ذكاء اصطناعي

“تأكلك حيًا”: أول إصابة بشرية مؤكدة في أمريكا بدودة “آكلة اللحم”

ملاذ المدني
ملاذ المدني

4 د

أعلنت السلطات الأمريكية عن أول حالة إصابة بشرية بطفيلي «الدودة الحلزونية».

ينتقل هذا الطفيلي عن طريق ذبابة تضع بيضها في جروح البشر أو الحيوانات.

السلطات الزراعية وضعت خطط طوارئ لتفادي انتشار الطفيلي مستقبلاً.

الأمريكية أقامت منشأة ضخمة لإنتاج الذباب المعقم بهدف القضاء على الطفيليات.

التهديدات الصحية تتطلب استنفاراً دائماً وابتكاراً مستمراً لمواجهتها.

تخيل أن ذبابة واحدة قادرة على إثارة ذعر واسع في أوساط الصحة والزراعة الأمريكية. فقد أعلنت السلطات عن تسجيل أول حالة إصابة بشرية بطفيلي «الدودة الحلزونية» في الولايات المتحدة، وذلك بعد عودة المصاب من رحلة إلى السلفادور. هذه الحشرة ليست مجرد ذبابة عادية، بل تحمل في جعبتها تهديداً نادراً، إذ يرقاتها تستطيع التهام لحوم الكائنات الحية، مما يستدعي استنفار خبراء الأمراض المعدية وحماية الثروة الحيوانية على حد سواء.


اختراق نادر للبشر: التفاصيل والتداعيات

وفقا لتقرير حديث صادر عن المركز الأمريكي لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)، أُكتشفت إصابة بمرض يدعى علمياً “المييازيس” ناتج عن «الدودة الحلزونية الجديدة» لدى أحد سكان ولاية ماريلاند، وذلك عقب عودته من السفر إلى أميركا الوسطى. قد يبدو هذا غريباً، فهذه الطفيليات معروفة بأنها تهاجم الأبقار والأغنام أكثر من البشر، لكن خطورتها تكمن في قدرة يرقاتها على أكل لحم الكائن المصاب أثناء نموها، ما يجعل الإصابة مؤلمة وربما قاتلة إذا أُهملت.

وعلى الرغم من أن حالة هذا الشخص شهدت تعافياً تاماً دون انتقال العدوى لأي شخص أو حيوان آخر، يقول مسؤولو الصحة إن التذكير بهذه الحادثة مهم لدفع المزارعين والأطباء البيطريين والأطباء البشر للحذر والاستعداد الدائم.

وهنا تتزايد أهمية متابعة انتشار هذا الطفيل الذي وضع منظومة الأمن الغذائي الأمريكية في حالة ترقب منذ رُصدت حالات عديدة في دول الجوار الجنوبي.


الدودة الحلزونية: عدو قديم يعود من جديد

لعل تسلسل ظهور المرض يذكّر بقصص الأوبئة القديمة؛ إذ أن الدودة الحلزونية، أو باللاتينية «Cochliomyia hominivorax»، كانت سابقاً تتوغل في الجنوب الأمريكي وحتى ولايات مثل تكساس وفلوريدا. وامتدت السيطرة عليها عقوداً، حيث خاضت وزارة الزراعة الأمريكية حرباً ناجحة عليها عبر إطلاق أعداد ضخمة من الذكور المُعقمة بواسطة الإشعاع، وهو ما يعرف بأسلوب «التعقيم الوقائي».

لكن في السنوات الأخيرة بدأت حالات الاصابة باليرقات اللحمية تتزايد في امريكا اللاتينية والكاريبي، لتسجّل نيكاراغوا مؤخراً أكثر من 120 إصابة بشرية، بينما أعلنت كوستاريكا عن أول وفاة بشرية بسبب هذا الطفيل منذ التسعينيات. وتعود المخاوف لينتقل الذعر من القطعان إلى الإنسان، وتتشكل تهديدات اقتصادية عند الحديث عن خسائر قد تتجاوز عشرة مليارات دولار إذا تسبب الطفيل في اجتياح مناطق إنتاج الثروة الحيوانية الكبيرة بأمريكا.

