لحظة تاريخية في الطب: أول دواء يصممه الذكاء الاصطناعي يقترب من الموافقة
3 د
يقترب دواء رينتوسيرتيب من دخول المرحلة الثالثة من التجارب السريرية النهائية.
يستهدف الدواء مرض التليف الرئوي، وأظهر تحسناً ملحوظاً في التجارب السابقة.
تم تطوير الدواء بسرعة قياسية، مما يغير من قواعد تطوير الأدوية التقليدية.
يستثمر العالم بكثافة في الذكاء الاصطناعي لتسريع وكفاءة صناعة الأدوية.
تشهد الصناعة تعاونات وتحالفات ضخمة لاستغلال الفرص الجديدة في هذا المجال.
تبدو صناعة الأدوية اليوم وكأنها تقف على أبواب لحظة تاريخية يمكن أن تغيّر قواعد اللعبة من جذورها. فدواء جديد يحمل اسم رينتوسيرتيب، طوّرته شركة إنسيليكو ميديسن اعتماداً على الذكاء الاصطناعي من الألف إلى الياء، يقترب بسرعة من دخول المرحلة الثالثة من التجارب السريرية، وهي الخطوة الأخيرة قبل طلب الموافقة الرسمية. الحديث هنا ليس عن تجربة عابرة، بل عن تحول قد يعيد رسم مستقبل الطب والبحث الدوائي.
العلاج وسرعة التطوير غير المسبوقة
يستهدف الدواء مرض التليف الرئوي مجهول السبب، وهو مرض تنفسي قاتل يودي بحياة عشرات الآلاف سنوياً. وأظهرت التجارب السريرية في مرحلتها الثانية تحسناً ملحوظاً في وظائف الرئة لدى المرضى الذين تلقوا الجرعة الأعلى، مقارنة بتراجع واضح في مجموعة الدواء الوهمي. هذه النتائج المبكرة التي نُشرت في دورية علمية مرموقة منحت الدواء زخماً كبيراً. وما يجعل القصة أكثر إثارة هو السرعة القياسية التي شُيّد بها المشروع، إذ انتقل الدواء من مرحلة الاكتشاف إلى التجارب على البشر في أقل من عامين، بينما تستغرق هذه العملية عادة نحو خمس سنوات. وهذا يفتح الباب أمام نقاش واسع حول كيف يمكن للتعلم الآلي وتسريع النمذجة أن يعيدا تعريف زمن تطوير الأدوية.
وهذه النقلة في زمن التطوير ترتبط مباشرة بموجة حماس عالمية للاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي الدوائي.
سباق استثماري يشعل الحماسة حول الذكاء الاصطناعي
شهدت شركات تطوير الأدوية المدعومة بالذكاء الاصطناعي تدفقاً غير مسبوق لرؤوس الأموال خلال العام الماضي، حيث ضخّت شركات الاستثمار نحو ثلاثة مليارات دولار في هذه الفئة خلال ثلاثة أرباع سنة فقط. ويعكس هذا الاندفاع قناعة متزايدة بأن خوارزميات التحليل والتوليد يمكن أن ترفع الكفاءة وتخفض كلفة اكتشاف المركبات الجديدة. هذا الاتجاه الاستثماري يتناغم مع توقعات تشير إلى قفزة ضخمة في الإنفاق العالمي على تقنيات الذكاء الاصطناعي في قطاع الدواء خلال العقد المقبل.
ومن هنا تتجه الأنظار إلى كبار اللاعبين في الصناعة الذين بدأوا سباقاً خاصاً بهم لتسريع تبني هذه الأدوات.
تحالفات ضخمة لتسريع الاكتشاف الدوائي
بدأت شركات الأدوية العملاقة مثل إيلي ليلي الدخول بقوة إلى ساحة الذكاء الاصطناعي عبر بناء بنية تحتية رقمية عملاقة تشمل حواسيب فائقة تعتمد على آلاف وحدات المعالجة الرسومية. الهدف هو إنشاء ما يشبه مصنعاً رقمياً قادرًا على اختبار ملايين الجزيئات بشكل افتراضي في وقت قياسي. شركات ناشئة أخرى، مثل تشاي ديسكفري، حققت تمويلاً هائلاً وقيماً سوقية بمليارات الدولارات بفضل نماذج قادرة على توليد مركبات دوائية بمعدلات نجاح تعتبر سابقة في هذا المجال. هذا السباق لا يقف عند حدود الشركات، إذ يشهد القطاع أيضاً دخول شخصيات بارزة في عالم التكنولوجيا باستثمارات في مشاريع طموحة حول إطالة العمر والأدوية العصبية.
وتتلاقى هذه الديناميكية العامة مع ما تفعله إنسيليكو نفسها لتعزيز موقعها العالمي.
إنسيليكو بين الاكتتاب والتحالفات الجديدة
اختتمت الشركة عام 2025 بطرح أولي كبير في بورصة هونغ كونغ جذب مستثمرين كباراً من شركات تقنية وصيدلانية. ولم يمض وقت طويل قبل أن تعلن الشركة عن شراكات جديدة تهدف إلى تسريع تطوير أدوية إضافية باستخدام منصتها المبنية على الذكاء الاصطناعي. هذا النمو السريع يعكس ثقة متزايدة بأن النهج القائم على البيانات العميقة قد يصبح في المستقبل القريب معياراً أساسياً في الصناعة وليس مجرد تجربة مبتكرة.
خاتمة
ما بين دواء يُطوّر بسرعة لافتة، واستثمارات تتدفق بمعدلات قياسية، وشركات سباقة تبني مصانع رقمية للابتكار، يبدو أن صناعة الدواء تعيش بدايات ثورة حقيقية يقودها الذكاء الاصطناعي. وإذا نجح رينتوسيرتيب في عبور المرحلة الثالثة، فقد يكون أول دليل حي على أن المستقبل قد وصل بالفعل، حاملاً معه وعداً بتطوير أدوية أسرع وأكثر دقة وأقل تكلفة للمرضى حول العالم.
عبَّر عن رأيك
إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.









