تغيرت الكثير من مفاهيمنا حول أنفسنا وحول الكون بعد ظهور نظرية التطور، التي زعمت أن جميع الأنواع انحدرت من أصلٍ مشترك بآلية الاصطفاء الطبيعي من خلال الطفرات العشوائية استجابةً لمتطلبات التكيف مع البيئة، وتحولت هذه الآلية إلى معتقد أساسي في عالم البيولوجيا رغم نقد نظرية التطور من قبل الكثير من الباحثين والعلماء.

نحو نقد نظرية التطور

أبدت دراسة أجرتها جامعتي هارفرد Harvard وروشيستر Rochester أول تحدٍ علمي جدي للنظرية الداروينية؛ عندما قام الباحثون بوضع بكتيريا معينة في وسط فقير بالمغذيات ولاحظوا قدرتها على اختيار الطفرات الصحيحة التي ستتيح لها اصطناع هذه المواد المغذية من تلقاء نفسها.

يحاجج الباحثون في هذه الدراسة أن الطفرات في التطور التكيّفي مع البيئة ليست عشوائية كما أشار لها “داروين”، بل تكون خطوات التطور مدروسة.

استخدمت بعض الفئات المنحازة للدين هذه الدراسة لبدء حجتهم في نقد نظرية التطور ومنهم الكاتب “ريتشارد ميلتون Richard Milton” الذي أصدر كتابًا بعنوان “كسر أساطير الداروينية Shattering the Myths of Darwinism” فسر به هذه الدراسة على أنها داعمة لإحدى نظريات “لامارك Lamarck” المستبعدة التي تنص أن الصفات المكتسبة قابلة للتوريث. كما استخدم عدة حجج أخرى مثل:1

  • عدم القدرة على التنبؤ بعمر الأرض الفعلي، وأن العلماء على خطأ في تقديرهم.
  • تطرق إلى موضوع “رجل Java” الذي يعتبر بحد ذاته مثيرًا للجدل حيث كان يشير له الفيزيائي “يوجين دوبوا Eugene Dubois” (العالم الذي اكتشف بقايا رجل Java) على أنه الحلقة الناقصة في نظرية التطور، ولكن استخدام “ميلتون” لبعض المصطلحات الخاطئة أشار إلى ضعف تعمقه في هذا الموضوع؛ كقوله أن بقايا “رجل Java” تُعتبر الآن تابعة لمخلوق ضخم منقرض شبيه بالقرد.
  • هاجم “ميلتون” نظرية التطور بإخفائها عدم احتمالية صحتها عن طريق تجزئة خطوة كبيرة إلى خطوات صغيرة (مثل خطوة تطور العين على سبيل المثال).
  • أشار أن مفهوم الاصطفاء الطبيعي يحمل نوعًا من تكرار المعنى، مثل:2
  1. من هم القادرين على التكيف مع البيئة؟ الأفراد القادرة على النجاة وإعطاء النسل الأكبر.
  2. من هم القادرين على النجاة وإعطاء النسل الأكبر؟ الأفرادة المتكيفون مع البيئة.

صحيح أن الحلقات المفرغة كهذه لا يمكن استخدامها كإثبات مستقل لشيء ما، ولكنها تتواجد مع الحقائق في الكثير من جوانب الحياة (مثل مفهوم الشحنة الكهربائية والحقل الكهربائي).

يرى البعض هذا الكتاب ذو قيمة عالية، والبعض الآخر يراه مليئًا بالأخطاء بسبب اعتماده على مهاجمة النظرية الداروينية بغية نقد نظرية التطور فقط دون تقديم بدائل منطقية أو حتى إثبات منطقي للحجج المستخدمة.

التصميم الذكي

بشكل عام نقد نظرية التطور كان على يد الفئة الأكثر معاداة لنظرية التطور، وهم المعتقدون بنظرية “التصميم الذكي Intelligent Design” التي تقترح لزوم وجود ذكاء أعلى عائد إلى خالق، وهي الطريقة الوحيدة لتفسير التعقيدات البيولوجية الموجودة، وبأن الطفرات – على عكس اقتراح “داروين” – ليست عشوائية. وتنطوي هذه النظرية على ثلاثة مناحٍ:

  • النظم المعقدة غير القابلة للتبسيط Irreducible Complexity

نظام موحد مكون من عدة أجزاء متفاعلة مع بعضها ومتصلة بطريقة تجعل من المستحيل إبقاء النظام وظيفيًا في حال خسارة أحدها. فمن الممكن أن تُنتج الطفرة العشوائية جزءًا جديدًا ،ولكن لا يمكن أن تُطور تفاعل أجزاء عدة لأداء وظيفة معينة.

  • النظم المعقدة المخصصة Specified Complexity

لتشكُّل أنماط النظام المتخصصة بالكائنات الحية، لا بد من وجود نوعًا من التوجيه لأصلها. لتوضيح الفكرة: عند وضع مئة قرد ومئة حاسب في غرفة، من الممكن إنتاج كلمات وحتى جمل، ولكن من المستحيل إنتاج مسرحية متكاملة.

  • مبدأ الأنتروبي Anthropic Principle

ينص هذا المبدأ أن الكون متناسق بشكلٍ دقيق ويمكن لأي تغيير بسيط أن يؤدي لانعدام وجود بعض الأنواع أو حتى جميعها. أي يتطلب وجود وتطور الحياة عددًا كبيرًا من المتغيرات على توافق تام بين بعضها لدرجة يستحيل الوصول لها من خلال أحداث عشوائية غير منظمة.

يزعم المعتقدون بهذه النظرية أنها مختلفة عن “النظرية الخلقية” التي تعتمد على سفر التكوين، وعلى الرغم من إيمان أغلبيتهم بأن الذكاء الأعلى والمصمم هو “الله” إلا أنهم يتركون هامش عدم تحديد ماهية الذكاء الأعلى بشكل مباشر، وذلك للتشجيع على اعتبار هذه النظرية علمية وليست دينية بقولهم أنه رغم توافقها مع “النظرية الخلقية” فإنها لا تأخذ موضعًا دينيًا.3

المراجع