رسائل من تحت الأرض للكاتب الروسي دوستويفسكي: أن يكون الإنسان مفتاح بيانو!

دوستويفسكي
محمد إبراهيم جاد الله
محمد إبراهيم جاد الله

6 د

دوستويفسكي الكاتب الروسي الذي وضع اسمه بين أسماء عمالقة الأدب العالمي، اشتهر بوصفه وتحليله للنفس البشرية، بمهارة لم نشهد مثلها إلا قليلًا استطاع دوستويفسكي أن يخترق خلجات النفس ويسبر أغوارها؛ وفي رواية “رسائل من تحت الأرض” لم يبتعد كثيرًا عن أسلوبه المعتاد لكنه قدم أسلوبه بشكل حداثي، بل يمكن اعتبار هذه الرواية عمل شبيه بالأعمال السينمائية الحديثة التي تعرض العلم بشكل سوداوي، وسأوضح هذه النقطة في المراجعة بالتفصيل.

فيودور دوستويفسكي

فيودور دوستويفسكي فيلسوف وروائي روسي، اشتهر بروايتيه "الجريمة والعقاب Crime and Punishment" و"الإخوة كارامازوف The Brothers Karamazov". تتناول أعماله الجانب النفسي والوجودي للنفس البشرية.
فيودور دوستويفسكي

كتابة الرسائل من تحت الأرض

رواية رسائل من تحت الأرض - دوستويفسكي

غلاف رواية رسائل من تحت الأرض للكاتب الروسي الشهر دوستويفسكي

تبدأ رواية رسائل من تحت الأرض برجل يعيش تحت الأرض، سئم الحياة وسئمت منه الحياة، لا يحب الناس ولا يطيقه أحد، رجلٌ متناقضٌ إلى أبعد الحدود، فيه الكثير من السلبيات، ومع ذلك يكرر دائمًا أنه يبحث عن الجمال، وربما تبدأ شخصيته هنا في الظهور وهي الشخصية المتناقضة بكل معنى الكلمة، يظهر عكس ما يبطن، يقرر أن يقوم بفعل معين ثم يذهب ليفعل عكسه، يفكر ويحلل ثم يقوم بشيء لا يفرضه عليه عقله وضميره.

ذو صلة

مثقف أدنى من الحشرة

مع المقدمة السلبية التي بدأ بها دوستويفسكي رواية رسائل من تحت الأرض، ومع الإشكالات المطروحة، يقدم الكاتب بطل روايته فجأةً على أنه إنسان مثقف، مثقف القرن التاسع عشر، وعلى الرغم من ثقافته وكثرة قراءته وبحثه، إلا أنه لا يعرف من هو، ويقول بشكل واضح أنه لم يستطع أن يكون حقودًا أو طيب القلب، لم يستطع أن يكون بطلًا أو حشرة، كل ما يفعله هو الجلوس في زاوية غرفته أسفل الأرض، جلوسًا مهينًا لا يعرف أحد وجوده، لكن يجد البطل عزاءً لهذا وهو أنه إنسانٌ ذكي جدًا، ووحده الأحمق من يستطيع أن يكون شيئًا.


وقتُ تعرية الحقيقة


“ترى ما الذي يستطيع أن يتحدث به الإنسان السوي ويحس بأعظم المتعة؟ الجواب: أن يتحدث عن نفسه”.

بعد أربعين عامًا يقرر هذا الرجل البائس والحزين كتابة مذكراته، يرى أن هذه هي الطريقة الوحيدة حتى يعرف كل شيء، يريد أن يعترف بعد هذا العمر الطويل أمام نفسه، لا يهمه العالم ولا يهتم أن يقرأ أحد مذكراته، وهنا يبدأ كاتب الرسائل بكتابة مواقف حدثت خلال حياته، بعضها استمر لدقائق لكن ظل بها لسنوات، أبسط المواقف التي تحدث في حياتنا وتمر بعد ذلك مرور الكرام، لا تمر مع هذا المثقف، بل يحملها معه فوق ظهره، وفي طقسًا أشبه بطقوس الاعتراف في الكنائس تبدأ رحلتنا.


