بينو أخطر مما تظن… كويكب مميت يحمل غباراً أقدم من الشمس!

4 د
يحمل كويكب بينو غبار نجمي أقدم من النظام الشمسي ذاته.
أظهرت الدراسات أن بينو يحتوي على مواد عضوية وجليد من الفضاء بين النجوم.
العلماء يدرسون مكونات بينو لفهم تاريخ النظام الشمسي والفضاء السحيق.
يعكس بينو تأثراً بانفجارات نجمية وعواصف كونية عبر الزمن.
تظهر اكتشافات بينو روابط بين تركيب الكويكب وأصل المياه على الأرض.
في مفاجأة علمية مذهلة، أظهرت أحدث الدراسات أن الكويكب القريب من الأرض "بينو" يحمل بين طياته غبار نجمي أقدم من النظام الشمسي نفسه، بالإضافة إلى آثار لمواد عضوية وجليد من الفضاء بين النجوم. هذه الاكتشافات جاءت بعد فحص عينات جلبتها مركبة "أوزيريس ركس" التابعة لوكالة ناسا إلى كوكب الأرض في عام 2023، لتفتح نافذة جديدة على أسرار نشأة الكون والمواد التي شكلت عالمنا.
تضعنا هذه النتائج في قلب لحظة استثنائية في علم الفلك، حيث يجتهد الباحثون لفك شيفرة أقدم المواد التي مرت عبر تاريخ النظام الشمسي والفضاء بين النجوم. فبعد الهبوط الناجح لمسبار "أوزيريس ركس" على سطح بينو وجمع عينات ترابية منه عام 2020، بدأت فرق علمية من كل أرجاء العالم في معاينة ودراسة مكوناتها بمختبرات متقدمة. تَبيَن للعلماء أن ما يحمله بينو يمتد عمره لمليارات السنين، أي إلى ما قبل ولادة الشمس والكواكب، كاشفًا النقاب عن ظروف موغلة في القدم شكلت اللبنات الأولى لوطننا الكوني.
بينو... شاهد على انفجارات وعواصف كونية
الإبحار في تفاصيل تكوين بينو يكشف حكاية كويكب مرّ بتحولات درامية. ووفق دراسة حديثة نُشرت في مجلة "نيتشر أسترونومي"، وجد العلماء أدلة قاطعة على أن أصل بينو يعود إلى جرم سماوي أكبر بكثير تعرض لتصادم عنيف ضمن منطقة تقع أغلب الظن خلف كوكبي المشتري وزحل. واحتوى ذلك الجسم الأم على مواد جُمعت من بيئات متباينة؛ بعضها قريب من الشمس وبعضها الآخر جاء من أعماق الفضاء بين النجمي، مثل غبار ناتج عن انفجارات نجمية سحيقة. باستخدام تحليل النظائر الكيميائية (وهي أشكال مختلفة من العناصر)، استطاع العلماء تمييز ماهية الأجزاء التي تعود للنظام الشمسي والأخرى التي تحمل بصمة الفضاء بين الكواكب.
وما إن تحطم ذلك الجسم الأساس حتى التقطت شظاياه في رحلة متجددة عبر الزمن، لتعزز فكرة أن بينو يمثل فسيفساء من آثار الحقب الكونية الأولى ومخاضاتها القاسية. ومع فهم هذه الرحلة العنيفة، يبدأ الباحثون في الربط بينها وبين التحولات الكبرى التي عصفت بمنطقة الولادة الأولى للنظام الشمسي.
الماء والمعادن: كيمياء التكوين السري
من هذه الحكاية الكونية تتفرع تفاصيل أعقد تكشفها دراسة ثانية نُشرت في مجلة "نيتشر جيوساينس"، والتي قارنت مواد بينو بمعادن نيازك أولية والكويكب الياباني الأصل "ريوغو". خلص الباحثون إلى أن جسم بينو الأصلي تراكم من جليد وغبار وفير من أطراف النظام الشمسي، ومع مرور الزمن وارتفاع درجات الحرارة، بدأ الجليد يذوب وتفاعلت المياه مع المعادن لتكون أكثر من 80% من عينة بينو مواد غنية بالماء. هذا يشير إلى أن لهذا الكويكب قدرة استثنائية على حفظ أسرار المياه البدائية التي قد تتشابه مع تلك التي وُجِدت على الأرض في بدايات تشكلها.
ومن هنا نلمس كيف أن بينو لا يحمل فقط رسائل عن انفجارات نجمية قديمة، بل إنه دليل ملموس على كيفية انتقال الجليد والماء في النظام الشمسي، مما يربط بين تركيب الكويكب وأصل المحيطات على كوكبنا الأزرق.
آثار اصطدامات ورياح شمسية... وتذكير بأصول الحياة
ولا تتوقف الروابط الكونية عند ذلك الحد، إذ يكشف البحث الثالث المنشور في المجال ذاته عن أدلة واضحة على تعرض بينو لمئات الاصطدامات مع نيازك صغيرة، محدثة حفرًا بالغة الصغر وآثار مواد منصهرة بفعل قوة التصادم. كما رصد العلماء تأثيرات الرياح الشمسية، تلك الجسيمات التي يقذفها نجمنا باستمرار نحو الفضاء، تاركة بصمتها على سطح الكويكب. ما يلفت النظر أيضُا هو التسارع اللافت في عمليات التجوية والتغيير التي يخضع لها بينو مقارنة بمعرفتنا التقليدية عن "شيخوخة" الأسطح الفضائية، الأمر الذي يساعد الباحثين على مراجعة فهمهم حول الحمض النووي للحياة وعلاقته بهذه الأجسام الصغيرة.
كل هذه المكتشفات تندرج تحت مظلة أسئلة أكبر حول نشأة الحياة في الأرض. فبينو، كما وصفه العلماء، ليس إلا "كبسولة زمنية" تعيد تشكيل تصوراتنا عن أصل النظام الشمسي وربما احتمالية تشكل بذور الحياة الأولية نفسها.
في النهاية، تتضافر حكاية بينو مع رحلات استكشافية أوسع مثل دراسة الكويكب ريوغو والبحث عن نيازك غنية بالكربون والماء، لتؤكّد أن دراسة هذه الأجسام الصغيرة تمنحنا نافذة ذهبية على الماضي السحيق للكون، وتدفعنا الحماسة لمتابعة القادم من أسرار علم الفلك والكيمياء الكونية. مع كل اكتشاف جديد، نتلمس خيوط الحكاية الكبرى لبداية الكواكب والحياة ذاتها، لتظل الكويكبات والشهب سفراء أصيلين لذاكرة الكون العتيق.
عبَّر عن رأيك
إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.