ضوء من اللاشيء: أكسفورد تحاكي أغرب ظواهر الفيزياء

3 د
نجح فريق من الباحثين في أوكسفورد بمحاكاة تأثيرات كمومية باستخدام الحاسب.
الفراغ الكمومي ممتلئ بجسيمات افتراضية، تصطدم بها حزم ليزر قوية جداً.
تتيح هذه المحاكاة فرصاً جديدة لاختبارات تجريبية حول نظريات الكم الغامضة.
التجارب المقبلة قد تكشف عن جسيمات جديدة، وتغني معرفتنا بالمادة المظلمة.
لطالما اعتبر مفهوم تفاعل الضوء مع الفراغ ضرباً من الخيال العلمي، لكن فريقاً من الفيزيائيين في جامعة أوكسفورد كسر هذا التصور بإعادة خلق تأثيرات كمومية متطرفة عبر المحاكاة الحاسوبية، مما يمهّد لحقبة جديدة من التجارب المخبرية لاكتشافات عجيبة في عالم الفيزياء الحديثة.
تخيل فضاء فارغ تماماً لا يغمره شيء سوى السكون، ثم فجأة، ينبعث منه شعاع ضوئي جديد—كأن النور نشأ من العدم. هذه ليست صورة شعرية، بل افتتان علمي واقعي، وهو بالضبط ما قام فريق دولي من الباحثين بقيادة جامعة أوكسفورد بمحاكاته على الحاسب، كاشفين كيف تتصرف أشعة الليزر الفائقة القوة عندما تدخل "الفراغ الكمومي" وتثير بداخله تغييرات تظنها للوهلة الأولى مستحيلة. وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تفتح الباب أمام مختبرات العالم لاختبار ما كان حتى الآن من أسرار النظريات الكمومية باستخدام أجهزة الليزر عالية الطاقة.
فراغ ليس فارغاً: عالم الجسيمات الافتراضية
الرابط هنا هو أن الفراغ في عالم الفيزياء التقليدية لم يعد منطقة خالية إلا من الهواء والجسيمات؛ فوفق ميكانيكا الكم، يموج الفراغ بجسيمات افتراضية—كالأزواج السريعة الزوال من الإلكترونات والبوزيترونات—تظهر وتختفي بلا توقف. وعبر برامج حاسوبية متطورة، أنجز فريق أوكسفورد—بشراكة مع معهد التقنية المتقدمة بجامعة لشبونة—أول نمذجة ثلاثية الأبعاد وزمنية لكيفية تغيّر هذا الفضاء الكمومي عند اصطدام حزم ليزر قوية جداً. هذه المحاكاة لم توضح فقط الأساسيات، بل أتاحت للباحثين أن يشاهدوا عن كثب تفاعلات فريدة، مثل ما يُعرف بظاهرة "اختلاط الموجات الأربع في الفراغ"، حيث تؤدي ثلاثة نبضات ليزرية متصالبة إلى استقطاب الجسيمات الافتراضية وجعل الفوتونات ترتد عن بعضها وكأنها كرات بلياردو ضوئية وتوليد شعاع جديد—كل هذا داخل "الظلام المطلق".
وارتباطاً بذلك، فإن نتائج الدراسة توفر أدلة حاسمة على صحة توقّعات النظرية الكمومية بخصوص الفوتونات الافتراضية وتمهد الطريق لتجارب تحمل آفاقاً علمية هائلة.
ثورة الليزر القوي: مختبرات العالم تترقب
ما يجعل الأمر أكثر إثارة هو تقاطع هذه النتائج مع انطلاق جيل جديد من مختبرات الليزر العملاقة حول العالم—مثل مشروع "ELI" الأوروبي، ومختبر "فولكان 20-20" البريطاني، ومنشأة الضوء الشديد في الصين وغيرها—التي تحقق قدرات طاقة غير مسبوقة. هذه الإنجازات ستسمح قريباً بتحقيق اختبارات حقيقية لظاهرة تشتت الفوتونات داخل المختبر للمرة الأولى، وهو ما تسعى إليه أيضاً المؤسسات الأمريكية مثل مشروع "OPAL" بمعهد روتشستر، بعدما اختار هذه الظاهرة كواحدة من تجاربه الرئيسية. وتجدر الإشارة إلى أن هذه المحاكاة استندت إلى تحديثات مرموقة في برمجية OSIRIS التي تشتهر بقدرتها على تمثيل التفاعلات بين الليزر والمادة أو البلازما.
وبالاستناد إلى ذلك، فإن التصوّرات الحاسوبية التي وفّرها الباحثون تمنح العلماء معلومات عملية محددة تمكنهم من تصميم تجارب دقيقة تراعي جميع تعقيدات شكل الحزم الليزرية وتوقيتها، إضافة إلى كشفها عن تفاصيل جديدة، مثل تطور التفاعل عبر الزمن وتأثير الاختلافات البسيطة في هندسة الشعاع على النتيجة النهائية.
نوافذ جديدة على عالم المادة المظلمة والجسيمات الغامضة
هذا العمل لا يقتصر على تأكيد ظواهر كمومية عجيبة فحسب، بل يتيح أيضاً وسائل جديدة للبحث عن جسيمات نظرية مثل "الأكسيون" و"الجسيمات ذات الشحن الضعيف"—وهما من أكثر المرشحين المحتملين لتفسير المادة المظلمة التي تشكل نسبة ضخمة من الكون ولا تزال غامضة حتى اليوم.
ومن خلال هذه التقنية، يأمل العلماء بأن تتمكن التجارب المستقبلية من رصد علامات دقيقة على وجود مثل هذه الجسيمات، مما قد يحدث ثورة في فهمنا للعالم دون الذري ولبنية الكون الأساسية.
وفي نهاية المطاف، يجمع العلماء بين قدرة الليزر فائق الشدة، وجبروت التحليل العددي باستعمال برمجيات متطورة، ومستشعرات عالية الدقة، ليفتحوا أفقاً جديداً كلياً للفيزياء الأساسية واستكشاف حدود الواقع المعروف.
ملخصاً لما سبق، تبرز جهود مختبر جامعة أوكسفورد كمثال ملهم على تلاقي الخيال العلمي مع العلم التجريبي، حيث بات من الممكن محاكاة "فراغٍ كمومي" ليس فارغاً إطلاقاً، وشق الطريق أمام فتوحات قد تغيّر نظرتنا لطبيعة المادة والطاقة والفراغ ذاته. وإذا سارت التجارب المخبرية الكبرى القادمة على خطى هذه المحاكاة، فربما لا نكون بعيدين جداً عن لحظة يصبح فيها الضوء حقاً يولد من "العدم".
عبَّر عن رأيك
إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.