Ai Everything

من الخوف إلى الفرصة: هل يسرق الذكاء الاصطناعي الوظائف… أم يعيد تشكيل مستقبل العمل؟

عبد الرحمن عمرو
عبد الرحمن عمرو

6 د

لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي رفاهية أو نقاشًا نظريًا حول المستقبل. نحن نعيش هذا التحول بالفعل، داخل الشركات، وفي طريقة اتخاذ القرار، وإدارة الفرق، وتقييم الأداء، وحتى في شكل الوظائف نفسها. وما كان يُنظر إليه قبل سنوات كأداة تقنية مساعدة، أصبح اليوم عنصرًا حاضرًا في صميم استراتيجيات النمو والمنافسة.

ومع هذا التحول السريع، يظهر السؤال الأكثر حساسية: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي مكان الإنسان في العمل؟
الإجابة ليست بهذه البساطة. فالمشهد لا يبدو وكأنه صراع مباشر بين الإنسان والآلة، بقدر ما هو إعادة ترتيب عميقة لطبيعة العمل، والمهارات المطلوبة، وطريقة خلق القيمة داخل المؤسسات.

في هذا الإطار، تنظر مجموعة بروكابيتا للاستشارات وشركة زينيثر Zenithr (ذراعها التقني)  إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره ضرورة استراتيجية، لا مجرد موجة تقنية عابرة. فهدفها الأساسي هو مساعدة الشركات على اتخاذ قرارات أفضل في إدارة المواهب، بدءًا من استقطاب الكفاءات وتقييمها، مرورًا بتطويرها، وصولًا إلى تحسين الأداء وتجربة الموظفين.

وخلال حديثنا مع السيد محمد أبو الرُّب، الرئيس التنفيذي لمجموعة بروكابيتا ومؤسس شركة زينيثر، أوضح أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة قادرة على تسريع التحول داخل إدارات الموارد البشرية، بشرط أن يُستخدم بوعي وارتباط حقيقي باحتياجات العمل. ومن هنا جاءت منصة زينيثر، المدعومة بوكلاء ذكاء اصطناعي متخصصين، لمساعدة الشركات على إدارة المواهب بصورة أكثر دقة وذكاءً.


هل يُعد الذكاء الاصطناعي تهديدًا حقيقيًا لسوق العمل؟

يرى محمد أبو الرُّب أن النظرة إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره تهديدًا مباشرًا للوظائف تحمل قدرًا كبيرًا من التبسيط. فالتقنية لا تلغي الوظائف بالضرورة، لكنها تغيّر شكلها وطبيعتها.

يقول:
“أنا لا أرى أن الذكاء الاصطناعي يسرق الوظائف بالمعنى التقليدي. ما يحدث فعليًا هو أن بعض المهام تتغير، وبعض الأدوار تتطور، وفي المقابل تظهر وظائف جديدة لم تكن موجودة من قبل.”

الفكرة هنا أن الذكاء الاصطناعي يتعامل بكفاءة عالية مع المهام المتكررة أو المعتمدة على تحليل كميات ضخمة من البيانات، لكنه في الوقت نفسه يفتح مساحة أكبر للإنسان للتركيز على ما لا تستطيع الآلة تقديمه بسهولة: التفكير الاستراتيجي، الفهم العميق للسياق، التواصل، القيادة، الإبداع، والذكاء العاطفي.

الشركات التي تتبنى الذكاء الاصطناعي بالشكل الصحيح لا تصبح أقل احتياجًا إلى البشر، بل تصبح أكثر احتياجًا إلى نوع مختلف من الكفاءات. كفاءات قادرة على فهم التقنية، توظيفها، وتوجيهها لخدمة أهداف العمل.

ومن الأمثلة اللافتة على ذلك تجربة IKEA، التي استخدمت الذكاء الاصطناعي في التعامل مع آلاف المهام المرتبطة بخدمة العملاء والعمليات المتكررة. لكنها لم تتعامل مع الأمر كفرصة للاستغناء عن الموظفين، بل أعادت تأهيل عدد كبير منهم للعمل في مجالات أعلى قيمة، مثل التصميم الداخلي، الاستشارات، وخدمة العملاء المتخصصة.