وبينما نواصل الحديث عن هذا الطفيلي، لا بد من استعراض دورة حياته المعقدة وآليات انتشاره.


كيف تنتقل الدودة الحلزونية ولماذا هي خطيرة فعلاً؟

من اللافت أن الدودة الحلزونية ليست فيروساً ولا تنتقل بالمخالطة المعتادة، بل تتكاثر عن طريق أنثى الذبابة التي تبيض في جروح الحيوانات أو البشر. بمجرد تفقيس البيوض، تبدأ يرقات الطفيلي بغزو الأنسجة الحية وهي تتغذى عليها، فيما تحمل أفواهها الصغيرة أشكالاً حلزونية تمكنها من الحفر عميقاً داخل اللحم.

ويحذر الخبراء من أن هذا السلوك يجذب ذباباً آخر لوضع المزيد من البيض، ما يؤدي إلى تفاقم الإصابة واحتمالية وصول العدوى إلى أماكن حساسة مثل المخ أو ظهور تعفنات دموية (تعفن الدم). من جانب آخر، لا تشكل العدوى خطورة انتقال مباشرة، لكنها تمثل صداعاً للمزارعين والمسؤولين عن الحجر البيطري، حيث تشكّل القطعان مستجمعاً مثالياً لانتشارها إذا بارحت الحدود.

لذلك، كلما اقتربت موجة العدوى من المزارع الأمريكية، تصاعدت الدعوات لاتخاذ تدابير صارمة للسيطرة الحدودية والحجر الصحي، تفادياً لخسائر اقتصادية وصحية جسيمة.


جبهة المكافحة: إجراءات أمريكية لمنع اجتياح الطفيلي

ومن هذا المنطلق، وضعت السلطات الزراعية والصحية الأمريكية خطط طوارئ استثنائية. فقد أعلنت وزارة الزراعة عن تدشين منشأة جديدة في تكساس ستكون الأولى من نوعها لإنتاج الذباب المعقم بمعدلات تلامس 300 مليون ذبابة أسبوعياً. والفكرة هنا هي إطلاق أعداد هائلة من الذكور العقيمة لمقاطعة توالد الذباب البرّي والقضاء على أية بؤرة عدوى محتملة قبل أن تتفاقم.

في الوقت نفسه، أُعلنت خطط لتعزيز قدرات فرق الدوريات البيطرية المدربة ("ركاب القراد")، وزيادة تدريب الكلاب على كشف العدوى في الحيوانات على الحدود، وضخ استثمارات ضخمة في البحث التقني، إلى جانب دعم مشروع مماثل في المكسيك، حيث من المتوقع افتتاح منشأة إنتاج ضخمة عام 2026.

وهذا التفاعل المتكامل من برامج الرقابة والإنتاج المكثف يعكس حجم القلق من عودة الطفيلي إلى أراضي الولايات المتحدة بعد عقود من القضاء عليه، خاصةً مع تعالي أصوات أرباب المزارع المطالبين بالحزم لحماية السوق وتأمين الإمدادات الغذائية.

ذو صلة

نظرة ختامية: يقظة مستحقة في زمن الأوبئة العابرة للحدود

ختاماً، تظهر قصة ظهور حالة «الدودة الحلزونية» أهمية الجاهزية والتخطيط الذكي في التعامل مع التهديدات الصحية المستجدة. فالذباب الطفيلي، المكافحة البيولوجية، مراقبة القطعان، الحجر البيطري، والأمن الغذائي كلها عناصر متداخلة في لوحة مواجهة خطر قديم متجدد. ورغم أن الخطر الحقيقي على الأفراد في الولايات المتحدة ما زال محدوداً، إلا أن بقاء خطر انتقال العدوى وتوسعها مع استمرار حركة البشر والحيوانات والسلع، يفرض حالة استنفار ومتابعة دائمة على جبهات الصحة والزراعة والبحوث. وتبقى العبرة بأن الانتصار على أعداء خفية من هذا النوع يتطلب دائماً يقظة... وابتكاراً مستمراً.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة