قوائم أراجيك

حمدي الطباع: في بعض دول المنطقة تنفق الأسرة 35% من دخلها على الدروس الخصوصية… هذا خلل لا يمكن تجاهله

محمد كمال
محمد كمال

5 د

تصاعدت كلفة الدروس الخصوصية إلى 35% من دخل الأسرة.

حمدي طباع أسس Abwaab لبناء نموذج تعليمي "موجّه" قابل للتوسع.

يعتمد النموذج على ثلاث طبقات: تقنية، دعم بشري، وتواصل حضوري.

التوسع المبكر قبل "ملاءمة المنتج للسوق" فرض إعادة هيكلة مؤلمة.

الشركة تقيس التقدم الفعلي وتحسّن الأداء بنحو 30%.

في وقت تتسارع فيه موجة الذكاء الاصطناعي في التعليم، وتتصاعد كلفة الدروس الخصوصية لتصل في بعض بلدان المنطقة إلى 35% من دخل الأسرة، يصبح السؤال حول نموذج تعليمي قابل للتوسع وجودة حقيقية أكثر إلحاحًا.

حمدي الطباع، الذي انتقل من بناء أسواق أوبر في المنطقة إلى تأسيس Abwaab، يخوض هذا التحدي من زاوية تشغيلية بحتة: كيف تبني منتجًا تعليميًا يقيس التقدم لا عدد الدقائق، ويتحمل الضغط التنظيمي، ويتعافى من انطلاقة سبقت ملاءمة المنتج للسوق بستة أسابيع فقط قبل الجائحة؟ في هذا الحوار، يدخل طباع في تفاصيل القرارات، الأخطاء المبكرة، وكيف أعادوا ضبط المسار حتى يصلوا إلى نموذج مستدام.

حمدي الطباع، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Abwaab للتكنولوجيا التعليمية، سبق أن قاد توسع أوبر في المنطقة وأسس مشاريع في قطاع التجزئة قبل دخوله مجال التعليم.


القيادة كمسؤولية لا كسيطرة

انتقلت من أوبر إلى Abwaab. ما الدرس القيادي الذي رافقك، خاصة في بيئات تتطلب توسعًا سريعًا؟
في أوبر كنا نبني أسواقًا من الصفر. هذا يعني تعيين قادة محليين ومنحهم صلاحيات حقيقية، لا إدارة كل شيء من المركز. الفكرة كانت بسيطة: إذا أردت سرعة، فعليك أن تثق. هذا الدرس انتقل معي بالكامل إلى Abwaab.

التمكين عندنا ليس شعارًا. نتوقع من الفرق أن تجرّب، أن تخطئ، وأن تتعلم بسرعة. دوري ليس الإمساك بكل الخيوط، بل خلق بيئة يتحمل فيها كل شخص مسؤولية ما يبنيه. عندما يشعر الفريق أن له حصة فعلية في القرار والنتيجة، يتغير مستوى الالتزام بشكل ملموس.


لماذا كان التعليم قضية لا يمكن تجاهلها؟

عملت في قطاع النقل، ثم قررت دخول التعليم. ما الذي جعلك ترى أن هذه هي المشكلة التي تستحق المعالجة؟
خلال عملي في المنطقة كنت أرى حجم الإنفاق العائلي على التعليم، خاصة الدروس الخصوصية. في بعض دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يصل إلى 35% من دخل الأسرة. في القاهرة أو بغداد مثلًا، تشاهد طلابًا يتنقلون يوميًا إلى مراكز مكتظة بعد المدرسة لأن الامتحان النهائي يحدد مستقبلهم الجامعي بالكامل.

بعد أن رأيت أثر التكنولوجيا في تحسين الوصول إلى خدمات النقل، شعرت أن علينا محاولة معالجة التعليم بنفس الطموح. السؤال كان: هل يمكن استخدام التكنولوجيا لتقديم جودة عالية من دون أن تدفع الأسر الكلفة مرتين — مرة للمدرسة ومرة للدروس؟ هذا هو الرهان الذي دخلنا به.


بناء نموذج تعلّم موجّه بثلاث طبقات

كثير من منصات التعليم تبدأ بالمحتوى. أنتم تتحدثون عن نموذج من ثلاث طبقات. كيف تطور هذا النموذج عمليًا؟ وكيف تعرفون أنه يعمل؟
اكتشفنا مبكرًا أن المحتوى وحده لا يكفي. النموذج تطوّر عبر سنوات من التجربة إلى ثلاث طبقات واضحة.

الطبقة الأولى هي بنية تقنية عميقة مدعومة بالذكاء الاصطناعي تتيح مسارات تعلم مخصصة. الثانية طبقة دعم بشرية: مساعدين أكاديميين وخبراء يتابعون الطلاب بشكل فعلي. الثالثة نقاط تواصل غير رقمية مثل مراكز الاختبارات ومخيمات المراجعة لتعزيز الانضباط.

نسمي هذا “نظام تعلّم موجّه”. الطالب لا يُترك وحده أمام الشاشة. لدينا مليارات التفاعلات التعليمية التي تغذي أنظمتنا، ونستخدمها لتخصيص التجربة. أبحاث مستقلة أشارت إلى تحسن في الأداء يصل إلى 30%. هذا بالنسبة لنا مؤشر أن المزج بين البيانات والدعم البشري يصنع فرقًا حقيقيًا.


التوسع قبل ملاءمة المنتج للسوق

أطلقتم المنصة قبل ستة أسابيع فقط من جائحة كورونا. كيف أثّر ذلك على مسار الشركة؟
التوقيت كان استثنائيًا. خلال الإغلاقات عقدنا شراكة مع الحكومة الأردنية، وهذا سرّع النمو بشكل كبير. لكن النمو السريع وضعنا أمام واقع لم نكن مستعدين له بالكامل. توسعنا قبل أن نصل إلى Product-Market Fit (ملاءمة المنتج للسوق) بالشكل الكافي.

تعلّمنا بالطريقة الصعبة. احتجنا إلى سنوات من إعادة الهيكلة والتركيز من جديد على قيمة الطالب الأساسية. أوقفنا بعض التوسعات، وأعدنا ترتيب الأولويات داخل المنتج والعمليات. اليوم يمكنني القول إن تلك الأخطاء المبكرة هي ما جعل النموذج أكثر صلابة. عرفنا أننا وصلنا إلى نقطة توازن أفضل عندما بدأنا نرى استقرارًا في التحصيل وتراجعًا في معدلات الانسحاب بالتوازي مع النمو.


قياس التقدم لا وقت الشاشة

في منصات كثيرة يتم تحسين مؤشرات التفاعل ووقت الاستخدام. كيف تتجنبون الوقوع في هذا المسار؟ وما الذي تتابعونه فعليًا؟
بالنسبة لنا، التعليم مرتبط بالتقدم، لا بعدد الدقائق على المنصة. الطلاب يتعلمون بسرعات مختلفة، وبعضهم يحتاج إرشادًا أكثر من غيره. لذلك صممنا بنية تتيح تقييمًا مستمرًا، مع وجود مساعد أكاديمي لكل طالب مدعوم بأدوات ذكاء اصطناعي.

نركز على مؤشرات التقدم في الاختبارات، وعلى نتائج الامتحانات التجريبية الحضورية التي تحاكي الظروف الفعلية. هذه تعطينا صورة أدق من مجرد معدل دخول يومي. الهدف أن ينتقل الطالب من مستوى إلى آخر، لا أن يقضي وقتًا أطول معنا.


التنفيذ كمهارة تتشكل من الإخفاق

قبل Abwaab كان لديك مشروع تجزئة لم ينجح. ماذا بقي معك من تلك التجربة؟
أطلقت سلسلة سوبرماركت في الأردن وفشلت. العمل بهوامش ربح ضيقة علّمني الانضباط في إدارة التكاليف والتدفق النقدي. عندما تخسر من مالك الخاص، يصبح التعلم مباشرًا جدًا.

تعلمت أيضًا درسًا في هيكلة الملكية. في البداية كنت أعتقد أن عليّ الاحتفاظ بكل شيء. في Abwaab هناك ملكية حقيقية للفريق. هذا يغيّر مستوى المساءلة والالتزام.

ثم جاءت أوبر وصقلت مهارة التنفيذ: الانتقال من عدد محدود من السائقين إلى عشرات الآلاف يتطلب أنظمة واضحة، ومتابعة يومية للتفاصيل. عملي مع الحكومات في تنظيم خدمات النقل أضاف بُعدًا آخر، إدارة أصحاب المصلحة وبناء سردية مقنعة. اليوم نستخدم هذا عندما نعمل مع وزارات التعليم على تجارب لمنتجات مدعومة بالذكاء الاصطناعي.


النمو بين أسواق مختلفة

كيف تقررون أين تتوسعون، في ظل اختلاف القدرة الشرائية بين الخليج، وبلدان الشام وشمال أفريقيا؟
لا نتعامل مع المنطقة كوحدة واحدة. في الخليج هناك استعداد أكبر لدفع مقابل حلول متميزة، بينما في المشرق وشمال أفريقيا التحدي هو الوصول إلى أعداد كبيرة بسعر مناسب.

ذو صلة

رغم الفروقات، هناك عامل مشترك: الاعتماد الواسع على التعليم التكميلي. الأسر تستثمر بكثافة في تعليم أبنائها. قرار الدخول إلى سوق جديد يعتمد على فهم هذا التوازن بين السعر، الحجم، والقدرة على تحقيق أثر تعليمي ملموس.

في المشهد الذي يصفه حمدي طباع، لا تبدو التكنولوجيا وعدًا منفصلًا عن التنفيذ. ثلاث نقاط تتكرر ضمنيًا: التوسع قبل ملاءمة المنتج للسوق قد يسرّع النمو لكنه يفرض كلفة تصحيح لاحقًا؛ قياس التقدم الفعلي—even بتحسن يصل إلى 30% وفق أبحاث مستقلة—أصدق من تراكم دقائق الاستخدام؛ والملكية الموزعة داخل الفريق ليست تفصيلًا تنظيميًا بل رافعة مساءلة. بين فشل مبكر في التجزئة وشراكات مع حكومات، تشكّل نموذج Abwaab عبر قرارات قابلة للقياس، لا عبر شعارات.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة