إرتوغ آيِك: منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ستُشكّل مستقبل العمل بوتيرة أسرع.
5 د
على مدى سنوات، وعدت تقنيات المؤسسات بإنتاجية “سلسة”، لكن الواقع كثيرًا ما سار بالعكس: أدوات أكثر، لوحات متابعة أكثر، وتدفقات عمل متقطعة. في هذا الحوار، يشرح إرتوغ آيِك لماذا ترى HP أن جوهر المشكلة ليس نقص التكنولوجيا داخل الشركات، بل عدم ترابطها كمنظومة واحدة — وهو المنطق الذي تقف عليه HP IQ، “طبقة ذكاء” تربط الأجهزة وسير العمل وتجربة الموظف بدل أن تكون منتجًا منفصلًا.
ما يجعل الحديث مهمًا الآن أن بيانات HP نفسها تشير إلى توتر متزايد في علاقة الناس بالعمل: 20% فقط من العاملين المعرفيين عالميًا يصفون علاقتهم بالعمل بأنها “صحية”، و62% يقولون إن التوقعات ارتفعت خلال العام الماضي. من هنا يأتي رهان آيِك: التقدّم الحقيقي سيكون في تقليل الاحتكاك اليومي، لا في إضافة مزايا جديدة لمجرد الإضافة.
إرتوغ آيِك، نائب الرئيس والمدير العام لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا (Middle East & Africa) في HP. يركّز عمله على تقنيات بيئة العمل، والتحول في أساليب العمل الهجين، وبناء شراكات وتنفيذ إستراتيجيات تشغيل محلية في أسواق المنطقة.
طبقة الذكاء بدل المنتج المنفصل
كثير من تقنيات الشركات تعد بتبسيط العمل ثم تنتهي بتعقيده. ما المشكلة الأساسية التي ترونها اليوم؟
المشكلة في رأيي ليست أن المؤسسات تفتقر للتكنولوجيا. غالبًا لديها كل شيء. المشكلة أن ما لديها لا يعمل ككلٍّ متماسك. الموظف ينتقل طوال اليوم بين اجتماعات وأجهزة وتطبيقات ومساحات عمل مختلفة، وهذه الانتقالات نفسها تخلق احتكاكًا مستمرًا. نحن نريد للتكنولوجيا أن تصبح أكثر تكيّفًا واتصالًا، وأقل ظهورًا… بمعنى أن تدعم العمل دون أن تُشعر الناس أنهم يديرون أنظمة منفصلة طوال الوقت.
أين يأتي HP IQ في هذه الصورة؟ هل هو منتج جديد أم شيء آخر؟ نحن نراه طبقة ذكاء متصلة أكثر من كونه منتجًا قائمًا بذاته. الفكرة هي تقليل التجزئة بين الأنظمة التي يعتمد عليها الناس أصلًا. بدل أن نضيف أداة فوق أدواتهم، نحاول وصل الأجهزة وسير العمل وتجربة بيئة العمل بطريقة تخفّف الانقطاع المتكرر بين كل خطوة والأخرى.
حين تصبح “علاقة الناس بالعمل” هي المؤشر
لديكم بيانات عن شعور الموظفين تجاه العمل. ما الذي لفتك فيها؟
النتائج كانت واضحة وصادمة في الوقت نفسه. مؤشر Work Relationship Index لدى HP يقول إن 20% فقط من العاملين المعرفيين عالميًا لديهم “علاقة صحية” مع العمل، و62% يعتقدون أن توقعات العمل زادت في العام الماضي. قراءتي لها ليست أنها مشكلة إنتاجية بحتة. هي مشكلة تجربة. الناس لا تعاني لأنها لا تريد أن تعمل بجدّ. هي تعاني لأن العمل صار أكثر تجزئة، أكثر انفصالًا، وأصعب في التنقل داخله يوميًا.
وكيف يغيّر ذلك طريقة تصميم التكنولوجيا داخل المؤسسة؟
إذا اعتبرتها مشكلة تجربة، فتصميم التكنولوجيا يتغيّر. الهدف لا يكون إضافة قدرات لمجرد الإضافة، بل إزالة الاحتكاك غير الضروري. لذلك نربط توجهات مثل AI PCs، وأنظمة التعاون، ونُظم الأجهزة، ومنصات إدارة القوى العاملة حول فرضية واحدة: أن نجعل العمل يبدو أبسط بدل أن يزيد ثقلًا.
أين يجب أن يعيش الذكاء: السحابة أم الجهاز؟
هناك من يختصر النقاش إلى “سحابة أو على الجهاز”. كيف تنظرون لهذا الجدل؟
أراه تبسيطًا مخلًا. ليس الأمر أيديولوجيًا. هو عملي. بعض الأحمال تحتاج السحابة لأنها تتطلب نطاقًا واسعًا وقدرة معالجة كبيرة. وأخرى تستفيد من التنفيذ المحلي لأن السرعة والخصوصية والاستجابة والتخصيص تصبح أهم. هذا يقود إلى مستقبل هجين أكثر مما توحي به السرديات السائدة.