أن تكون إنسانًا


الإنسان والآلة

“كل أعمال الإنسان تتألف في الحقيقة من شيء واحد فقط هو إثباته لنفسه في كل لحظة أنه إنسان وليس مفتاح بيانو”.

بعد فتح عالم البيولوجي تشارلز داروين باب التطور بدأت مركزية الإنسان في السقوط، وسرعان ما تطورت العلوم الكمية، وأصبحنا نعبر عن كل شيء بالأرقام، الطبيعة التي كانت تغضب وتفرح وتنتقم من الإنسان أصبحت مجرد أرقام وظواهر يتم رصدها والتنبؤ بها، هدأت الأرواح في العالم وصعدت الآلة والحتميات.

ينطلق دوستويفسكي من هذه النقطة بوصفها الجدار الصلب، وهذا الجدار هو قوانين الطبيعة، أرقام ومعادلات ستحاصر الإنسان، وبدلًا من انتظار المستقبل، والشعور بالألم والحزن، سيذهب الإنسان إلى العلماء ليعرف من بالمعادلات تفاصيل حياته، يحاول الكاتب نقد هذه النظرة المادية المحضة للوصول إلى ما يميز الإنسان عن الآلة، ما يميز أقاربنا عن البيانو والكراسي.


2+2=4

هكذا يرى المثقف أن حرية الإنسان في المستقبل مهددة بهذا الجدار الصلب الذي يجب أن نحاربه حتى نصل للإنسان، يغضب الكاتب من المسألة السابقة ويقول: “يا للسموات أيها السادة: أي شكل من أشكال حرية الإرادة يبقى حين يؤول الأمر إلى التنسيق والحصر والرياضيات”، قفزات علمية كبيرة لكنها قد تحولنا لأرقام ندرسها في المدارس.


الجزء الثاني

رواية رسائل من تحت الأرض مقسمة إلى جزئين الجزء الأول عن صفات الإنسان المتناقض المريض الذي يرفض الذهاب للأطباء بالرغم من احترامه للعلم، وعلى الرغم أيضًا من إيمانه بالخرافات؛ أما الجزء الثاني فيتحدث المثقف عن مواقف حقيقية حدثت معه في حياته الماضية، وتعتبر هذه المواقف هي السبب للاعترافات التي كتبها في الجزء الأول.

على عكس الكثير من الروايات لم يعرض دوستويفسكي القصة التي يكتبها ويحللها أثناء الكتابة، بل قام بالتحليل بشكل دقيق أولًا، ثم بدأ بقص القصص التي جعلته يحلل هذه التحليلات على الرغم من أن التحليل لم يتوقف في الجزء الثاني بشكل كامل، تدور القصص في الجزء الثاني حول زملائه القدامى أيام الدراسة وعن زيارته لهم بعد كبره وعن التفاصيل الغريبة التي تحدث معهم، كما يتحدث عن ليزا فتاة الهوى التي يحبها ويعذبها وينعتها بألفاظٍ وصفاتٍ تقتل الإنسان وروحه فيه، ويتحدث أيضًا عن مديره في العمل، وخادمه والمشاكل التي تحدث بسبب راتبه الشهري وتكبره.


كلنا هذا الشخص

لا يتمنى أي أحد بعد قراءة رواية رسائل من تحت الأرض أن يشارك بطلها أي صفة وذلك بسبب سوء هذا الرجل وسوء تصرفاته، لكن يخبرنا دوستويفسكي أيضًا أننا جميعًا هذا الرجل، هذا الرجل هو انعكاس للمجتمع الحديث، المجتمع الذي فقد صلته بالحياة الحقيقة، بل المجتمع الذي أصبح لا يعرف ما هي الحياة الحقيقية، ويختم الرجل كلامه بقول: “فالواقع إنني أبدو أكثر حياةً منكم”.


مميزات وعيوب الرواية

الرواية غير متوقعة من الكاتب وذلك حيث تتمتع ببعض التفاصيل التي تعتبر مشاكل معاصرة، فالحديث عن العلوم والجبرية الطبيعية وما هو الإنسان في وجود القوانين يشبه بشكل كبير حلقة في مسلسل “Black Mirror”؛ أسلوب الكتاب لم يكن ممتازًا، بل تعتبر الصياغة الأدبية والبلاغية عادية ومقبولة فقط، كثرة الاعترافات والضمائر والجمل القصيرة أدت لبعض التشويش، ولا أغالي إذا قلت إن بعض الصياغات كانت مزعجة أثناء القراءة.

