهم على تجارة شمال الجزيرة العربية والبحر الأحمر، وعند سقوط الدولة السلوقية في نهاية القرن الثاني برز الأنباط كدولةٍ مستقلةٍ امتدت حدودها لتشمل مساحاتٍ شاسعةً من المدن المحيطة. §

الفن النبطي

اشتهر الأنباط بالعديد من الفنون ومن أبرزها فن العمارة ونحت البيوت في الجبال الصخرية المزينة بالنقوش والزخارف, والتي تعكس لنا التقاء العديد من الثقافات في هذا الفن، وتركت علامة لا لبس فيها على المشهد الصحراوي القاسي.

بالإضافة لمهارتهم الرائعة في فن العمارة، تميز الأنباط بتقنيات تجميع المياه، حيث قاموا بتسخير الموارد المائية المحدودة لعاصمتهم الصحراوية، واستفادوا من كل ينبوعٍ طبيعيٍّ وكل هطولٍ مطريٍّ لتوجيه المياه عند الحاجة، وقاموا ببناء قنواتٍ للمياه سمحت بتدفق المياه عبر الجبال، من خلال الوديان وإلى المعابد والمنازل والحدائق، فضلًا عن سدود الاحتفاظ الدائمة التي تبقي مياه الفيضانات القوية في الخليج. §

التعاملات التجارية للأنباط

كانت التجارة هي أساس سيطرتهم و ثرائهم وازدهار حضارتهم، في تاريخهم المبكر، حملوا بضائعهم من مكانٍ إلى آخر، حيث كانوا ينقلون البضائع على ظهر الجمل من البتراء إلى موانئ غزة والإسكندرية على ساحل البحر المتوسط، واشتهروا ببيع البخور والبهارات والزيوت والعطور، والسلع الفاخرة الأخرى.

 ومع مرور الوقت، تمكن الأنباط من أن يصبحوا من أنجح المجتمعات التجارية في الشرق الأوسط، وبفضل معرفتهم بالطرق البحرية وطرق القوافل تمكنوا من تكوين رابطٍ قويٍّ بين السلع الشرقية والأسواق الغربية.

الديانة الأنباطية

كان الأنباط وثنيين يعبدون آلهةً متعددةً وعبدوا الشمس أيضًا، ونحتوا آلهتهم في المداخل، وفي زوايا المعابد، وعلى العملات المعدنية والمقابر والسيراميك، وكانوا يقيمون احتفالاتٍ على قمم المعابد ويقومون أيضًا بتكريم آلهتهم في احتفالاتٍ خاصةٍ في المنزل، من أشهر الآلهة التي كانت لديهم:

  • القيم – إله الحرب وحامي النفوس.
  • الكتبي – إله المعرفة والكتابة والعرافة.
  • العزة – آلهة الأم العليا، المرتبطة بالقوة الإلهية والأرضية.
  • الآلهة مناوات (آلهة القدر والخصوبة)، وآلات (إلهة التجديد ، الربيع)، ودوشارا إله الجبال والنهار.

المملكة الأنباطية ولاية رومانية

في عام 106 م، أصبحت مملكة الأنباط مقاطعةً خاضعةً تحت سيطرة الإمبراطورية الرومانية من قبل الإمبراطور تراجان، حيث لم يبدِ الأنباط أي مقاومةٍ تذكر، نظرًا لأن المملكة عانت بشدةٍ في تلك الفترة من تناقص الدخل النبطي، فبعد احتلال الرومان مصر، كانت التجارة تتم في كثيرٍ من الأحيان عن طريق البحارة، ومن ثم فقدت البتراء وغيرها من المدن النبطية سيطرتها على طرق البخور والمنطقة بشكلٍ عام.

وبعد ظهور مدينة تدمر السورية كمركزٍ للتجارة تم تحويل القوافل من المدن النبطية التي تراجعت بعد ذلك ثروتها وهيبتها، وبحلول وقت الفتح العربي في القرن السابع الميلادي، كانت المملكة النبطية قد اندثرت، وغادر الأنباط عاصمتهم في البتراء، ولا أحد يعرف السبب، ويبدو أن الانسحاب كان عمليةً سريعةً وغير منظمةٍ، حيث تم اكتشاف عددٍ قليلٍ جدًا من العملات الفضية أو الممتلكات القيمة في البتراء. §

في القرن التاسع عشر الميلادي، بدأ المستكشفون الأوروبيون في زيارة المنطقة، وتم اكتشاف مدن الأنباط، وجذبت الثقافة النبطية الانتباه عبر مدينة البتراء، وأُعلنت البتراء كموقع تراث عالمي في عام 1985م، وتم اختيارها كواحدةٍ من عجائب الدنيا السبع في عام 2007م. §