ما الذي يدفع الذكاء ليقترب أكثر من المستخدم؟
السلوك والتوقعات. الناس باتت تتوقع من التكنولوجيا أن تستجيب بشكل طبيعي وسريع وبأقل تعطيل ممكن. هذا يجعل “الذكاء المحلي” أكثر أهمية، ليس لأن السحابة فقدت قيمتها، بل لأن المستخدم صار أقل تسامحًا مع الاحتكاك. في النهاية: AI تصبح أكثر شخصية.
حين تتحول الاحتكاكات الصغيرة إلى “سحب إنتاجية”
كثيرون يقولون إن جدوى العمل الهجين حُسمت. أين التحدي اليوم إذن؟
أتفق أن النقاش حول “هل العمل عن بعد ممكن؟” أصبح أقل أهمية. التحدي الحقيقي: هل الأدوات تجعل العمل الهجين يبدو سلسًا فعلًا؟ التعقيد هو العدو هنا. الانتقال بين المكتب المنزلي وغرف الاجتماعات والأجهزة وبيئات التعاون يخلق مئات الانقطاعات الصغيرة خلال الأسبوع. كل واحد منها بسيط وحده، لكن مجموعها يصبح سحبًا على الإنتاجية.
سكيف تحاولون التعامل مع هذا النوع من الاحتكاك “غير المرئي”؟
HP IQ تراهن على أن منظومات أجهزة متصلة يمكن أن تزيل جزءًا من تلك الانقطاعات. مثل ميزات المشاركة بحسب القرب (proximity-based sharing) وتسهيل الوصول للاجتماعات. لكنها ليست قصة “راحة” فقط. العمل الهجين يحتاج أيضًا أمنًا، وإشرافًا، وقابلية إدارة على مستوى المؤسسة. التحدي هو تحقيق توازن بين سلاسة الموظف وبين تحكم المؤسسة.
لماذا تتحرك MENA أسرع مما يتوقع البعض؟
قلت إن MENA يمكن أن تشكل مستقبل العمل بوتيرة أسرع. ما الذي يجعلك واثقًا؟
لا أتحدث فقط عن ارتفاع الاستثمار. ما أراه هو استعداد أكبر لإعادة التفكير في افتراضات قديمة بسرعة مقارنة ببعض الأسواق الأكثر نضجًا. واعتماد التكنولوجيا لا يتحدد بتوفر المنتج وحده. الاستعداد المؤسسي لإعادة تصميم سير العمل غالبًا أهم بكثير. في المنطقة، يبدو أن هذا الاستعداد موجودًا في القطاعين العام والخاص، خصوصًا في ملفات الذكاء الاصطناعي وتحول بيئة العمل ونماذج التشغيل المتصلة.
وكيف ينعكس ذلك على طريقة HP في العمل إقليميًا؟
تركيزنا ليس “قالبًا واحدًا للجميع”. نعتمد على التنفيذ المحلي والتفاعل الخاص بكل سوق: شراكات محلية، تطوير مهارات، حضور داخل البلد، وأساليب نشر (deployment) تناسب احتياجات كل سوق. في جوهرها، الفرصة هنا ثقافية بقدر ما هي تقنية: الطموح يصنع سرعة تبنٍ.
تردد القادة… ليس تقنيًا فقط
إذا كان هناك مديرون مترددون تجاه AI، ماذا تقول لهم؟
أبدأ من العقلية لا من التنفيذ. اقتربوا بفضول. بدّلوا النقاش من سرديات “التعطيل” الضخمة إلى تجارب عملية. أنا لا أرى AI كبديل عن الحكم البشري. بالعكس: الإبداع، التعاطف، القيادة، واتخاذ القرار مسؤوليات بشرية. دور AI في هذا السياق أوضح وأضيق لكنه مفيد: تقليل الأعمال المتكررة، تحسين الوصول للمعلومات، وتخفيف عبء التعاون اليومي. النصيحة بسيطة: ابدأوا بتطبيقات عملية، وادعموا الموظفين خلال التبنّي، وابنوا الثقة تدريجيًا.
حين يصبح الفوز في “الهدوء”
سما الرهان الأكبر لدى HP في المرحلة المقبلة؟
أن مستقبل تقنيات بيئة العمل هو تكامل أفضل. الموظفون لا يريدون إدارة أنظمة منفصلة طوال اليوم. يريدون أن يتحرك العمل بسلاسة بين البيئات، وأن تتراجع التكنولوجيا إلى الخلفية. ربما المنافسة لم تعد حول من يضيف مزايا أكثر. قد تصبح حول من يزيل الاحتكاك بفاعلية لدرجة أن البنية التحتية تكاد لا تُرى. إذا صح ذلك، فالفائزون لن يكونوا من يبنون أعلى تجارب AI صوتًا… بل أكثرها هدوءًا.
عبَّر عن رأيك
إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.
LEAP26