نرشح لك قراءة: مسلسل Black Mirror وانعكاس الواقع المرير لحياتنا التي تبتلعها التقنية

لم تتعامل الشخصية مع بعض المشاكل بشكل جدي على سبيل المثال إذا كانت العلوم ستذهب بنا إلى ما وراء الإنسان الحالي فبالتأكيد لن نجد الحل بالوقوف ضد العلوم لأنها ببساطة تخبرنا حقيقة العالم؛ يمكننا معرفة الحقيقة العلمية ثم نتعامل مع هذه النتائج بنسق فلسفية تتناسب معنا فلا نفقد العلم أو الإنسانية، لكن يجب الإشارة أيضًا أنه قد أوضح أننا يجب أن نوافق على النتائج العلمية حتى يثبت لنا عكسها.

لم يذكر الكاتب اسمًا للبطل وهذه لافتة جيدة، لكن لا أعتقد أن هذا البطل يمكن أن يكون حقيقةً من الأساس، وذلك بسبب كثرة الصفات السيئة والمتناقضة بشكل كبير، ويمكن أن يكون دوستويفسكي قد ذهب لهذا الطريق حتى يثير حفيظة القارئ من هذه الصفات فلا يفعلها من كثرة تأففه منها، وهذا أسلوب أنطوان تشيخوف خصوصًا في قصة “البدين والنحيف” كان يكرر بعض الألفاظ حتى يلاحظ القارئ فعلًا معينًا فيبتعد عنه.


أسلوب الكاتب


دوستويفسكي - رسائل من تحت الأرض

يتميز الكاتب في رواية رسائل من تحت الأرض بأسلوب نادر لا يخلو من الغرابة، التناقضات الواضحة في الرواية لها وقع غريب خصوصًا عندما يعترف بها الراوي ويعرف أنه فعل هذه الأفعال وهو يعرف أسباب نقصها وسلبيتها، وعلى الرغم من الاعترافات والندم والأحداث القائمة نجد البطل لا ينتظر طويلًا حتى يلقي نكتة أو أمر مضحك، وأكثر الأحيان لا تثير هذه الأشياء الضحك لكنه يرفض أن يحذفها، على أي حال لن يقرأ هذه الأشياء أحدًا غيره، وبالطبع نلاحظ أسلوب دوستويفسكي الذي يقرأ شخصية البطل وكأنها كتابٌ مفتوح أمامه ينقل منه.

في النهاية تعتبر رواية رسائل من تحت الأرض جيدة للغاية وترشيح جيد للبدء في أعمال دوستويفسكي، لا تحتاج الرواية الكثير من المجهود لكنها تحتاج تركيزًا بسيطًا لربط التفاصيل جيدًا وفهمها، والجيد أيضًا أن الرواية قصيرة فتقع في 200 صفحة فقط بالمقدمة وهذه هي النسخة الصادرة عن المركز الثقافي العربي، كما تتوفر هذه الرواية بترجمة سامي الدروبي والذي يعتبر أفضل مترجم عربي للكاتب الروسي الشهير دوستويفسكي.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة

مسلسل The Last Of Us.. محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

مسلسل The Last Of Us

10 د

يقول الشاعر الأمريكي الشهير روبرت فروست في إحدى أشهر قصائده المعرفة باسم النار والجليد: "يقول البعض بأن العالم سينتهي بالنار، ويقول آخرون سينتهي بالجليد وممّا تذوّقته في حياتي من شهوات، فإنّني أتضامن مع أولئك الذين يؤيدون النار"

كتب فروست هذه القصيدة في محاولة منه للإجابة عن السؤال الذي حير البشرية منذ بدء الحضارة، كيف سينتهي هذا العالم؟ كثيرون أجابوا عن هذا السؤال عبر التاريخ، سواء بالشعوذة والتنبؤات أو عن طريق العلم والفلسفة، ولم يغفل الفن إجابة هذا السؤال المصيري، فالفن مرآة للعقل البشري، إنه تصوير مادي لمخاوفنا وأفكارنا، وعبر السنوات قدمت لنا السينما الكثير من النظريات الخاصة بنهاية العالم، زلزال مدمر كائنات فضائية أمراض مستعصية وحوش مفترسة، والكثير الكثير من السيناريوهات المحتملة لفنائنا المحتوم.

لكن السينما لم تعد وحيدة في عالم الفن، ففي السنوات الأخيرة اخترقت ألعاب الڤيديو هذا العالم، وأصبحت تمتلك إضافة إلى ميزات الرسم والمغامرة والمتعة، قصصًا مشوقة رائعة مميزة، لقد أصبحت ألعاب الڤيديو أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في زمن سوبر ماريو، وأصبحت أشبه بمغامرة حقيقية بقصة خاصة بها، وشخصيات تفاعلية يتحكم اللاعب بمصيرها حتى إن قصص بعض الألعاب ولروعتها دفعت المنتجين إلى اقتباس أفلام ومسلسلات منها لكنها لاقت فشلًا ذريعًا مثل فيلم Assassin's Creed المقتبس من اللعبة المحبوبة والذي كان خيبة أمل مؤلمة، أما في هذا المقال فسنقدم مراجعة لمسلسل مقتبس من لعبة ڤيديو شهيرة نجح في تحطيم الأرقام القياسية بعد عرض حلقتين فقط، هو مسلسل The last of us.


معلومات عن مسلسل The Last Of Us

فيديو يوتيوب
  • كتابة كريج مايزن، نيل دركمان
  • طاقم العمل بيدرو باسكال، بيلا رامزي، آنا تورف
  • عدد الحلقات 9 حلقات
  • تاريخ العرض 15 يناير/كانون الثاني 2023
  • التقييم على IMDb هو 9.4/10
  • التقييم على Rotten tometto هو 97%

مسلسل The Last Of Us: محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

تبدأ أحداث المسلسل بداية بطيئة بعض الشيء، حيث تبدأ الحلقة الأولى بمشهد يدور في الستينيات، نرى فيه مقابلة مع عالمين من علماء الڤيروسات وينبه أحدهما إلى خطر الفطريات، التي يمكن أن تسيطر على دماغ البشر دون رادع، الأمر الذي سيفسر ما سيطرأ من أحداث لاحقة.

تنتقل الأحداث إلى عام 2003 ونتعرف على جول وابنته سارة اللذين يعيشان حياة هادئة اعتيادية، وتدور الأحداث في هذه المرحلة من وجهة نظر سارة الغافلة عما يجري، لكن يتم التلميح للخطر في كل مشهد، سواء من خلال الأخبار التي تبث عبر المذياع، أو توتر صاحب محل الساعات الذي ذهبت إليه سارة لإصلاح ساعة أبيها. فجأة تستيقظ سارة على صوت انفجارات عالية، فتخرج من البيت لتعيد كلب الجيران الذي يبدو مرعوبًا للغاية، لكنها تصدم أن جارتها العجوز المقعدة، تحولت إلى نوع غريب من الوحوش، والتهمت كل سكان المنزل.

في أثناء محاولة سارة الهرب، يصل والدها إلى المنزل مع عمها تومي، ليحاولوا الهرب من المدينة التي تحولت إلى جحيم حقيقي، لكن سارة تقتل على يد أحد الجنود وتموت بين ذراعي أبيها. تقفز الأحداث عشرين عامًا، فنرى جول الذي أصبح حطام إنسان، يعيش في منطقة الحجر الصحي في بوسطن، ذلك أن الفطريات التي اكتسحت العالم منذ عشرين عامًا، غيرت وجه البشرية كلها، يدير هذه المنطقة الوكالة الفيدرالية للاستجابة للكوارث (فيدرا)، بأسلوب عسكري قمعي استبدادي، حيث يجبر الناس على العمل في مهن شاقة، كحرق الجثث وتنظيف المجاري، ليأخذوا بطاقات تموينية تعطيهم كفاف يومهم، لكن جول لا يكتفي بهذا، بل يعمل أيضًا كمهرب مع شريكته تيس، وعندما يفشل شقيقه تومي في الاتصال بهما من موقعه في وايومنغ، يحاولان شراء بطارية سيارة من تاجر محلي، ولكن بدلًا من ذلك يبيعها إلى اليراعات، وهم مجموعة متمردة تعارض فيدرا، ويتم تسميتهم بالإرهابيين.

في محاولة لاسترداد البطارية، يجد جول وتيس أن الصفقة قد انحرفت عن مسارها، وأن معظم محاربي اليراعات قد قتلوا، فتعقد مارلين زعيمة اليراعات الجريحة صفقة مع جول وتيس، وهي أن يصطحبا إيلي الصغيرة إلى ولاية ماساتشوستس عبر الولايات المدمرة المليئة بالفطريات القاتلة، مقابل الإمدادات التي ستساعدهما في الوصول إلى تومي، يحاول جول وتيس أن يعرفا حقيقة أهمية إيلي، لكن مارلين تلتزم الصمت

في أثناء هروبهم يتم القبض عليهم من قبل جندي خلال التسلل إلى الخارج، تطعنه إيلي عندما يختبرهم بحثًا عن العدوى، وعندما حاول الجندي إطلاق النار عليها يضربه جول حتى الموت، تدرك تيس أن إيلي مصابة، لكن إيلي تريهما أن الإصابة عمرها ثلاثة أيام، ومن المستحيل ألا تتحول خلال هذه الفترة أو تموت. لربما كانت بداية العمل باردة بعض الشيء، لكن الإثارة المتصاعدة والتوتر والدراما الرائعة طغت على كل شيء آخر، إضافة إلى دقة التفاصيل وربط الأحداث المتقن الذي جعل العمل يحطم الأرقام القياسية بعدد المشاهدات حلقة بعد حلقة، ومن الواضح أن أحداث العمل القادمة تبشر بالمزيد من الإثارة.


محبو اللعبة سيسعدون للغاية بالعمل، اقتباس بعيد عن التشويه وأمانة في نقل الصورة

إن اقتباس أي عمل كان، يحمل في ثناياه خطر تشويه الأصل، أو تقديم مادة لا تمت بصلة له، وهناك الكثير من الأعمال الشاهدة على خيبة أمل الجمهور بسبب سوء الاقتباس، لكن بالنسبة إلى مسلسل The last of us يمكننا القول إننا شهدنا أفضل اقتباس على الإطلاق، لقد بقي كتّاب العمل أوفياء لأساس القصة الخاصة باللعبة، ولم تشهد أي نوع من المبالغة الدرامية، أو التغيير المزعج، بل احترمت الكتابة روح اللعبة.

لكن هذا الكلام لا يعني إطلاقًا أننا سنشاهد نسخة كربونية من اللعبة، لقد أكد الكتّاب أن القصة ستنحرف قليلًا، وسيتم تغيير بعض الأشياء بما يناسب العرض التلفزيوني، ومما شاهدناه من العمل حتى الآن، يبدو أن الكتابة أضافت نظرة إبداعية، عمّقت القصة وأوضحت نقاطًا لم ترد في اللعبة، كما يمكن أن يلاحظ أي لاعب مخضرم، فقد ركز المسلسل على أساس وجود المرض، وشرح آلية عمله وطريقة انتقاله وتطوره المرعب، الذي جعله أسوأ ما أصاب البشرية منذ قرون، وقد ظهرت أمانة الاقتباس في بعض التفاصيل الصغيرة التي تميزت بها اللعبة، مثل ساعة جول المكسورة التي كانت آخر هدية من ابنته سارة، أو ملابس الشخصيات أو حتى بعض المشاهد التي تعتبر أسطورية في عالم اللعبة، ويمكننا القول إن وفاء صناع العمل للأصل، كان من أبرز أسباب نجاحه، فاللعبة التي حققت نجاحًا لافتًا وشعبية كبيرة، حققت هذا كله بفضل قصتها المميزة المؤثرة، والتي نجح المسلسل في تقديمها في أولى حلقاته، ومن الواضح أنه ينوي الاستمرار على هذا المنوال.


بداية مميزة تمهد للرعب القادم وأجواء تذكرنا بأجواء المسلسل الشهير The walking dead

كما قلنا سابقًا، بداية العمل كانت باردة بطيئة، حياة هادئة لأب وابنته في ضاحية هادئة في مدينة أوستن، تكساس تنقلب جحيمًا بين ليلة وضحاها، براعة التقديم كانت تصوير الأحداث من وجهة نظر سارة البريئة الغافلة عن كل ما يجري حولها، لكن التوتر كان متواريًا في الزوايا ينبئ بالخطر، كالأخبار في المذياع التي تنبئ بالكوراث، توتر أصحاب محل الساعات وإسراعهم في الإغلاق، توتر كلب الجيران، كل هذه الأشياء البسيطة كانت تمهد لما سيحدث لاحقًا، حتى إن بعض المشاهد حملت الطابع الديستيوبي المميز لمسلسل The walking dead الغني عن التعريف، لكن بدلًا من وجود ڤيروس غامض يحول البشر إلى زومبي، أصبح الخطر متركزًا في فطريات غريبة تتطفل على الجسد وتأكله من الداخل إلى الخارج، إضافة إلى المشهد الافتتاحي الذي عرض أحد العلماء يتنبأ بخطر الفطريات، كل هذه التفاصيل جعلت المشاهد متحفزًا يستشعر الكارثة في كل زاوية، كل هذه التفاصيل لم تكن موجودة في اللعبة، الأمر الذي أعطى القصة مدًا أوسع لتأسيس هذا العالم الضخم، وتمهيد الطريق للمشاهد الذي لم يعرف اللعبة سابقًا، كي يتفاعل مع الأحداث وهنا يطرأ سؤال مهم للغاية قد يطرحه أي متابع


هل يجب أن تكون لاعباً للعبة كي تفهم العمل؟

بداية يجب التنويه إلى أن عالم ألعاب الڤيديو عالم ساحر مستقل بحد ذاته، يحتاج شغفًا وحبًا لهذا العالم كي تستمتع به، وليس باستطاعة أي كان ممارسة لعبة ڤيديو معقدة تفاعلية كهذه اللعبة، والإجابة عن سؤالنا هذا أتت من اللاعبين أنفسهم، الذين أكدوا أنه لا ضرورة للعب اللعبة إطلاقًا، فعلى الرغم من وفاء العمل لأصله، إلا أنه قدم الكثير من التفاصيل والمشاهد التي ترفع الغموض عن الأحداث، بل حتى إن اللاعبين المخضرمين سيجدون العمل ممتعًا مشوقًا بفضل هذه الإضافات المتقنة.


تحفة درامية جديدة من صانع التحفة الدرامية Chernobyl

إن لم تكن قد شاهدت مسلسل تشيرنوبل الدرامي الرائع، فقد فاتك الكثير حقًا، لقد قدم هذا العمل خلال حلقاته القصيرة، قصة حقيقية مؤلمة زادها ألمًا عن حادثة انفجار مفاعل تشيرنوبل النووي، وما ألحقه من خسائر بشرية واقتصادية وسياسية، وحقق أرقام مشاهدات قياسية في زمن قصير. وها هو ذا كريغ مايزن كاتب مسلسل تشيرنوبل، يعود مجددًا واعدًا المشاهدين بتحفة أخرى تضاهي ما سلف، خاصة أنه معجب جدًا بقصة اللعبة، حيث صرح في إحدى المقابلات: "لا توجد لعبة أخرى أفضل من The Last of Us عندما يتعلق الأمر بالسرد القصصي، هذه أعظم قصة سُرِدت في ألعاب الفيديو على الإطلاق".

كما أن انضمام مخرج ومطور اللعبة نيل دراكمان إلى مايزن، كان إضافة ذكية أبقت القصة الخاصة بالمسلسل تحت أنظار المبتكر الأصلي، الأمر الذي سيبقي القصة ضمن إطار المادة الأصل دون تشويه وإفساد.


اختيار موفق لطاقم العمل

إن أهم عنصر في أي عمل هو طاقم التمثيل، فهم التجسيد المادي المرئي للشخصية المكتوبة، ومهما كانت الشخصية مميزة ومتقنة في كتابتها، فلو جسدها شخص غير كفؤ، فإن هذا سيودي بها إلى الفشل. بالنسبة إلى مسلسل The last of us كان اختيار الممثلين موفقًا للغاية، خاصة الشخصيات الرئيسية التي تتقاطع دروبها خلال سير الأحداث، فمن غير الرائع بيدرو باسكال يجعلنا نذرف الدموع دون أن ينطق كلمة واحدة.

بيدرو الذي أغرم به كل من شاهد مسلسل صراع العروش بشخصية الثعبان الأحمر أوبرين مارتيل، أثبت مجددًا أنه الرقم الصعب، وقدم شخصية جول العنيف المحطم الغارق في البؤس، بطريقة أقل ما يقال عنها إنها مبهرة، حيث نال إشادات واسعة عن أدائه في الحلقة الأولى، سواء من النقاد أو من اللاعبين الذين رأوا شبهًا رائعًا بينه وبين شخصية جول في اللعبة، خاصة مشهد مقتل ابنة جول سارة الذي كان صادمًا مؤثرًا، جعله أداء باسكال وباركر مدمرًا، حتى بالنسبة لمن لعب اللعبة ويعلم ما الذي سيحدث.

وإن كان باسكال رائعًا فإن بيلا رامزي كانت استثنائية، خطفت الأضواء منذ أول ظهور لها، بيلا التي عرفناها بشخصية ليانا مورمونت من لعبة العروش أيضًا، قدمت أداء متقنًا لشخصية صعبة، هي إيلي الفتاة الصغيرة التي يبدو أنها تحمل سر نجاة البشرية، كما أن التناغم والكيمياء الواضحة بينها وبين باسكال كان الأمر الأهم في العمل، فهاتان الشخصيتان هما أساس المسلسل وهذا التناغم بينهما أفاد العمل وزاد من روعته.


زوايا تصوير مميزة وموسيقى أسطورية ملائمة للعمل

الانسجام والتناغم كان عنوان أسلوب التصوير في العمل، فزوايا الكاميرا الموضوعة في أماكن مدروسة، جعلت المشاهد يشعر أنه دخل إلى المسلسل، خاصة مشهد هروب جول مع أخيه وابنته، ولم تكن الألوان المستخدمة أقل شأنًا، فقد كانت كالحة باردة، وضعت المشاهد في الجو المطلوب، جو نهاية العالم وحياة ما بعد الكارثة، كذلك المؤثرات الخاصة بأشكال الزومبي أو المتحولين التي لاقت كثيرًا من الثناء، حيث مزجت بين الدقة والرعب المميزين، إضافة بالطبع إلى اختيار أماكن مهجورة عفنة، كل هذه التفاصيل الدقيقة أضافت المزيد من الرونق إلى العمل، ولا يمكن إهمال دور الموسيقى التي كانت رائعة مثالية، سواء في المقدمة التي أبدعها غوستافو سانتوللا أو موسيقى التصوير المبهرة التي كانت ملائمة للغاية للأحداث وللعمل ككل.


عمل حطم الأرقام القياسية على أكثر من صعيد

أقل ما يمكن القول عن مسلسل The last of us إنه عمل أسطوري، ليس فقط على صعيد القصة والشخصيات والتصوير، بل أيضًا بأرقام المشاهدات الخيالية، حيث حققت الحلقة الأولى 4.7 ملايين مشاهدة أما الحلقة الثانية فقد رفعت نسبة المشاهدة إلى مستوى خيالي بلغ 22% عن الحلقة الأولى، أما تقييمات الحلقات فلم تكن أقل إبهارًا حيث حققت الحلقة الأولى تقييم 9.2/10 أما الحلقة الثانية فحققت 9.4/10 على موقع IMDb الشهير، يبدو أن الجميع معجب بـ The last of us


غوغل أيضاً معجب بالمسلسل

حركة طريفة يقدمها غوغل لمحبي المسلسل عندما تكتب في محرك البحث الشهير The last of us سيُظهر لك غوغل صورة فطر ما إن تضغطه حتى تمتلئ شاشة حاسوبك أو هاتفك بالفطريات الموجودة في المسلسل، لا يمكن إنكار ذكاء الفكرة يبدو أن غوغل أعجبه العمل كذلك.

على الرغم من عرض حلقتين فقط إلا أنه من الواضح أننا أمام مسلسل عظيم، سينضم إلى قائمة أفضل المسلسلات كقصة وأداء تمثيلي، ويبدو أن القادم من الحلقات سيحمل المزيد من الإبداع والإثارة والصدمات.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.