هذه التجربة تعكس جوهر التحول: الذكاء الاصطناعي لا يلغي الإنسان، بل يدفعه إلى مساحة أكثر تقدمًا إذا وُجدت الرؤية الصحيحة والاستثمار الحقيقي في تطوير المهارات.

ولهذا، فإن التحدي الأكبر لم يعد فقط في توفر الوظائف، بل في جاهزية الأفراد للتعلم المستمر. من يستخدم الذكاء الاصطناعي لزيادة إنتاجيته وتعميق أثره سيصبح أكثر قيمة في سوق العمل، أما من يصر على العمل بالأساليب القديمة نفسها، فسيجد نفسه أمام منافسة أصعب مع الوقت.


لماذا تنجح بعض مبادرات الذكاء الاصطناعي بينما تفشل أخرى؟

رغم الحماس الكبير حول الذكاء الاصطناعي، لا تحقق كل المبادرات النتائج التي تتوقعها الشركات. والسبب، كما يوضح أبو الرُّب، أن كثيرًا من المؤسسات تبدأ من الأداة لا من المشكلة.

بمعنى آخر، قد تشتري الشركة منصة ذكاء اصطناعي أو تطلق مشروعًا داخليًا لأنها تريد أن تبدو مواكبة للتطور، لكنها لا تسأل السؤال الأهم: ما المشكلة التي نريد حلها؟ وما القيمة التي نتوقع تحقيقها؟

يرى أبو الرُّب أن نجاح الذكاء الاصطناعي داخل الشركات يحتاج إلى ثلاثة محاور أساسية.

الأول هو أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة لحل مشكلة حقيقية. قد تكون المشكلة بطء اتخاذ القرار، أو ارتفاع تكلفة العمليات، أو ضعف تجربة العملاء، أو صعوبة تقييم المواهب بدقة. المهم أن يبدأ المشروع من احتياج واضح، لا من رغبة عامة في استخدام التقنية.

المحور الثاني هو أن يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي كوسيلة لخلق إمكانيات جديدة، لا فقط لتحسين ما هو قائم. فالقيمة الحقيقية لا تقتصر على جعل العمليات أسرع، بل تمتد إلى تمكين الشركات من رؤية أنماط لم تكن واضحة، التنبؤ بالاحتياجات المستقبلية، تخصيص التجارب، وبناء نماذج عمل جديدة.

أما المحور الثالث، وهو غالبًا ما يتم تجاهله، فهو جاهزية الشركة نفسها. فحتى أفضل أدوات الذكاء الاصطناعي لن تحقق أثرًا حقيقيًا إذا كانت البيانات غير منظمة، أو الثقافة الداخلية مقاومة للتغيير، أو الموظفون غير مستعدين للتعامل مع التقنية.

لذلك، يصبح تقييم جاهزية الذكاء الاصطناعي خطوة أساسية قبل التبني الواسع. هذا التقييم يساعد الشركة على فهم موقعها الحالي: هل تمتلك البنية التقنية المناسبة؟ هل بياناتها قابلة للاستخدام؟ هل لدى فرقها المهارات المطلوبة؟ وهل توجد قيادة قادرة على إدارة هذا التحول؟

من دون هذه الأسئلة، قد يتحول الذكاء الاصطناعي إلى مشروع مكلف بلا نتائج واضحة. أما عندما يُبنى على مشكلة محددة، وفرصة واضحة، وجاهزية حقيقية، فإنه يصبح أداة فعّالة للنمو والتطوير.


كيف تعيد الشركات تعريف مهاراتها وثقافتها في ظل شراكة الإنسان والذكاء الاصطناعي؟

مستقبل العمل، في رأي أبو الرُّب، لن يقوم على استبدال الإنسان بالذكاء الاصطناعي، بل على بناء علاقة عمل جديدة بينهما. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يرفع الكفاءة ويختصر الوقت، لكنه يحتاج إلى الإنسان ليمنحه الاتجاه والمعنى والحكم السليم.

الشركات الأكثر نضجًا لم تعد تسأل: كم وظيفة يمكن أن نستبدلها؟
بل أصبحت تسأل: كيف نجعل موظفينا أكثر قدرة على الإنتاج، التحليل، والابتكار باستخدام الذكاء الاصطناعي؟

وتُعد Microsoft من الأمثلة الواضحة على هذا التوجه، من خلال تركيزها على مفهوم الموظف المعزز بالذكاء الاصطناعي. الفكرة هنا ليست أن تعمل الأدوات بدل الإنسان، بل أن تمنحه قدرة أكبر على إنجاز مهامه بسرعة ودقة، وتحرره من المهام الأقل قيمة حتى يركز على ما هو أكثر تأثيرًا.

هذا التحول يفرض على الشركات إعادة النظر في ثقافتها الداخلية. لم يعد كافيًا أن توفر أدوات جديدة للموظفين، بل يجب أن تخلق بيئة تشجع التجربة، التعلم، وطرح الأسئلة. فالذكاء الاصطناعي لا ينجح في ثقافة تخاف من الخطأ أو تقاوم التغيير.

كما أن المهارات المطلوبة ستتغير. الخبرة وحدها لن تكون كافية، وكذلك الإمكانيات المالية وحدها لن تضمن التفوق. الأفضلية ستكون لمن يتعلم بسرعة، ويتكيف بسرعة، ويعرف كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي لتعزيز قدراته لا لمنافسته.

ومن هنا، تزداد قيمة المهارات الإنسانية: القيادة، التفكير النقدي، التواصل، الإبداع، وفهم السياق. هذه المهارات لن تصبح أقل أهمية مع الذكاء الاصطناعي، بل العكس تمامًا؛ ستصبح هي الفارق الحقيقي بين استخدام التقنية بشكل عادي واستخدامها لصناعة أثر ملموس.


ما النصيحة الأهم للأفراد والشركات في تبني الذكاء الاصطناعي؟

ينصح أبو الرُّب الشركات بعدم التعامل مع الذكاء الاصطناعي كسباق سريع نحو الأدوات الأحدث. فالتبني الناجح لا يبدأ من سؤال: ما الأداة التي يجب أن نستخدمها؟ بل يبدأ من سؤال: ما الهدف الذي نريد تحقيقه؟

على الشركات أن تربط أي استثمار في الذكاء الاصطناعي بالعائد المتوقع منه، سواء كان ذلك في تحسين الكفاءة، خفض التكاليف، رفع جودة القرارات، تحسين تجربة الموظفين، أو خلق فرص نمو جديدة.

لكن الأهم من الأدوات هو الاستثمار في البشر. فالتعلم والتطوير لم يعودا نشاطًا جانبيًا داخل المؤسسات، بل أصبحا جزءًا أساسيًا من قدرتها على البقاء والمنافسة. الشركات التي ستنجح هي التي تبني قدراتها الداخلية، وتساعد فرقها على فهم الذكاء الاصطناعي واستخدامه بثقة ووعي.

أما على مستوى الأفراد، فالمعادلة أصبحت واضحة: التعلم المستمر لم يعد خيارًا. كل شخص، مهما كان مجاله، يحتاج إلى فهم كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يغير عمله، وما المهارات التي يجب أن يطورها ليظل حاضرًا ومؤثرًا.

المستقبل لن يكون لمن يرفض الذكاء الاصطناعي خوفًا منه، ولا لمن يستخدمه بشكل سطحي فقط لأنه متاح. المستقبل سيكون لمن يفهمه، يتعلم معه، ويعرف كيف يوظفه لخلق قيمة حقيقية.

في النهاية، لا يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسرق الوظائف بقدر ما يكشف الفجوة بين من يستعد للتغيير ومن ينتظره حتى يفرض نفسه. وبين هذين النموذجين، ستُعاد صياغة مستقبل العمل.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.