سالي العقاد: الألقاب تتغير، لكن ما يبقى هو: ماذا بنينا؟ وهل يمكن أن يصمد؟

5 د
في سباق الضوضاء الرقمية، الأهم “كيف نبني لنصمد” لا كيف ننمو بسرعة.
سالي العقاد ترى نفسها “بانية” أنظمة قابلة للتوسع تقوم على الحوكمة.
الاستراتيجية لديها “سلسلة مفاضلات” مرتبطة بالإيرادات واقتصاديات الوحدة.
Abjjad تسد فجوة المحتوى العربي الذي لا يتجاوز 5% عالميًا.
الذكاء الاصطناعي فرصة للتوسع وخفض التكلفة دون المساس بالجودة.
في لحظة يتسارع فيها سباق المنصات الرقمية على المحتوى، وتزداد الضوضاء حوله، تصبح مسألة “كيف نبني لنصمد” أهم من “كيف ننمو بسرعة”. سالي العقاد تقود Abjjad في سوق يعاني فجوة واضحة: أقل من 5% من محتوى الإنترنت عالميًا باللغة العربية، رغم مئات الملايين من المتحدثين بها.
بين مسؤولية ثقافية وضغوط تشغيلية، تتحدث عن قرارات تمس الحوكمة، واقتصاديات الوحدة، والتوسع المسؤول. هذا الحوار يحاول تفكيك منطقها في اتخاذ القرار: ماذا بنت أولًا، كيف تقيس الاستدامة، وأين تضع حدود الطموح.
سالي العقاد، الرئيسة التنفيذية لمنصة Abjjad، قادت مسيرتها عبر أدوار تجارية ورقمية متعددة قبل أن تتولى قيادة المنصة المتخصصة في الكتب الإلكترونية والصوتية العربية، مع تركيز على الحوكمة وبناء الأنظمة القابلة للتوسع.
من “أدير التفاصيل” إلى “أبني أنظمة”
حين تُسألين عن تعريفك المهني، لا تبدأين بلقب، بل بعبارة “أنا بانية”. ماذا تقصدين بهذا التعريف؟ وكيف تشكل عبر مسيرتك؟
أنا أرى نفسي بانية فرق وأنظمة وأعمال قابلة للتوسع. الألقاب تتغير، لكن ما يبقى هو: ماذا بنينا؟ وهل يمكن أن يصمد؟
تنقلت بين أدوار تجارية وتسويقية ورقمية، أحيانًا داخل شركات متعددة الجنسيات، كل مرة لأن هناك مساحة لأتعلم أو أتحمل مسؤولية أكبر. في الأدوار التجارية المبكرة، كنت قريبة جدًا من الإيرادات والعملاء. هذا خلق إحساسًا عاليًا بالمساءلة. القرار لا يُقاس بجودته النظرية، بل بنتيجته الفعلية.
مع الوقت، أدركت أن الإدارة المباشرة لكل التفاصيل لا تبني شركة قابلة للتوسع. فانتقلت تدريجيًا من الإشراف الشخصي إلى وضع حوكمة واضحة. بالنسبة لي، الاتجاه يجب أن يصاحبه نظام رقابة. ليس بهدف التدخل في كل صغيرة، بل لإيجاد أطر قابلة للتدقيق تعطي وضوحًا ومحاسبة واتساقًا. من دون وضوح يضيع الفريق، ومن دون رقابة ينهار التوسع.
التجارة أولًا: منطق المفاضلات
كيف أثرت بدايتك في القطاعات التجارية على تفكيرك الاستراتيجي اليوم؟
العمل اليومي مع العملاء والإيرادات علمني أن الاستراتيجية ليست عرض شرائح. هي سلسلة مفاضلات.
كل قرار يعني أنني أختار مسارًا وأتخلى عن آخر. ما تكلفة الفرصة البديلة؟ هل لدينا التوقيت المناسب؟ هل الفريق قادر على التنفيذ؟ هذه الأسئلة لم تكن نظرية بالنسبة لي، بل جزءًا من العمل اليومي.
هذا التأسيس جعلني حذرة في التوسع. النمو دون انضباط قد يبدو جذابًا، لكنه مكلف. لذلك أوازن دائمًا بين الطموح والقدرة التنفيذية.
التجارة الإلكترونية: حيث يلتقي كل شيء
ذكرتِ أن أكثر وظيفة أثرت فيك كانت في التجارة الإلكترونية. لماذا تحديدًا؟ وما الذي تعلمته هناك على مستوى التشغيل؟
لأنها تجمع كل شيء في نقطة واحدة. التسويق، المنتج، البيانات، العمليات، والإيرادات تتصادم في الوقت الحقيقي. أثر القرار يظهر فورًا.
عندما تقود مبادرة تجارة إلكترونية، لا يمكنك عزل وظيفة عن أخرى. أي تغيير في تجربة المستخدم ينعكس على التحويل، وأي خلل تشغيلي يظهر في الشكاوى أو التراجع. هذا علمني التفكير بالمضاعفات، لا بالوحدات المنفصلة.
كما كنت أتعمد تغيير الأدوار كل عدة سنوات. أردت فهم كيف تتفاعل الوظائف وأين تتعارض. هذا رسخ لدي قناعة بأهمية الفصل الواضح في الصلاحيات، مع وجود تناغم حقيقي بين الفرق.
سلوك المستهلك في عصر الضوضاء
كيف تقرئين تغير سلوك المستهلك خلال العقد الأخير؟ وما الذي يفرضه ذلك على المنصات الرقمية؟
المستهلك اليوم مُرهق بالخيارات والوعود. جذب الانتباه أصعب، والحفاظ على الثقة أصعب.
الأهم هو القدرة على تقديم وعد واضح وتنفيذه عبر تجربة موحدة. المستخدم لا يفصل بين التسويق والمنتج وخدمة العملاء والتقنية. يراها تجربة واحدة.
كما أن التوقعات تنتقل بين الصناعات. أفضل تجربة يمر بها شخص في أي تطبيق تصبح معيارًا لبقية التطبيقات. والتكنولوجيا ترفع سقف القيمة المتوقعة مقابل كل جنيه يُدفع. هذا يعني أن أي ضعف تشغيلي يظهر بسرعة.
التعلم كشرط للبقاء
تتحدثين كثيرًا عن التعلم المستمر. هل هو خيار أم ضرورة قيادية؟
هو ضرورة. إذا توقف القائد عن التعلم، تتجاوزه السوق.
بالنسبة لي، لم أحصل مبكرًا على توجيه منهجي، فاعتمدت على التعلم الذاتي والملاحظة. لاحقًا استثمرت في شهادات مهنية، ثم MBA، وحاليًا DBA. لم يكن الأمر بحثًا عن لقب أكاديمي، بل عن أدوات تفكير أقوى.
التعلم ليس فقط إضافة معلومات. أحيانًا هو مراجعة افتراضات قديمة واختبار صلاحيتها. الافتراض الخاطئ أخطر من الجهل. لذلك أرى أن ثقافة التعلم داخل الشركة ضرورة للنمو المستدام.
Abjjad: بين المحتوى والتقنية والاقتصاد
ما الذي جذبك لتولي قيادة Abjjad؟ وكيف تعرّفين دورها اليوم في السوق؟
جذبتني نقطة التقاطع بين المحتوى والتقنية والثقافة. Abjjad ليست مجرد منصة رقمية. هي مشروع اقتصادي قائم على المعرفة، وله أثر ثقافي في حفظ الأدب العربي وتوسيعه، وأثر تقني في تحديث طرق الوصول إليه.
لدينا فجوة واضحة: أقل من 5% من محتوى الإنترنت عالميًا بالعربية، رغم عدد المتحدثين الكبير. هذا تحدٍ وفرصة في آن واحد.
اليوم نركز على توسيع الوصول العالمي للأدب العربي. نحن في موقع ريادي في الكتب الإلكترونية العربية، ونعمل على بناء موقع قيادي في الكتب الصوتية. النمو بالنسبة لي لا يعني فقط زيادة الحجم، بل تنويع الجمهور وتعزيز اقتصاديات الوحدة، حتى يكون التوسع مسؤولًا وقابلًا للاستمرار.
الثقة مع الناشرين والرهان على الذكاء الاصطناعي
في نموذج المنصات، العلاقة مع الناشرين حساسة. كيف توازنين المصالح؟
الأمر يعود إلى الأساسيات: ثقة وشفافية وحوافز متسقة.
الناشر يحتاج بيانات واضحة ويمكن التنبؤ بها واحترامًا لقيمة المحتوى. المنصة تحتاج تعاونًا طويل الأمد. الاستدامة تتحقق عندما ينمو الطرفان معًا.
وأين ترين دور الذكاء الاصطناعي في هذا السياق؟
أراه فرصة ومسؤولية. يمكنه خفض تكلفة الإنتاج، وتحسين التخصيص، وتسريع التوسع إذا استُخدم بوعي.
في حالة المحتوى العربي، الفجوة الرقمية تعني أن أي تسريع في الإنتاج أو الاكتشاف له أثر ثقافي واقتصادي. لكن لا بد أن يتم ذلك دون المساس بالجودة. التقنية أداة، وليست غاية.
في حديثها، تتكرر ثلاث أفكار عملية: الاستراتيجية هي مفاضلة يومية مرتبطة بالإيرادات، الحوكمة شرط للتوسع لا عائق له، والتعلم المستمر آلية مراجعة قبل أن يكون تراكمًا معرفيًا. وفي سوق لا تتجاوز فيه العربية 5% من المحتوى الرقمي العالمي، يصبح السؤال عن كيفية القياس والانضباط جزءًا من مسؤولية ثقافية بقدر ما هو قرار تجاري.
عبَّر عن رأيك
إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

